الهزيمة السورية

28 مارس 2018
+ الخط -
ماذا بعد هذا الدمار الوحشي؟ ماذا بعد هذا التغول الأممي وتغطرس القدر على أحلام الشعوب، وعلى نحيب الأصوات المسافرة عبر أدراج هذا الفزع المقدس؟
أصبحت سورية الآن أمام ساحة سياسية وثقافية مختلفة، وأجنبية الكيان، عن ما خبرته بعصرها الحديث. ثقافات وأطماع سياسية دخيلة على ثقافتها وأعرافها وتقاليد شعبها وموروثهم السياسي والثقافي والاقتصادي، فبعد سيطرة النظام السوري وحلفائه على الغوطة، أصبحنا أمام نهاية موشكة، وواضحة المعالم، إلى حد ما للمآلات السياسية ومناطق النفوذ والسيطرة للقوى المستثمرة في الصراع، فالغوطة الدمشقية كانت الثمن الباهظ الذي دفعه النظام للدعم الإيراني، منذ بداية الاحتجاجات الشعبية التي شهدها ضده.
سيكون هذا الحزام المحيط بدمشق مثل الأصفاد التي تقيّد القرار السياسي والاقتصادي لدمشق لاحقا، كما أنّ النفوذ الإيراني على الأرض السورية سيمتد عبر الجنوب الغربي لدمشق وصولا إلى لبنان، ويتحكّم أيضا بالتواترات السياسية هناك، إذ سيشمل هذا الطوق المحيط بعنق دمشق، من الريف الشرقي إلى جنوب دمشق أيضا، وصولا إلى الغوطة الغربية وسفوح جبال القلمون المطلة على لبنان، الأمر الذي سيؤمن فضاءً واسعا لحرية الحركة الميدانية بين الدولتين، ويقوّي الانغماس الإيراني فيهما. وبهذا ستكون إيران قبضت ثمنا باهظا ماديا واقتصاديا وسياسيا، يرضي حجم تضحياتها الكبيرة من أجل الإبقاء على النظام بدمشق.
وبالنسبة لتركيا، فقد أخذت الضوء الأخضر بالإستيلاء على مناطق أقصى الشمال السوري، وتوسيع نطاق نفوذها على حدودها مع سورية، في مقابل الصمت والحياد لما جرى في الغوطة، من خلال تفاهمات مع الروس والأميركيين، بما يضمن مصالح هذه الأطراف.
وبالنسبة للاعبين الكبار، تتمسك الولايات المتحدة كالعادة بالمصادر الإقتصادية المباشرة لنفوذها، وبرعاية طرف عرقي أقلوي، متباين الثقافة عن الحاضنة الأم، ويعاني أساسا من قضية وجودية وانتمائية، ليذكرنا هذا المشهد بالإقليم الكردي في العراق، على الرغم من التفرد الأميركي إلى حد ما، وتباين طبيعة الصراع هناك. رسخت روسيا أيضا قواعدها العسكرية ومنافذها البحرية على البحر المتوسط في الساحل السوري، وأرست موطئ قدم راسخ في الشرق الأوسط، وعادت إلى الساحة العالمية كمحور عالمي مواجها للولايات المتحدة والغرب الأوروبي.
أما النظام فسيحكم شعبه بالوصاية، وسيكون وصيا مطيعا للمصالح التي استثمرت في حربه ضد شعبه وتمسكه بالسلطة وإصراره على تدمير البلد لتكون مشروعا مغريا لإعادة التكوين الإقتصادي والسياسي فيها، ووجهة ملفتة للتنافس الدولي في استيلاء كل منهم على مناطق نفوذه الجديده لما تستحوذه هذه البقعة من الأرض من حساسية وقضايا تاريخية وسياسية لا تزال عالقة.
هذا المآل المؤلم الذي حصل للشعب السوري في أرضه وبيته وأفكاره وأحلامه، مزّق آمال الجميع وأصابنا بالخذلان والإحباط والعجز، وكان بمثابة هزيمة لقضية نبيلة، ما كان يمكن لأحد أن يتخيل فشلها، فرمزيتها تتجاوز إقصاء نظام فاسد عن الحكم، إلى مطالب أخلاقية وإنسانية وحقوقية يظنها الجميع من أبجديات حقوق الإنسان في العالم المتحضر، وإنّ تخلّي العالم عن قضية بهذه الحجم، ومأساة بهذا القدر من الترويع، يلف العالم أجمع بخذلان تعتصر له القلوب، بأنّ هذه الحضارة الإنسانية بكل منجزاتها الثقافية لا تزال ترزح تحت نظام سياسي عالمي، لا مكان للرحمة فيه، عندما يخرج من إطار كونه شعارات إنسانية للتبرج التاريخي والتزيين الثقافي لعار وإخفاقات المجتمع الإنساني، مع الاحترام للمؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية التي لا تستطيع بالواقع سوى البكاء على الجرح والخجل من كل هذا الإمتهان الأخلاقي للبشر، فإن صوت المصالح الدولية للدول الكبرى يعلو على صوت جميع المنظمات الحقوقية، ويحول هذه المنظمات إلى عيادات تجميل قام هو نفسه بتشويه ضحاياها.

8A2D027F-4F76-409F-AC73-AF17CF23D7B9
أنس نادر (سورية)