بحرٌ مجرم

18 أكتوبر 2019
الصورة
ياسر عامر (الرجل الأصفر)/ الجزائر
+ الخط -

جاء المركب يقوده شاب بدا ثملاً يرافقه شاب آخر، بدأت النساء والأطفال بالصعود، ثم جاء دورنا. كان مكاني في مقدّمة المركب وخلفي بانغو وعائلته والعائلات السورية والكهل والأوغندي ورفيقه الأريتيري، والشاب الذي يشتغلُ نادلاً في ملهى.

انطلق المركب وبدأ يمخر عباب البحر بسرعة كبيرة، حينها تحمستُ لكون البحر كان هادئاً نسبياً والمركب سريعاً، سألنا مرافق القائد إذا كان بيننا من يتقن التركية، تقدم الشاب السوري وبعد حديث معه أخبرنا بأنه يريد منا أن نلتزم الصمت ونصبر ونتوكّل على الله.

من سخرية القدر أن ذلك اليوم كان مزامناً لعيد ميلادي الواحد والثلاثين، لم أكن أدري ما إذا كانت ستُكتَبُ لي حياةٌ جديدة وعمرٌ آخر أم أنّه سينتهي هنا؟

أخبرنا مرافق قائد المركب عن طريق الشاب السوري أنّنا على وشك الوصول، وحدّد وجهتنا حين أشار بيده إلى نقطة ضوءٍ بعيدة بقيتُ أتابعها بتمعن، تارة تبتعد وتارة تختفي، خاصة مع تعاظم الموج الذي كان قاسياً وعالياً يحاصرنا من الأمام والخلف وعلى يميننا ويسارنا.

حاول القائد ببراعة وهدوء تفاديها طيلة المسير الذي استغرق ثلاث ساعات، وكان يعتمد على الهاتف كثيراً للاتصال بالكشّاف، ولم نكن ندري ما الذي يحدث لكوننا نجهل التركية، والشابُ الوحيد بيننا الذي يتقنها كان بين نائم أو متوتر غير معني بحديث السائق في الهاتف ومع مرافقه، الذي كان يوجّهه بعيداً عن التيار البحري.

وبدوره، كان القائد يعمد إلى تكسير الموج ومعاكسته، لكن مع مرور الوقت، بات الوضع ميؤوساً منه وخارجاً عن السيطرة، خاصةً بعد أن تسلّلت إلى المركب أمواج كثيرة.

بدأ صراخ النسوة يتعالى مع اشتداد الموج العنيف، أما الأطفال، فلم أسمع صوتهم، في حين كان الحاج بانغو مع عائلته في حالة صمت وذهول، بقيتُ متماسكاً، لكن إصرار بحر إيجة على تسليط أمواجه النهمة علينا جعلني أرتعبُ وأفقدُ الأمل في النجاة، خاصة مع ارتفاع مستوى الموج وتعطُّل المركب أحياناً وسقوط المطر، ثم جاء سرب من الطيور لم أتعرف على نوعها، غربان أو نوارس، لكنّها كانت مخيفة جداً بحركة أجنحتها العريضة.

تخيلتُ نفسي مستلقياً على ظهري فوق سطح البحر، بطني منتفخٌ وتلك الطيور الشريرة تفقأ عينَيّ وتنقر وجهي والأمواج تتقاذفني، فكرتُ في مصيري، حاضري، والدتي، خُيّل إليَّ أن النهاية اقتربت، حتى مهاراتي في السباحة التي تعلمتها في الوادي في سن مبكّرة جداً مع الراحل عمي العظيم يوسف لا يمكنها أن تنفعني.

لم أتوقّف أيضاً عن تخيُّل بقية الركّاب، خاصة الأطفال، والأمواج الشرسة تعبث بهم، وتسحبهم إلى بطن بحر إيجة المجرم، وهم يصرخون ويستغيثون السماء والأرض، ذلك الضوء الذي أشار إليه مُرافق القائد كان ثابتاً في مكانه، فقط نحن من يراقصنا الموج بسادية مريعة عجز معها السائق رغم مهارته في التحكم بالوضع.

شعرتُ بعطش شديد ولم أجد ماءً وجفّ حلقي وبدأ الشاب السوري في التقيؤ. وبصعوبة تمكّن بانغو من العثور في أمتعته التي غمرها الماء على قارورة مياه بدّدت بعضاً من عطشي، تأكّدتُ أن الموت يفتح ذراعيه لنا ويعزف لحن النهاية القريبة لهذه المحاولة الفاشلة، لم يتوقّف رجل سوري يضع في حضنه ابنه المرعوب عن رفع يديه إلى السماء، فيما قائد المركب يحاول جاهداً التحكم في الموقف وبقي بكاءٌ نسوي خافت يأتي من الخلف ويرتفع عند اضطراب البحر. لا أدري لمَ توقّف خوفي فجأة، ربما ليقيني بالموت المؤكد الذي ينتظرنا أم لتفاؤل مفاجئ نزل على روحي المتشظية.

