انتخابات 1996 الروسية: 20 عاماً على انتقال الإرث السوفييتي

16 يونيو 2016
الصورة
اعتذر يلتسين لدى مغادرته السلطة عن "آمال لم تتحقق"(Getty)
+ الخط -

في مثل هذا اليوم قبل 20 عاماً، كانت روسيا تقف بين ماضيها الشيوعي ومستقبلها الرأسمالي، إذ شهد يوم 16 يونيو/ حزيران 1996 الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي كان المرشحان الأوفر حظاً فيها هما أول رئيس روسي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، بوريس يلتسين، ومرشح الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف. بعد سنوات معدودة على تفكك الاتحاد السوفييتي في العام 1991، كان الجميع في روسيا يترقب الانتخابات، كما كانت النقاشات السياسية تهيمن على كافة البرامج التلفزيونية والنقاشات بين الأشخاص حتى في الشوارع ووسائل النقل.
كان المجتمع الروسي منقسماً في ذلك الوقت بين جزء يحنّ إلى زمن الاتحاد السوفييتي، بأمنه واستقراره وتوزيع عادل نسبياً للموارد، وبين آخرين فاض بهم الكيل من النظام الشمولي وسيطرة الدولة على كافة مجالات الحياة، و"الستار الحديدي" بين الاتحاد السوفييتي والغرب، والطوابير أمام المتاجر لشراء ما يلزمهم.
وأسفرت الجولة الأولى من الانتخابات عن تقدّم يلتسين بحصوله على 35 في المائة من أصوات الناخبين، وزيوغانوف على 32 في المائة، وتلاهما بفارق كبير الجنرال ألكسندر ليبيد، ومرشح حزب "يابلوكو" غريغوري يافلينسكي، ومرشح الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي. وفي الجولة الثانية التي أجريت في 3 يوليو/ تموز 1996، تقدّم يلتسين كثيراً بحصوله على 54 في المائة من الأصوات، مقابل 40 في المائة فقط حصل عليها زيوغانوف. وبذلك طوت روسيا صفحة الشيوعية بلا رجعة.
يشير أندريه كوليسنيكوف، رئيس برنامج "السياسة الداخلية الروسية والمؤسسات السياسية" في معهد "كارنيغي" في موسكو، إلى أن هذه الانتخابات كانت تبدو آنذاك وكأنها نقطة تحوّل للتخلص من الإرث السوفييتي. ويقول كوليسنيكوف لـ"العربي الجديد": "كان أهم دوافع ترشيح يلتسين هو التخلّص من الماضي الشيوعي، ولم تكن هناك أي أوهام بشأن زيوغانوف، إذ كان السياسيون يرون فيه خطر عودة الشيوعية". ويضيف: "لكن عام 1996 تحديداً، جاء في الواقع نقطة انطلاق لإقامة نموذج أوليغارشي للرأسمالية، وليس لمواصلة المسيرة الديمقراطية".
وحول توقعاته لما كان حصل في روسيا لو فاز زيوغانوف بالانتخابات، يقول الباحث الروسي: "يمكن الجزم بأن فلاديمير بوتين ما كان ليتولى زمام الرئاسة في روسيا، ولكن ذلك لا يعني عدم ظهور حاكم متسلط آخر من بين الشيوعيين، كما حدث في بيلاروسيا". علماً أن الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، الملقب بـ"الدكتاتور الأخير في أوروبا"، يتولى زمام السلطة في بلاده منذ عام 1994 وسط عدم السماح بمشاركة أي معارضة حقيقية في الحياة السياسية.


وعلى الرغم من مرور روسيا بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الكثير من أنصار يلتسين لا يندمون على قرارهم التصويت له. من هؤلاء المهندسة الروسية إيرينا، التي كانت آنذاك في الأربعينيات من عمرها، وقررت التصويت لصالح يلتسين، شأنها في ذلك شأن جميع زملائها تقريباً. تقول إيرينا لـ"العربي الجديد": "لم نصوّت له شخصياً، وإنما لصالح حدوث تغيير في حياتنا. كنا غير راضين بسبب تدني مستوى الأجور وعدم وجود فرص للتفوّق في عملنا والحرمان من السفر إلى الخارج لرؤية البلدان الأجنبية التي قرأنا عنها كثيراً".
وفي ما يتعلق بذكرياتها حول الحقبة السوفييتية، تضيف: "حتى أصناف المواد الغذائية والأزياء كانت محدودة جداً في كافة أنحاء البلاد باستثناء موسكو، وكنا نضطر للوقوف في الطوابير أمام المتاجر". وتقول إن "جيلنا كان يرى أن هناك فرقاً بين واقع الحياة وصورتها في وسائل الإعلام الحكومية، ولم يكن المثقفون يرغبون في العودة إلى حمل الأعلام الحمراء وصور الزعماء وسماع الوعود بمستقبل مشرق. كنا نريد أن نعيش هنا والآن".
في الأعوام التي تلت انتخابات 1996، أثيرت تساؤلات كثيرة حول وقوع انتهاكات وتزوير وحول ما إذا كان يلتسين الفائز الحقيقي فيها، إلى أن انشغل الرأي العام بقضايا أحدث. إلا أن هذه المسألة عادت إلى الواجهة من جديد عام 2012، عندما زعم عدد من رموز المعارضة "غير النظامية" الروسية أن الرئيس الروسي آنذاك، دميتري مدفيديف، اعترف في اجتماع غير متلفز معه في نهاية ولايته بأن "يلتسين لم يكن الفائز في انتخابات 1996". ولكن يتعذّر التأكد من صحة ذلك في غياب أي تسجيلات للقاء.
إلا أن كوليسنيكوف يرجح أن يلتسين فاز فعلاً في الانتخابات، إذ كان أغلب المواطنين يرون فيه "رمز اللاشيوعية"، ويضيف: "لكن هذا الفوز كان له ثمن غالٍ تمثّل في تدهور حالة يلتسين الصحية وارتباط المجموعات السياسية بالمجموعات المالية، وغير ذلك".
شهدت الولاية الثانية لحكم يلتسين مجموعة من الأزمات وصولاً إلى أزمة مالية غير مسبوقة في عام 1998، تمثّلت في تعثّر روسيا عن سداد دفعات كافة السندات السيادية والديون الداخلية وانهيار سعر صرف عملتها الروبل، وإفقار السكان وإفلاس عدد من المصارف. وفي نهاية المطاف، قرر يلتسين التنحي عن الحكم، ليعلن عن ذلك ليلة رأس سنة 2000، مقدّماً اعتذارات عن "آمال لم تتحقق"، ومسلّماً زمام السلطة لفلاديمير بوتين الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الوزراء.
ومع دخول الألفية الثالثة، بدأت روسيا مرة أخرى مرحلة جديدة من تاريخها، استفاد اقتصادها خلالها من ارتفاع أسعار النفط، وسجّلت البلاد معدلات نمو عالية، واستعادت الدولة سيطرتها على الموارد الطبيعية، ولكن أيضاً على وسائل الإعلام مع استبعاد أي منافسة سياسية وسط هيمنة حزب "روسيا الموحدة" على مقاليد الأمور في البلاد. توفي يلتسين عام 2007، ولا تزال التقييمات لفترة حكمه تتفاوت بين اتهامات بالإجرام بحق بلاده، والإشادة بوضعه روسيا على مسار لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

المساهمون