انهيار الائتلاف الحاكم في النمسا: أي دور استخباراتي غربي لمواجهة "أذرع الكرملين"؟

28 مايو 2019
الصورة
روابط مقلقة لأوروبا بين النمسا وروسيا (Getty)
بانهيار الائتلاف الحاكم في النمسا، بعد أن حجبت أغلبية البرلمان الثقة عن حكومة المستشار، سبستيان كورتس، الذي حقق نتيجة جيدة في الانتخابات الأوروبية على حساب شريكه السابق في الحكم، حزب "الحرية"، وقبيل نحو 4 أشهر من الانتخابات المبكرة، يتعقد المشهد، ويظل مفتوحاً على أسئلة كثيرة في هذا البلد الذي عرف فترة الحرب الباردة على أنه "شبه محايد" بين القوى العظمى، شرقاً وغرباً. فساحات مدنه، وبالأخص فيينا، حتى انهيار جدار برلين والاتحاد السوفيتي، أشبه بحديقة خلفية لمعظم الصفقات، بما فيها الأمنية.

ومؤخراً، بات السؤال المتكرر من وراء الفضيحة التي هزت فيينا وجاراتها في أوروبا، أحد أهم انشغالات السياسيين ووسائل الإعلام، التي تخوض في عمق الربط بين علاقة الكرملين المقلقة للغرب مع اليمين القومي المتطرف وما آلت إليه الأمور في فيينا، وما يتوقعه البعض مستقبلاً في توتر العلاقة مع عواصم أخرى، قد لا تكون روما بمعزل عنها.

الكشف عن شريط فيديو "الفضيحة" لنائب المستشار المستقيل، هاينز كريستيان شتراخه، مساوماً على تمرير صفقات بأموال روسية لدعم حزبه، حزب الحرية، اليميني المتشدد، والقريب من دائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل شخصي هو وكل من طاولتهم الفضيحة، في زيارات سابقة لموسكو، بات يدفع أكثر للبحث عن أجوبة لأسئلة حول شبهة دور استخباراتي غربي في "فخ إبيزا"، وأيضاً عن "صلات بوتين" بالطبقة السياسية اليمينية المتشددة، الحاكمة في النمسا وإيطاليا، وبأحزاب أخرى في عموم القارة.

دور استخباراتي غربي؟


قبيل أيام من انتخابات البرلمان الأوروبي كشف عن الشريط المصور في 2017، المسرب إلى وسليتين إعلاميتين ألمانيتين، بطريقة تبدو أقرب إلى "الاستخباراتية"، بحسب ما ذكرت مجلتا "دير شبيغل" و"سوددوتشه" في شريط فيديو مشترك نشر يوم 18 مايو/ أيار، بعد تسلمه قبل أسبوعين من نشره.

التخمينات والنظريات حول وصول الأمور في النمسا إلى ما وصلت إليه دفع مبكراً بالسياسيين والإعلاميين إلى البحث عن أدوار "لأجهزة استخبارات غربية غاضبة من وصول علاقة بعض الأطراف بموسكو إلى ما وصلت إليه في فيينا"، بحسب ما ذهبت إليه صحيفة "دَي برس" (Die Presse)؛ إحدى أهم الصحف النمساوية الموثوق بها.

مساء يوم 17 مايو/ أيار، أعلنت الصحيفة أنها تحدثت "مع عدة مصادر قريبة من بيئة الأجهزة الاستخباراتية التي تؤيد نظرية وقوف أجهزة مخابرات غربية خلف فخ إبيزا". وعن الدوافع، أشارت مصادرها إلى حالة استياء وقلق لدى الغربيين من أن "حزب الحرية تمادى في تطوير علاقته بروسيا إلى حد تحوله إلى حصان طروادة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين". ولم تستبعد المصادر أن يكون الهدف الأمني من نشر الشريط "تفكيك هذا الائتلاف الحكومي (بين المحافظين وحزب الحرية)"، وهو ما تم بعد أيام قليلة.

وما يعزز الحديث عن "القلق" الاستخباراتي الغربي ذهاب وسائل إعلام عديدة في أوروبا، في إبريل/ نيسان الماضي، إلى نشر تقارير عن "امتناع أجهزة الاستخبارات في هولندا وبريطانيا وألمانيا عن التعاون مع جهاز استخبارات النمسا (BVT)"، والذي يتبع رسمياً وزير الداخلية المقال، هربرت كيكل، من حزب "الحرية"، وهو الذي اعتبرته مصادر الصحيفة مثيراً للقلق في التعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي الواقع، فإن هذا القلق الأمني الغربي (ويشمل أجهزة استخبارات أميركية) أقدم من فضحية إيبزا، وأبعد من فيينا، بحسب تقرير لصحيفة "دير ستاندرد" النمساوية في 8 إبريل/ نيسان الماضي، على خلفية انكشاف عمق هذه العلاقة الأمنية ــ السياسية لدائرة بوتين مع اليمين المتشدد.

وبوصولها إلى روما أيضاً، برز "إصرار أميركي على أن يبقى الإشراف على جهاز الاستخبارات بيد رئيس الوزراء فيها جوزيبي كونتي، وليس بيد وزير الداخلية ماتيو سالفيني، صاحب العلاقة الوثيقة ببوتين".

وأشارت "دير ستاندرد"، آنذاك، إلى ما يدور في الكواليس الأمنية ــ السياسية، بسبب أصابع الكرملين في أوروبا، مؤكدة أن "وثيقة سرية أميركية (أمنية) من خريف العام الماضي 2018 جرى إطلاع حتى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عليها، تحذر من اختراق روسي لمستويات أمنية أوروبية، بما فيها مؤسسات تعاون أمني مشترك (وبالأخص ما يسمى نادي بيرن لتبادل المعلومات الأمنية الحساسة بين مخابرات أوروبا)".

وأثار كشف الاستخبارات الألمانية عن الصلات النمساوية لسفاح الهجوم الإرهابي في كرايس تشيرش بنيوزيلندا، والنفي السياسي في فيينا، جدلاً واسعاً يؤشر عملياً إلى استبعاد جهاز استخبارات البلد عن نادي بيرن عملياً.

وبالإضافة إلى ذلك، وبحسب ما يفهم من التسريبات، فإن قضايا مثل محاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا، في سالزبيري البريطانية، فجرت شكوكاً، بعد أن تمنعت حكومة فيينا عن اتخاذ خطوة أقدمت عليها الدول بطرد دبلوماسيين روسيين. بل وعلى العكس من ذلك، تشير التقارير إلى زيادة روسيا "عدد دبلوماسييها في فيينا إلى أكثر من 100، وبينهم من يعمل في أجهزة الاستخبارات"، مع إشارة إلى أن الروس "يحاولون معرفة ما يدور من تحقيقات حول قضية سكريبال وإسقاط الطائرة المدنية التي غادرت من هولندا فوق أوكرانيا من خلال ما يناقش في مؤسسات أمنية مشتركة"، مع حساسية غربية تجاه تاريخ طويل لعمل أجهزة الاستخبارات في فيينا ولاحتضانها منظمات دولية عديدة.

علاقة قديمة بدوائر الكرملين

عودة النقاش في وسائل إعلام رزينة، وبمصادرها الأمنية والسياسية، حول "علاقة ما بين انهيار التحالف اليميني الحاكم وانكشاف ذلك الشريط"، يعيد على الجبهة النمساوية، إلى جانب جبهات أوروبية أخرى، قلقا أوروبيا جديا (أمنيا-سياسيا) من قدرة رجال الكرملين على نسج هذه العلاقات مع أحزاب معسكر اليمين القومي والمتشدد، ممن وصلت أو تسعى للوصول إلى الحكم.

فمنذ سنوات وضع الكرملين ما يسمى ورقة "خطة استراتيجية" لتعزيز العلاقة بنحو 15 حزبا وحركة في معسكر اليمين القومي المتشدد. وهو ما كشف عنه لوسائل الإعلام، بما فيها "شبيغل"، في 2017، رجل الأعمال الروسي السابق المعارض لبوتين، ميخائيل خودوركوفسكي.

وكشف الأخير عن مراسلات إلكترونية حول الاستراتيجية التي تنتهجها أجهزة وأذرع الكرملين الاستخباراتية لتعزيز تلك العلاقة من خلال "مكتب الرئيس (فلاديمير بوتين) في موسكو".


وفي بداية العام الحالي 2019، كان خودوركوفسكي قد اتهم من سماه "جيش بوتين السري الخاص بالوقوف وراء تصفية 3 صحافيين روسيين في جمهورية أفريقيا الوسطى ونسبها إلى عملية سطو مسلح"، بحسب ما نقلت عنه "شبيغل" بالتفصيل في 11 يناير/ كانون الأول 2019، وهو يتحدث عن ملابسات مقتل الصحافيين الثلاثة، ألكسندر راستورجوييف، كيريل رادتشينكو وأورخان دجمال في 2018.

والورقة التي يشير إليها خودوركوفسكي، مؤرخة بتاريخ 3 إبريل/ نيسان 2017، تتحدث عن التحالفات الممتدة من ألمانيا إلى النمسا فإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وغيرها من "الأحزاب المحتمل التعاون معها".

غير أن علاقة اليمين المتطرف في النمسا مع دوائر الكرملين ليست بجديدة، فمنذ أن اعتلى هاينز كريستيان شتراخه زعامة الحزب في 2005 جرى التواصل بين الطرفين، عن طريق مستشار بوتين، السياسي والصحافي، مكسيم شيوتشينكو. في ذلك الوقت أدى ذلك التواصل المبكر إلى بناء علاقة بين حزب بوتين "روسيا الموحدة" و"حزب الحرية".

ومن بين أهم القضايا التي اتفق فيها بوتين، ودائرته المسؤولة عن نسج العلاقة باليمين المتشدد، تعزيز ما يسمى "الاتجاه الاجتماعي المحافظ".

ويستند الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في علاقته بمعسكر التشدد القومي الأوروبي، على أمور عديدة، ولعل من أهمها: حب الوطن والدولة ذات السيادة، والعلاقة الوثيقة بين الكنيسة (الدين) والدولة، والتركيز على الهوية الروسية المسيحية والقيم الأسرية التقليدية، ومقاومة تعزيز التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي.

والتمعن في خطاب بوتين في هذا السياق، أقله في ما يخص العلاقة بمعسكر التشدد القومي، يظهر أنه أقرب إلى نظرة ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومشروعه في استهداف المجموعات والأحزاب ذاتها، لتحقيق ما عاد ليذكّر به بانون أمس من باريس، على وقع نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، حين صرّح علنًا أن "مشروع التكامل الأوروبي قد توفي".

تعليق: