انتصار الطبيعة

24 ابريل 2020
الصورة
فاروق قندقجي/ سورية
+ الخط -

لم يجرّب جيلُنا وطأةَ أيِّ وباء، ولكنَّ جيل آبائنا جرّب الجدري الذي ترك آثاره في أجساد أفراد من بينهم، دون أن يخلّف تأثيراً في علاقاتهم الاجتماعية، حتى أنّنا كنّا نرى بيننا نساء أو رجالاً شَوّهت وجوهَهم ندوبٌ صغيرة نعلم في ما بعد أنها من آثار الجدري، دون أن تحرمهم من حرية الحركة والحياة المشتركة. كان من بين هؤلاء من تزوّج وأنجب.

لكن الوباء ظلّ حاضراً في جيلنا حين كنّا صغاراً. يظهر هذا بصورة مفاجئة حين تُغلَق المدرسة فجأةً، ويُجبَر التلاميذ جميعاً على البقاء في مقاعدهم، ريثما يصل فريق من الممرّضين الذين يأخذوننا واحداً بعد آخر، ثم يشطبون أذرعنا بإبر أو شفرات خاصة، بينما يحرس التنفيذَ معلّمون عابسون في وجه المعترضين، ويهمس بالطمأنينة آباؤنا حين نعود إلى البيت.

من النادر أن تجد سوريّاً من أبناء جيلنا ليس في ذراعه أيقونة الحماية من الجدري، إذ كان يعقب يومَ التلقيح بالفيروس الضعيف نفسه ظهورُ تلك الفقاعة المتقيّحة التي تتحوّل إلى دملة، ثم تنطفئ تاركة ندبة للتاريخ الذي يشهد أن البشرية تمكّنت ذات يوم من التغلّب على فيروس قاتل وخطير اسمه "فاريولا".

كان الناس قد نسوا الملاريا أيضاً، ثمّة من يُذكّرنا بأنّ أشجار الأوكاليبتوس الضخمة، التي يعرّبها الناس هنا إلى "الكينا" هي التي درأت أخطار البعوض الذي كان ينقل جرثومة الملاريا بعد أن زُرعت منها العشرات في جميع القرى التي تجاور الوديان الشتوية. وفي شبابي كان في كل بيت تقريباً من بيوت البلدة شجرةٌ عملاقة باتت ملجأً لطيور الدوري وحدها، ولصوت الريح، بعد اختفاء الوباء. كان البشر يستعينون بالطبيعة من أجل أن تنقذهم من هجمات بعض العناصر الفالتة أو الشاذّة من بين يديها، وكانت الطبيعة تقدّم لهم حلولاً أكيدة وناجعة.

لم يتحدّث أحد من آبائنا عن وباء تسبّب بهذا الذعر الكوني الذي شمل الكرة الأرضية، ولا حتى عن خوف محلّي أدّى إلى مثل هذا اللجوء الجماعي إلى البيوت.

وحين كبرنا، لم نجد أيَّ أثر للوباء في ثقافتنا، لا في كتب التعليم، ولا في القراءات الأدبية، وحين سمّى هاني الراهب روايته المعروفة "الوباء" إنما كان يقصد الدولة الشمولية، ولم يخطر ببال أحدنا حين نشر روايته عام 1981 أنه كان يتحدّث عن وباء ما من أوبئة الطبيعة.

وقد تجاوز الناس هذا الحد من التعاون مع الطبيعة إلى مسافة أكثر بُعداً، وصارت الأيديولوجيات السائدة تُقدّم تعزيزات يومية عن المستقبل مرفقةً بالعبارات الجاهزة في معجم التحدّي مثل: "التغلّب على الطبيعة وكسر شوكتها، وتحطيم عنفوانها". وحين كانوا يبنون سدّ الفرات رأيتُ أنهم كتبوا بالحجارة الضخمة على سفح تلّ صغير مجاور عبارة "سنكبح جماحك يا نهر الفرات".

يحدث هذه الأيام أن يتذكّر البشر أنهم ربما استطاعوا أن يرغموا نهراً على الطاعة، ولكن العلاقة مع الطبيعة تحتاج دائماً لتغيير المعجم، أو تلطيفه، وإزالة تلك العبارات التي لا تُقال للأمّهات بتاتاً.


* روائي من سورية

المساهمون