تحدثَ مرافق القائد مع الشاب السوري وأخبره بأنّه بقي لنا أقلّ من نصف ساعة للوصول، تضاعف تفاؤلي وتجاهلتُ الخوف ووقاحة الموج وعنجهيته المفرطة في حقنا، كنتُ أتعقب الضوء البعيد ببصر محدود بعد أن تبلّلت نظاراتي، كانت أضواءُ الشاطئ تبدو بعيدة والنقطة المضيئة الأخرى ثابتة في مكانها وقائد المركب يطلب منّا الحفاظ على هدوئنا والصبر، لم أنتبه لاتّجاه المركب الذي كان يتّجه شمالاً وشرقاً، أحياناً لمعاكسة الموج. هذه المرة بقي في اتّجاه الشرق واستمر كذلك حتى خرجنا من منطقة الخطر التي أفزعتنا لساعات، وبدأ البحر يتحرر نسبياً من اضطرابه.

كنّا نقترب من ضوء على الشاطئ حاولتُ التركيز على شيء مختلف عن أزمير يوحي بأننا في التراب اليونان، لم أصادف إلا أشجاراً كثيفة وإنارة على طرف الطريق.

اقترب المركب من الشاطئ واتّضح المشهد، بنايةٌ عتيقة وأشجارُ زيتونٍ، وغير بعيد منارةٌ تأكدتُ فيما بعد أنها لمسجد وليس كنيسة كما توهمت، وصلنا أخيراً ولم تعد تفصلنا عن اليابسة إلا أمتار، طلب منا القائد أن ننزل بسرعة قبل مجيء البحرية وتم الأمر كما طلب، قفزتُ في البحر من شدة الفرح ولم أبال بالبرد أو بثيابي التي تبلّلت ومعها الهاتف وبعض المال وهرولتُ سريعاً إلى الشاطئ لأحتفل بوصولنا. كنتُ أردّد في أعماقي: "أخيراً نجحت وتحقّق الحلم... أخيراً أوروبا".

التفتُ ورائي ووجدتُ أن البقية لا تزال عالقة في البحر، خاصة النساء والأطفال، عدتُ إلى المركب وساعدت ابنة بانغو على النزول وهي مضطربة جداً، وبقية الشباب تعاونوا على الأطفال والنسوة، وبدأ المركب في الانسحاب ومرافق القائد يلقي بالأمتعة في البحر. بعد وصولنا جميعاً إلى الشاطئ، بدأنا في الرقص والاحتفال ومعانقة بعضنا، حتى أن زوجة بانغو، تلك السيدة العظيمة الطيبة، عانقتني بشدة. بدأنا بأخذ صور تذكارية ولم نتوقف عن الفرح الذي لم يدم طويلاً.

فتحتُ الهاتف واتصلتُ بالمهرّب وأخبرته بوصولنا، هنّأني وطلب مني منحه "الشيفرة" حتى يسحب الأموال التي كانت في مكتب تأمين بإسطنبول، ووعدتُه بأن أفعل بعد أن نرتّب أمورنا هنا، ومن حسنِ حظي أنّني لم أفعل، اتخذَتْ العائلات السورية مكاناً بالقرب من ذلك البيت العتيق الذي كنّا نراه قبل أن نصل إلى الشاطئ، وسمعنا منهم في ما بعد بأنّنا في تركيا وليس اليونان.

جُنّ جنون الكهل السوري وبدأ في الاتصال بولده في أوروبا، ولم يتوقّف عن التدخين وفقد صوابه حين علم أنّنا لم نغادر بعد التراب التركي ودخل في صراع مع شابة سورية علمت من خرائط غوغل أنّنا في نقطة تركية.

عبدو الأوغندي صدمتُه كانت قوية جداً وظلّ يردد بعناد أفريقي حازم "This Grèce not Türkiye"، أمّا نحن الثلاثة فبقينا مذهولين، لقد نجونا من موتٍ محقّق وكدنا أن نكون وليمةً مجانية أخرى لبحر إيجة المفترس، وفي النهاية لا نزال في تركيا، أيّ حظٍ تعيس هذا وأي أقدار منحوسة تلاحقنا؟ وكان بانغو يردّد بحسرة: "c’est pas vrai".

كان الخبر كالصاعقة، حتى أنّني شعرت بثقل الثياب المبلّلة على ظهري والبرد يخترق جسدي المنهك بعد أن غادرني هذا الشعور أول ما وضعت قدميّ على الشاطئ.

غير بعيد عنّا، دنوتُ من مزبلة باحثاً عن أيّ شيء يُثبت أنّنا في تركيا وليس اليونان، مع يقين راسخ يؤكّد أن هاتف تلك الشابة السورية المصدومة مجنون أفقده بحر إيجة وعيه هو الآخر، وجدتُ في المزبلة أكياساً وعلباً وقارورات مشروبات وزجاجاتِ نبيذٍ كلّها مكتوبةٌ بالتركية.

حينها فقدتُ الأمل تماماً، واتّجهت مباشرة إلى ناحية معزولة ونزعت ثيابي وعصرتها من الماء وحاولتُ لملمة خيبتي المستجدة.


* كاتبٌ جزائري من مواليد 1986

** النص مقتطَف من كتابه "أناشيد الملح – سيرة حرّاق" الذي صدر حديثاً عن "منشورات المتوسّط"، وفيه يروي تجربته الشخصية مع الهجرة "غير القانونية" من تركيا إلى اليونان.

المساهمون