المنتج والمخرج في شخصٍ واحد: تكامل أم انفصال؟

01 يونيو 2020
الصورة
فيليب عرقتنجي: الإنتاج عمل والإخراج تعبير! (أليسّاندرا بينيديتّي/Getty)
في ردٍّ "فيسبوكيّ" على منتقدين له، يطرح المخرج والمنتج اللبناني فيليب عرقتنجي (1964)، وإنْ مواربة، سؤالاً أساسياً: أهناك فصلٌ بين المنتج والمخرج في ذاتِ السينمائيّ؟

المسألة حسّاسة. لبنان غارقٌ في نزاعات طائفية واقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة. أي خطوة يُنتَبه إليها، كأي موقف أو تعبير أو ممارسة. الحقل العام واسعٌ، والعيون تراقب، والتفاصيل أساسية. النقاش منسحبٌ لمصلحة سجالٍ حادّ، و"فيسبوك" يتّسع لهذا. لكنّ النقاش ضروريّ، وما يقوله فيليب عرقتنجي دافعٌ إلى تبيان المسألة بعيداً عن صخب الكلام وغضب المواقف. "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019) اللبنانية تبدّلٌ واقعي يُنتج ثقافةً تكسر الخوف وتحطّم الانزواء، وإنْ كانت الثقافة هذه تحتاج إلى تمتين وبلورة وانتشار في عمق الاجتماع، وفي نفوس الناس وعقولهم. ردّ عرقتنجي ناتجٌ من تقريع له بسبب "ازدواجية" في موقفه، يراها منتقدوه "خبيثة" و"مرفوضة"، ويعتبرها هو اختلافاً في العمل، فالإنتاج وظيفة، والإخراج حيّز لقول رأي أو حالة أو انفعال أو تعبير، كما يقول.

الحكاية واضحة: يُشارك فيليب عرقتنجي، عبر شركته الإنتاجية Fantascope، المؤسَّسة عام 1989، في ترويج دعائيّ لمشروع "سدّ بسري"، الذي يعتبره لبنانيون عديدون تشويهاً للبيئة، ومنفذاً إضافياً لمزيدٍ من نهبٍ وفساد، ينتفض لبنانيون ولبنانيات كثيرون عليه (التشويه والنهب والفساد، في بسري وفي غيرها أيضاً من تفاصيل يومية وحياتية). مطلع مايو/ أيار 2020، تبدأ "قناة الحرّة" ببثّ سلسلة أشرطة وثائقية بعنوان "قصّة ثورة"، يُنجزها عرقتنجي مع مُصوّرين فوتوغرافيين تحديداً، متجوّلاً معهم داخل أروقة "انتفاضة 17 أكتوبر"، الرافضة سياسات النهب والفساد.

منتقدو عرقتنجي يرفضون تلك الازدواجية. التعاون مع جهاتٍ "متّهمة"، شعبياً على الأقلّ، بمسؤوليتها عن الخراب الكبير، اقتصادياً ومالياً وسياسياً وأمنياً وإعلامياً، يُثير فيهم غضباً يدفعهم إلى تقريع من يعتبرونه "متواطئاً" مع تلك الجهات. ردّ فيليب عرقتنجي عليهم غير موفّق كلّياً، لكنّه في طياته يطرح سؤال ثنائية الإخراج والإنتاج في شخصٍ واحد. يكتب عرقتنجي "فيسبوكياً"، ما يعتبره ردّاً على ما يُتَدَاول عن "وجود دور لي في موضوع سدّ بسري". يوضح "بشفافية وصراحة": العلاقة بالموضوع "تقنية لا غير"، تختصّ بعمل شركته الإنتاجية "المتقدّمة حينها إلى مناقصة للبنك الدولي". يُضيف: "أما آرائي واقتناعاتي الشخصية، فأعبِّر عنها من خلال أفلامي الخاصّة". يُنهي تعليقه بالقول إنّ تمسّكه بالشفافية نفسها تجعله مستعدّاً "للإجابة عن كل تساؤلات من يرغبون في التواصل معي".

