المغرب يراقب حراك الجزائر: تريث وتوجس

05 مارس 2019
الصورة
يتابع قطاع عريض من المغاربة مجريات حراك الجزائر(العربي الجديد)
+ الخط -
يراقب المغرب الوضع المشتعل في الجزائر من جراء الاحتجاجات الشعبية ضدّ ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، بكثير من الاهتمام والتوجّس. وينبع الاهتمام من العامل الجغرافي المحكوم بالجوار بين البلدين، فيما التوجّس مرده إلى ترقّب مالآت هذا الحراك، ومدى احتمال إفراز الانتخابات الرئاسية المرتقبة لمشهد سياسي جديد قد ينعكس على ملف الصحراء.
وفي الوقت الذي اختار فيه المغرب على المستوى الرسمي التريّث والنأي بنفسه عن أي تعليق بشأن مسار أو مصير الاحتجاجات التي تشهدها الجزائر، والتي يعتبرها البعض بداية محتملة لرياح ربيع عربي ثان، خصوصاً في ظلّ تزامنها مع احتجاجات مستمرة في السودان أيضاً، تابعت وسائل الإعلام المغربية بكثير من الاهتمام مجريات الحراك في الجارة الشرقية للمملكة المغربية، من خلال عناوين رئيسية تركز على الرفض الشعبي لعهدة بوتفليقة.
كما انتقدت منابر إعلامية مغربية ما وصفته بـ"ابتعاد السلطات الجزائرية عن منطق الصواب والحكمة" من خلال شنها لحملة اعتقالات في صفوف المحتجين، مسجلةً "تجاوزات الآلة العسكرية الجزائرية"، في وقت تابعت وسائل إعلام أخرى الوضع الصحي المتدهور للرئيس المرشّح بوتفليقة.
أمّا الأحزاب السياسية المغربية، فركنت في معظمها إلى الصمت، على اعتبار أنّ أي تعليق منها على ما يحصل في الجزائر، قد يُفهم أنه تدخل من المملكة تجاه جارتها. لكن الاستثناء جاء من قبل زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، المشارك في الحكومة، إدريس لشكر، الذي قال إنه "يتمنى حفاظ الجزائر على الاستقرار، وأن يكون الانتقال نحو الديمقراطية في هذا البلد المغاربي هادئاً وسلمياً بدون مشاكل، مثلما حصل في دول أخرى في جنوب البحر الأبيض المتوسط". وشدد على أنّ "وحدة دولة الجزائر واستقرارها وأمنها، هو استقرار وأمن للمغرب أيضاً".
وتعليقاً على الموضوع نفسه، قال الأستاذ في جامعة مراكش، محمد نشطاوي، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "ما يحدث من احتجاجات في الجزائر ضدّ العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد يكون الشرارة التي تحرّك المياه الراكدة طيلة سنوات، بحجة عدم تكرار سنوات العشرية السوداء". ولفت إلى أنّ "غالبية سكان الجزائر هم من الشباب الذين يرفضون رؤية شخص طريح الفراش، موجود في الحكومة الأولى بعد الاستقلال في عام 1962، يُمنح فترة رئاسية خامسة، بعد عشرين عاماً من الحكم، خصوصاً أنّ بوتفليقة قضى ولايته الأخيرة في الفراش، كما أنه منذ إصابته بجلطة دماغية عام 2013، لم يلق أي خطبة، ولم يقم بأي جولة لتفقّد أحوال الجزائريين، ولم يخض حتى حملته الانتخابية".

وبرأي المحلل السياسي، فإنّ "الجزائريين سئموا من رؤية مصائرهم تحدد من طرف الذين يستغلون عجز بوتفليقة، ويحاولون حماية مصالحهم حتى لو تطلّب الأمر ترشيح الكرسي بدل الرئيس"، مضيفاً أنّ "الجزائريين سئموا أيضاً من تكرار ذريعة العشرية السوداء، وأنّ الأمن أفضل من الديمقراطية، لسرقة مستقبلهم بهاجس الخوف من التغيير".
وعلى الصعيد الشعبي، يتابع قطاع عريض من المغاربة مجريات حراك الجزائر، وتتوزّع مواقفهم بين من يرغب بالفعل في أن تؤدي الاحتجاجات إلى إسقاط الولاية الخامسة لبوتفليقة والذهاب إلى انتخابات نزيهة غير معروف سلفاً من الفائز بها، وبين من يتخوفون من أن تتطوّر الأمور إلى ما يشبه العصيان المدني وأن يقابله تدخّل من مؤسسة الجيش.
وفي السياق، قال الناشط المغربي نوفل سفير، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "الاحتجاجات التي تعرفها الجزائر تنطلق من رغبة واحدة، هي رفض استمرار الوجوه نفسها في قيادة البلاد". وشدد على أنّ ذلك "رغبة شبابية مشروعة ومنطقية، لأنه من شأن تجديد الوجوه وضخّ دماء جديدة في شرايين الدولة، التنفيس عن الاحتقان وسط الشباب، خصوصاً في ظلّ تفشي البطالة وضبابية المستقبل".
في المقابل، قال شباب مغاربة آخرون تحدثوا مع "العربي الجديد"، إنهم لا يرغبون في المسّ باستقرار الجزائر وأمنها، لأن "عدوى الاحتجاجات" قد تنتقل إلى البلاد رغم وجود فوارق كبيرة بشأن دوافع وسياقات الحراك. كما أنهم أبدوا خشيتهم من تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى أشكال أكثر راديكالية بعد أن أصرّ بوتفليقة على الترشّح للانتخابات.
ورأى الناشط السياسي محمد ضافر، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "التأثّر بالاحتجاجات بين البلدين وارد نسبياً، بدليل ترديد جماهير جزائرية لأغنية مغربية خاصة بأنصار نادي الرجاء البيضاوي وعنوانها في بلادي ظلموني، إذ ردّدها آلاف الجزائريين أخيراً، تعبيراً عن رفضهم لترشّح بوتفليقة والوضع القائم".
ووفقاً لضافر، فإنّ تأثّر المغرب بحراك الجزائر أو انتقال عدوى الاحتجاجات، هو "أمر غير وارد بالنظر إلى أن مطلب الجزائريين محوري يتعلّق بالانتخابات الرئاسية، وهو أمر غير مطروح في المملكة"، لكنّ "تأثير الاحتجاجات بالمغرب على الحراك في الجزائر، قد يكون من خلال انتقال الاحتجاج من شعار سياسي رئيسي ضد عهدة بوتفليقة إلى احتجاجات فئوية في مناطق أخرى، خصوصاً في مناطق القبائل المحتقنة، مثلما هو حاصل في المغرب في كل من الريف وجرادة وزاكورة"، على حدّ تعبيره.
وبينما يتابع عدد من المغاربة كل ما هو جديد بشأن صحة الرئيس الجزائري التي قالت مصادر إعلامية إنها حرجة، في ظلّ تواجده في إحدى مستشفيات جنيف بسويسرا، بات كثير منهم يضعون سيناريوهات لمرحلة ما بعد بوتفليقة في ما يخص العلاقات بين الجزائر والمغرب، أو فتح الحدود المغلقة بين البلدين، أو حتى بالنسبة لنزاع الصحراء.
لكن الخبير الاستراتيجي، الدكتور محمد عصام لعروسي، لا يتوقع حصول تحولات جذرية وهامة في العلاقات بين البلدين الجارين بعد انقضاء مرحلة بوتفليقة، سواء بالوفاة أو بالتواري للعلاج والانسحاب من الترشّح للانتخابات، عازياً ذلك إلى وجود اختلاف في الأجندات والتوجهات الإقليمية والدولية لكل من المغرب والجزائر.
ووفق الخبير نفسه الذي تحدث مع "العربي الجديد"، فإنّ "طبيعة النسق الإقليمي والدولي لا تضع قضية الصحراء ضمن القضايا العاجلة التي تحتاج إلى حلّ فوري"، مضيفاً أنه "لا توجد مؤشرات واضحة على تغيير النخبة السياسية في الجزائر بعد أن قضى معظم وجوه حزب جبهة التحرير الوطني، الواجهة المدنية للنظام الجزائري، نحبهم".