امرأة اسمها هنا كوراني

13 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
يجوز أن تُنتقد هذه المقالة، لأنها تنكتب عن كتابٍ صدر أخيرا عن امرأةٍ (لبنانية) من سوريا العثمانية، رائدةٍ ونهضويةٍ، بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي صادف يوم الأحد الماضي، فليس حسنا أن يُكترث بهذا الكتاب، القليل الصفحات، الثقيل الأهمية، لمناسبةٍ عابرة، وليس طيّبا أن يُلتفت إلى تلك المرأة المنسية في أرشيفٍ قديم، في غضون كلامٍ موسميٍّ عن المرأة وحقوقها وأحوالها. ولكن، لا بأس. .. المرأة هي هنا كوراني، المولودة في بلدة كفرشيما عام 1870 (غالبا)، والمتوفّاة فيها عام 1898 بعد إصابتها بالسّل. والكتاب للباحث الفلسطيني (السوري)، تيسير خلف، "الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية.. تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1893 – 1896" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2019). ليس كتاب سيرةٍ لصاحبة هذا الاسم غير الذائع، وإنما هو بحثٌ يعتني بثلاث سنواتٍ من حياتها القصيرة (28 عاما)، بذل فيه المؤلف، المعروف بدأبه وجدّيته العلمية (الحنبلية؟)، جهدا توثيقيا، مكّنه من إحاطةٍ، وافيةٍ إلى حدّ كبير، بالذي أدّته الكاتبة هنا كوراني في رحلتها الأميركية، لمّا مثّلت نساء سوريا في مؤتمر شيكاغو العالمي النسائي، وقد غادرت إلى هناك، مقيمةً على نزعة "أنوثوية" (بتعبير المؤلف)، وهذه تبدو منزلةً من المحافظة، بلا أفكار تقليدية، موجزها الدعوة إلى تكاملٍ بين الرجل والمرأة، بلا مساواة، وأن تختصّ المرأة بتربية الأولاد والعمل المنزلي، غير أن كوراني عادت من أميركا، بعد احتكاكها النشط مع نخبةٍ متنوعةٍ في المجتمع هناك، ومحاضراتٍ ألقتها، تحمل نزعةً نسويةً ليبراليةً، وتدعو إلى مساواةٍ كاملةٍ بين الرجال والنساء، تتضمّن الحقوق السياسية. 
لا يؤرّخ تيسير خلف هذه الانعطافة، بأدوات ساردٍ ينقل من هنا وهناك، وإنْ هنا كوراني شحيحةُ الحضور في مباحث المؤرخين ومؤلفات المختصين في العثمانيات السورية، وإنما يقرأ نصوص هذه المرأة، وكذا مساجلتها مع عالية الثقافة، اللبنانية المولد التي أقامت في دمشق ومصر، الكاتبة في صحافة تلك المرحلة، زينب فواز (توفيت في 1914). ينبش تيسير في صحف أميركية، وفي وثائق عثمانيةٍ وأرشيفاتٍ غير قليلة، ليعثر على محاضراتٍ ومقالاتٍ وكلماتٍ لهنا كوراني، ثم يقدّم أطروحتَه صدورا مما استنتجَ وكشفَ وأضاء. ومن كثير الإفادة في هذا الكتاب، المرجعي حقّا، أنه يتضمن ملحقا بهذه الوثائق المترجمة جيدا، وبصور لها قيمتها. ما يجيز القول إن المؤلف، بعد مجهودٍ غير هيّن، يزوّد المشتغلين بالدّرس التاريخي للحظة النهضة العربية في نهايات القرن التاسع عشر بهذه الوثائق الكاشفة، والتي أضاء، من خلالها، على مقطعٍ من تجربة امرأةٍ عربيةٍ، مشرقيةٍ من أسرةٍ مسيحيةٍ، فيسّر لنا، من بين ما يسّر لنا، أن نقرأ كلمةً لها، عنوانها "مجد الأنوثة"، ألقتها بالإنكليزية في مؤتمر المرأة العالمي في شيكاغو، في مايو/ أيار 1893، وقالت فيها إن "على المرأة أن تفخر بأنوثتها، وبكونها أمّا للرجال، ومطبّبة للعاهات الأخلاقية والنفسية، ...". و"ترتكب المرأة خطأ فادحا، إنْ هي لم تسع لتتسربل برداء النقاوة، وتتوّج بالحكمة والفطنة، وتتزيّن بحلي الأناة والمثابرة"، و".. المساواة لا تعني المساواة في كمية الإنتاج، بل المساواة في مساهمة كل منهما في خير الجنس البشري".
هنا كوراني التي تقول هذا، وكثيرا غيره مما في قراءته مؤانسةٌ وإمتاعٌ غزيران، هي التي تقول في محاضرةٍ في بيروت، بعد عودتها من أميركا (وتوقّفها في باريس)، في مايو/ أيار 1896، "انكبابنا على التقاليد قد أعمى بصائرنا عن تحصيل النافع، وأخّرنا عن الوصول إلى معرفة جوهر البواعث على الارتقاء المدني..". و"قد أسعدني الزمان، فشاهدت المرأة العصرية في كمال مجدها، فرأيتُها الكاتبة المجيدة، والخطيبة المصقعة، والمتشرّعة المدققة، والطبيبة الماهرة، والمخترعة النافعة، والسياسية المحنكة ..". و"عِلمُنا بعظم ما فعلته، وتفعله، المرأة في الغرب، يجب أن يثير فينا نار الغيرة للإقدام على مثله في الشرق". أما ما رمت به هنا كوراني الرجال في المحاضرة العتيقة، فليقرأه من يودّ أن يقرأ مباشرةً في الكتاب الذي لا يتزيّد واحدُنا لو زعم إنه إضافةٌ نوعيةٌ أنجزها تيسير خلف، بعد رمياته الحاذقة إيّاها عن أبو خليل القباني، التقط فيه مقطعا ثقافيا مبكّرا في المسألة النسوية عربيا، كان جوهريا في غضونه اصطدام إيجابي مع الحداثة الغربية، لمّا كانت امرأةٌ عربيةٌ اسمُها هنا كسباني كوراني هناك .. في أميركا.