إذاً، هناك فصلٌ بين المنتج والمخرج في شخص فيليب عرقتنجي. سيرته الإنتاجية حافلةٌ بأعمال دعائية وتجارية، أو بما يُعرف بـ"أفلام على الطلب". هذه وظيفة، يجد المرء نفسه فيها عاملاً من أجل كسب مالٍ لقاء اشتغالاتٍ. بعض تلك الأعمال تختصّ بترويج دعائي لـ"المصرف المركزي" اللبناني ولـ"شركة طيران الشرق الأوسط ـ الخطوط الجوية اللبنانية". هناك أعمال احتفالية بـ"الجامعة الأميركية في بيروت" أيضاً. لـ"المصرف المركزي" و"طيران الشرق الأوسط" سُمعة سيئة في راهنٍ لبناني مليء بالقهر والانهيار والخراب. "سدّ بسري" ينتمي إلى تلك الحالة التي يصنعها فاسدون يتسلّطون على البلد وناسه.

هذا ليس تفصيلاً. إنْ يكتفِ فيليب عرقتنجي بتولّي شركته الإنتاجية مهمّة الترويج لمشاريع كهذه، أو يتولّى إخراج الأشرطة نفسها أيضاً، فالأمر واحد: تقع عليه مسؤولية أخلاقية وثقافية وإنسانية، مع أنّ أشرطته الدعائية للمصرف والشركة سابقةٌ على انتفاضة لبنانيات ولبنانيين عليهما، من ضمن انتفاضتهم على مؤسّسات ومسؤولين، بسنين مديدة. "سدّ بسري" قريبٌ زمنياً من حالة غليان تنفجر في "17 أكتوبر".

يصعب قبول تبرير يفصل بين جانبين في ذاتٍ واحدة. الاكتفاء بالإنتاج أسهل على تبرير كهذا، فالمنتج يستثمر أموالاً في مشاريع مختلفة، يختار منها ما يراه الأنسب لأرباحٍ يريدها، وهذا حقّ طبيعي. منتجون قديمون في السينما العربيّة يُنتجون أفلاماً يرونها متوافقة وأفكاراً لهم في الاجتماع والعلاقات والقضايا، لكنّهم يتمسّكون بالجانب المالي، فهذا أساسيّ لهم. لكنْ، أنْ يكون المرء منتجاً ومخرجاً في الوقت نفسه، فهذا يحتاج إلى نقاشٍ يتناول آلية الاشتغال والتفكير، في بلدٍ كلبنان، يتخبّط بالتجاذبات والانشقاقات والانهيارات. إذْ كيف يُعقل أنْ يكون المنتج مروّجاً لمن ينتفض عليه كثيرون، ويذهب إلى "السينما" ليقول رأياً ربما كان مخالفاً لمضمون إنتاجاته، خصوصاً أنّ المخرج والمنتج معاً يُحقّقان سلسلة مرتبطة بانتفاضة لبنانيات ولبنانيين كثيرين؟ في حالة فيليب عرقتنجي، يُطرح سؤالٌ مُكمِّل: أتحتوي أفلامه الروائية والوثائقية الطويلة، غير تلك المصنوعة "على الطلب"، على ما يشي بأفكارٍ وقناعات واضحة؟ "البوسطة" (2005): فولكلور لبناني تبسيطيّ، منتهي الصلاحية منذ زمن الرحابنة. "تحت القصف" (2008): اختلاط الأسئلة وكثرتها مع انعدام حسّ سينمائي يحمل طرحها جمالياً ودرامياً. "اسمعي" (2016): أفضل أعماله، لبساطته وتواضعه وانجذابه إلى بحثٍ مبسّط في معنى العلاقة الإنسانية بين حبيبين، أحدهما غائبٌ عن الوعي. "ميراث" (2013 ـ 2014): وثائقيّ مهمّ وجميل، يُحوّل سيرة عائلته إلى سردٍ بصري متماسك (باستثناء الفولكلور اللبناني التبسيطيّ في نهايته عن الاستقلال وراشيا) لتاريخ بلدان واجتماعات وحكايات وأناسٍ.

لن يكون سهلاً حسم الإجابة، إنْ كان ضرورياً حسمٌ كهذا. النقاش مفتوح. لكن الفصل التام بين المنتج والمخرج في شخص واحد صعبٌ، خصوصاً في بلدٍ تتجاذبه نزاعات شتّى، وفي اجتماع مُصاب بارتباكات وخلل متنوّع الأشكال.
تعليق: