انتفاضة يساريي فرنسا... مايو موعداً لكسر يمينية الحزب الاشتراكي

انتفاضة يساريي فرنسا... مايو موعداً لكسر يمينية الحزب الاشتراكي

09 مايو 2016
الصورة
بدأت حركة "الواقفون ليلاً" في 31 مارس (آلان بيتون/Getty)
+ الخط -
قبل عام واحد من نهاية ولاية الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند، وفي سياق حالة الطوارئ التي تعرفها فرنسا منذ اعتداءات 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لم يكن أحد، لا في صفوف الغالبية الاشتراكية ولا المعارضة ولا المجتمع المدني، قادرا على التنبؤ باندلاع أكبر حركة احتجاجية تشهدها فرنسا في السنوات الأخيرة.

حركة تجاوزت الإطار النقابي التقليدي، وانتقلت عدواها إلى شرائح اجتماعية مختلفة، وتزامنت بالصدفة مع ذكرى مرور عشر سنوات على حركة الاحتجاجات الطلابية العارمة عام 2006، ضد قانون مجحف للعمل (عُرف بالـ cpe أو قانون الوظيفة الأولى contrat premiere embauche)، الذي كان يرمي إلى "تنظيم عقود العمل الأولى للشباب" في عهد الرئيس السابق جاك شيراك، ورئيس حكومته آنذاك دومينيك دوفيلبان.

وكانت الشرارة الأولى لانطلاق الحركة الاحتجاجية قد اندلعت في مستهل شهر يناير/كانون الثاني الماضي، عندما نشرت صحيفة "لوباريزيان" مسودة مشروع اصلاح "قانون العمل"، كانت وزيرة العمل مريم الخمري، تستعدّ لتقديمه لمجلس الوزراء. حينها ردت وزيرة العمل السابقة الاشتراكية مارتين أوبري، بنصٍّ ناريّ وقّعه معها عدد من الشخصيات اليسارية، انتقدت فيه بشدة مشروع القانون، واتهمت الحكومة الاشتراكية بالتراجع عن المبادئ اليسارية، بانتهاج سياسة يمينية، وبالتراجع عن المكتسبات الاجتماعية التاريخية التي كان يضمنها قانون العمل.

وعمّت الانتقادات وسائل التواصل الاجتماعي وانتقلت شرارتها بسرعة إلى وسائل الإعلام التقليدية، التي أفسحت بدورها المجال للسجال حول مشروع القانون. وفي منتصف شهر فبراير/شباط الماضي، دخلت النقابات المركزية الأساسية بزعامة "الكونفدرالية العامة للعمال" ذات التوجه اليساري، على الخط، وأعلنت رفضها لمشروع القانون وعزمها على تعبئة الشارع الفرنسي لإسقاطه.

كما تعزز هذا الاحتجاج بنشر مجموعة من الفاعلين في منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، عريضة ضد مشروع القانون الجديد الذي أطلق عليه "قانون الخمري"، نسبة إلى صاحبته وزيرة العمل مريم الخمري. ونجحت العريضة خلال أسبوع واحد من إطلاقها في استقطاب أكثر من مليون توقيع. وبدأ الاحتجاج يكتسب طابعاً جماهيرياً واسعاً، عندما انضمت أهم نقابتين طلابيتين إلى الساحة، وهما "الاتحاد الوطني للطلاب الفرنسيين" و"الاتحاد الوطني للتلاميذ".


وعبّأت هاتان النقابتان بسرعة، آلاف الطلاب والتلاميذ، الذين خاضوا سلسلة من الإضرابات والاعتصامات داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، تخللتها مواجهات عنيفة مع رجال الشرطة، الذين أفرطوا في استعمال القوة ضدهم، ما زاد في تأجيج الحركة الاحتجاجية وتغذية الغضب الشعبي العام اتجاه الحكومة الاشتراكية.

غير أن التحول الجوهري والنوعي في هذه الحركة الاحتجاجية، تمثّل في تمخّضها عن ولادة حركة موازية، أطلق عليها مؤسسوها تسمية "الواقفون ليلاً". وخرج مناصروها في أول اعتصام لهم ضد "قانون الخمري" إلى ساحة الجمهورية في 31 مارس/آذار الماضي. ومنذ تلك الليلة دأب "الواقفون ليلاً" على التجمّع في نفس الساحة وتنظيم نقاش ديمقراطي مفتوح، يشارك فيه المئات، وقد انضمّ إليهم عدد من المفكرين والمثقفين والفنانين.

وتعكس الحركة حالة الإحباط الكبيرة التي عمّت صفوف اليسار والمتعاطفين مع الحزب الاشتراكي، من السياسة التي ينتهجها هولاند وحكوماته. كما تنتقد "قانون الخمري"، وتعتبره حلقة في مسلسل سياسة يمينية ليبرالية، تبّنتها الولاية الرئاسية الاشتراكية، وتُشكّل تراجعاً مخيفاً عن سياسة التضامن الاجتماعي، وانحيازاً صارخاً لأرباب العمل والشركات الكبرى، على حساب الشرائح الفقيرة والشباب.

ونجحت هذه الحركة في خلق هبَّة غير مسبوقة في المجتمع الفرنسي، ذهب البعض إلى حدّ تشبيهها بانتفاضة مايو/أيار 1968 الطلابية، التي زعزعت حكومة الرئيس شارل ديغول، وشكّلت علامة سياسية فارقة في تاريخ فرنسا الحديث. والواقع أن "الواقفون ليلاً" لم ترق بعد إلى مستوى انتفاضة مايو، غير أن هناك تشابهاً فيما بينهما من جهة اندلاعها العفوي وطبيعة الشعارات التي ترفعها، ذلك أن بعض الشعارات تطالب بإسقاط النظام برمته، وليس فقط مشروع اصلاح قانون العمل، بينما تدعو شعارات أخرى إلى اعتبار أن "العصيان هو الحلّ"، و"ما يجمعنا هو قرفنا من النظام"، و"لا أحد يدخل الساحة، إن لم يكن متمرّداً، ولا أحد يخرج منها، إن لم يقتنع بعد".

في المقابل، يرى البعض أن حركة "الواقفون ليلاً" يغلب عليها الطابع الشبابي المثقف، وتجد صعوبات جمة في تنظيم اعتصامات وتظاهرات في الضواحي المهمّشة، حيث تقطن غالبية من المهمشين والعاطلين والمهاجرين. ما يجعل بعض الأصوات تتهمها بـ"النخبوية"، وبابتعادها عن هموم الطبقات الأكثر تضرراً من السياسات الحكومية. ومنذ اندلاع الحركة الاحتجاجية، لوحظ أن تظاهراتها واعتصاماتها، تنتهي دائماً بمواجهات عنيفة بين مجموعات صغيرة من الملثمين وقوات الأمن، ما أثّر سلباً على سمعتها. غير أن غالبية المحتجين، خصوصاً من النقابيين واليسار الراديكالي باتوا يرون في لجوء قلة من المحتجين للعنف ضد قوات الأمن، رداً طبيعياً على إفراط السلطات في استعمال القوة ضدهم. وقد بلغت المواجهات ذروتها، في الأيام الماضية، حين فقد شاب متظاهر عينه اليمنى في مدينة رين بسبب عنف الشرطة، كما وُصفت حالة رجل شرطة بـ"الخطرة" بعد إصابته في الرأس.


في هذا السياق، يحذّر زعيم حزب "جبهة اليسار" الراديكالي، جان لوك ميلينشون، من أن "عنف التظاهرات قد يؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف المتظاهرين"، مذكّراً بمقتل الطالب مالك أوسكين الذي فقد الحياة خلال احتجاجات الطلاب قرب جامعة السوربون في باريس في ديسمبر/كانون الأول 1986، بسبب تعرّضه للضرب من رجال الشرطة. وإذا كانت هناك ثمة خاصية تميز الحركة الاحتجاجية بشقها النقابي والطلابي والمدني، عبر "الواقفون ليلاً"، عن غيرها من الحركات الاحتجاجية السابقة، فهي كونها حركة في حالة اتصال وتواصل دائم عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبفضل التعبئة اليومية والآنية عبر هذه المواقع، تمكنت الحركة الاحتجاجية من استقطاب الآلاف من المواطنين، تحديداً من فئة الشباب وسهلت عملية التواصل والنقاش حول مستجدات "قانون الخمري". كما أن هذه المواقع تحولت إلى أداة أساسية لتنظيم الاعتصامات والتظاهرات والفعاليات الموازية وحشد التأييد للحركة بسرعة قياسية.

وبات واضحاً من طبيعة النقاش الجارف وغير المسبوق، الذي فجّرته الحركة الاحتجاجية، أن الأمر يتعدى بكثير مشروع إصلاح قانون العمل. بل يعكس صراعاً جوهرياً وعميقاً، بين شرائح اجتماعية، تؤطرها حركات يسارية ما تزال تؤمن بمقولة "الصراع الطبقي"، وتناضل من أجل الدفاع عن المكتسبات التي راكمتها الحركات العمالية منذ عقود طويلة.

كما أن مشروع القانون والنقاش السياسي الصاخب الذي فجّره، زاد من تعميق الشرخ بين الجناح اليساري داخل الحزب الاشتراكي والجناح الاصلاحي الليبرالي الذي تمثله الحكومة. وسينعكس هذا الشرخ سلباً على الحزب في حال تمّ تنظيم انتخابات تمهيدية داخل الحزب لاختيار مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم إعلان هولاند ترشحه لولاية ثانية.

وفي محاولة لامتصاص غضب الشارع قامت الخمري، بإيعاز من الرئاسة، بتعديل العديد من بنود مشروع إصلاح قانون العمل، تحديداً الشقّ المتعلق بولوج الطلاب إلى سوق العمل، وتشجيع المقاولات على تشغيل الشباب. كما سحبت بنداً يتعلّق بتحديد سقف التعويضات المترتبة في حال الصرف التعسفي.

وفي هذا الإطار، بدأ النواب الفرنسيون، يوم الثلاثاء، مناقشة مشروع قانون العمل، في محاولة للتوصل إلى تسوية تتيح إقراره، علماً أن النقاشات ستستمرّ حوالي عشرة أيام. وردت الخمري على المحتجين والمنتقدين لهذا المشروع قائلة في البرلمان، إن مشروعها "عادل وضروري" نافية أن يكون "خيانة" لمبادئ اليسار.

وعلى الرغم من إصرار الحكومة على تمرير هذا القانون، فإنها تواجه معارضة النواب الشيوعيين وبعض نواب حزب "الخضر"، كما أن هناك عددا مهما من النواب الاشتراكيين يهددون بالتصويت ضد مشروع القانون بصيغته الحالية. ومن المتوقع أن يخضع نص المشروع لتعديلات إضافية عدة أثناء مناقشته، تُضاف إلى التعديلات السابقة على مستوى لجنة الصياغة قبل التصويت الرسمي في 17 مايو/أيار المقبل. 

المساهمون