اهتمام جزائري واسع بتطورات الوضع في ليبيا... وتفاؤل بانحسار مشروع حفتر

25 مايو 2020
الصورة
إجماع سياسي في الجزائر على دعم حكومة الوفاق (Getty)
يتابع الفاعلون السياسيون في الجزائر تطورات الوضع في ليبيا، خاصة بعد هزيمة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في قاعدة الوطية (130 كيلومتراً عن الحدود الجزائرية)، وانسحاب قواته من مشارف العاصمة طرابلس، وهو ما اعتبر تحولاً لافتاً في الموقف على الأرض، ومؤشراً ميدانياً مريحاً يبعد سيناريوهات إقليمية مقلقة للجزائر المعنية بالملف الليبي بحكم الجغرافيا والحدود الممتدة إلى 980 كيلومتراً.

وأبان الكثير من تقديرات المواقف السياسية التي نشرت في الجزائر، خلال الأيام الأخيرة، عن ارتياح بالغ للتطورات الإيجابية لصالح حكومة الوفاق في ليبيا، وتراجع المخاوف من سيطرة حفتر وحلفائه الإقليميين على طرابلس، واتخاذها قاعدة لفرض مشروع سياسي على المنطقة. وترافق هذا الارتياح في التقديرات الجزائرية مع تجديد الدعوات للدبلوماسية الجزائرية للعب دور فاعل لإنهاء الحرب في ليبيا، ووقف التدخلات الأجنبية التي تزعزع استقرار ليبيا وتهدد الأمن القومي الجزائري في الوقت نفسه.


وقال المحلل السياسي المتابع للشؤون الدولية والإقليمية إدريس ربوح، لـ"العربي الجديد": "من الواضح أن حفتر وحلفاءه الإقليميين يتلقون الضربات بشكل متسارع، وهذا تحول مهم لصالح الحكومة الشرعية ولمنع تركيز مشروع يهيمن على المنطقة وستكون له تأثيراته على الجزائر أيضا"، مشيراً إلى أن "الجزائر تتابع تفاصيل المشهد الليبي ولكن بأسلوبها وبطريقة تدخل معينة. المؤسسة الحيوية نشطة جداً لكنها لا تريد أن تكون الأمور مكشوفة، ولهذا لم يكن حفتر ليصل إلى السيطرة على طرابلس ولن يصل إليها، وهذه نقطة تقاطع مهمة بين الجزائر وتركيا".

بدوره، اعتبر الكاتب المتخصص في الشؤون الإقليمية جمال زواري أن "تحرير قاعدة الوطية شكّل هزة كبيرة لكل الأطراف التي كانت تراهن على إمكانية الحسم العسكري من طرف المتمرد حفتر ومليشياته، وشكّل حرجاً بالغاً للمنظومة التي راهنت تحت الطاولة على عسكري فاشل لم يحقق نصراً واحداً طيلة حياته العسكرية، ليكون وسيلتها ليسيطر على طرابلس وينهي حكومة الوفاق كأمر واقع". وذكر في مقال نشره أن "تحرير قاعدة الوطية من طرف قوات حكومة الوفاق، والفضيحة الكبرى من خلال صور السلاح المكدس فيها كماً ونوعاً، يظهران أن الهدف كان أكبر من مجرد السيطرة على طرابلس والذي كان يتدفق لحفتر من جهات معروفة تحت أعين المنظومة الدولية".
وتوقع زواري أن تلجأ المنظومة الدولية إلى السعي لإنقاذ حفتر عبر "محاولة الدفع نحو إحياء العملية السياسية، ولو مؤقتا، حتى إيجاد بديل للفاشل حفتر يمكن الرهان عليه بنجاح، وهذا الحل السياسي الذي كانت تراهن عليه الجزائر من البداية، لكن هذه المنظومة الدولية كانت تعرقله عن طريق لاعبيها الإقليميين، كما أشار إلى ذلك الرئيس (عبد المجيد) تبون في آخر حوار له"، مضيفاً أن القوى النافذة قد تعمد إلى "كبح جماح بعض المتهورين من لاعبيها الإقليميين الذين يدفعون نحو تقسيم ليبيا إلى دولتين، واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، بعد فشلهم في السيطرة على طرابلس؛ ليس حرصاً على وحدة ليبيا والشعب الليبي، وإنما للحيلولة دون تنامي النفوذ التركي المقلق في الغرب الليبي الذي سيتعمق أكثر"، موضحاً: "مع قناعتنا الثابتة أن الحل في ليبيا في الأخير لن يكون إلا سياسياً بين الليبيين أنفسهم، مهما اختلفوا وتباينوا".

إلى ذلك، يصف الباحث والأكاديمي عمار سيغة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، المشهد الليبي بأنه "ما زال رهين صراعات خارجية في أرض ليبيا"، قائلًا إن "هناك تخبطاً للتحالف الموالي للمشير خليفة حفتر أمام خيبة الأمل من فشل المليشيات الموالية لحفتر في الحفاظ على مناطق السيطرة الاستراتيجية والقريبة من العاصمة طرابلس، التي تسيطر عليها القوات الحكومية التابعة لحكومة الوفاق الآن بفعل الدعم التركي".

ويضيف أن "الجزائر تظل معنية بالضرورة بالتطورات الليبية، لأن الخوف كله كان من استمرارية المشروع الإماراتي بعسكرة المنطقة، خاصة وأن النموذج المصري، عبر دعم السيسي، قدم الكثير للحلف المتمثل في الإمارات والسعودية بعد الفشل الذريع لصد المد الإيراني في اليمن، ليصطدم مرة أخرى بمواجهة تركيا".

سقوط مشروع هيمنة


ويذهب الكاتب والإعلامي عبد النور بوخمخم إلى أنه مع سقوط قاعدة الوطية "وبجوار حدود تونس والجزائر، يمكن الاطمئنان إلى سقوط مشروع الهيمنة الإسرائيلي في المنطقة المغاربية؛ كل ذلك تحت غطاء الإمارات"، مشيراً، في تقدير موقف نشره، إلى أن هذا المشروع استخدم الأموال وتدفق السلاح "وكان الهدف منه بناء دولة مغاربية مستقرة، والبداية بإدخال ليبيا الغنية في الفوضى العارمة تحت مظلة حكم عسكري مجنون وفاسد، وإجهاض التجربة الديمقراطية العربية الوحيدة في تونس وتسميمها، واختراق النظام السياسي الجزائري عن طريق شراء قوى نافذة ومؤثرة فيه من الداخل، بل وحتى نسف بذور انفتاح صديقها الملكي على المعارضة في المغرب وقبوله بتنازلات جزئية لكنها مهمة في السلطة".

وفي بيانها الأخير، أكدت حركة مجتمع السلم، أبرز الأحزاب السياسية في الجزائر، دعمها لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، ودانت التدخلات الأجنبية الداعمة لقوات حفتر، واعتبرت أن "ما يحدث في ليبيا له تأثير كبير على مصالح الجزائر، وعمقها الاستراتيجي، وحضورها في التحولات بما يجسد الشرعية الدولية وهو في مصلحة الجزائر. والاندحار والهزائم الكبرى لمليشيات الجنرال حفتر المسنود خارج إطار القانون الدولي من قوى خارجية انقلابية تعيث في البلاد العربية فسادا وتنشر الفوضى، هي بشائر خير يجب دعمها ومساندتها".

وفي نفس السياق عكس البيان الأخير لحركة البناء الوطني، أيضاً، الاهتمام اللافت بالتطورات في ليبيا بعد معركة الوطية، إذ حثّ الحكومة الجزائرية، وبخاصة المؤسسة الدبلوماسية، على "تفعيل جهود ومقتضيات الدور المحوري للجزائر، وفق ما يتطلبه من التوازن بين ضرورة الحضور الإقليمي الفاعل، والاحتياط لأي انعكاسات تهدد الأمن القومي، خاصة وأن السلطة السياسية الجديدة في الجزائر أطلقت مؤشرات قوية على توجه بشأن تغيير في سياساتها الإقليمية بشكل أكثر فاعلية في التطورات وصناعة الخيارات الكبرى للمنطقة".

وبخلاف كثير من دول الجوار الليبي، يسود إجماع سياسي في الجزائر على دعم موقف الحكومة الشرعية في ليبيا بقيادة المجلس الرئاسي، وإسناد جهود الحوار السياسي لحل الأزمة ورفض التدخلات الإقليمية في الوضع الليبي، إذ يلتزم مجموع الأحزاب والمكونات السياسية في الجزائر بالموقف الرسمي الذي تتبناه الدولة والجيش إزاء الأزمة في ليبيا، وقد عبّر عن ذلك، في وقت سابق، رئيس حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، عبد الرزاق مقري، بالقول: "ما يحدث في ليبيا خطير على الجزائر، ويمثل خطرا على الأمن القومي الجزائري، وموقفنا لحل الأزمة من موقف الدولة الجزائرية".

وتجدد الاهتمام الرسمي والسياسي بتطورات الوضع في ليبيا منذ إلقاء الرئيس عبد المجيد تبون لأول خطاب له في 19 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، وكذا تخصيص أول اجتماع لمجلس الأمن القومي للتدارس حول الوضع على الحدود مع ليبيا وكذا مالي، حيث كان الرئيس تبون قد خص ليبيا بجزء من خطابه، مشددا على تمسك الجزائر بحماية وحدة ليبيا، وبأن تكون شريكة في أي مسار لحل الأزمة.

تعليق: