المعروض على غزة وموقف الفصائل

أسامة يوسف
26 اغسطس 2018
شكلت أحداث ذكرى النكبة على حدود قطاع غزة الشرقية في 14 أيار/مايو 2018، واحتفالات نقل السفارة الأميركية إلى القدس والتي سقط فيها حوالى 60 شهيداً وأصيب أكثر من 1400 جريح، دافعاً قوياً لتحرك أممي عبر منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، بتشجيع أميركي، ورغبة إسرائيلية، ودعم أوروبي، وخصوصاً أن أحداث يوم النكبة والدماء التي سالت سببت إحراجاً كبيراً لإسرائيل وموجة إدانات أممية ودولية واسعة، كما خشت إسرائيل من تدهور الأوضاع في القطاع وصولا إلى حرب أو مواجهة مسلحة لا ترغب بها في المرحلة الحالية على الأقل.
وبعد زيارة كبير مستشاري البيت الأبيض جارد كوشنير والممثل الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات إلى المنطقة، وضع ملادينوف في منتصف شهر حزيران/يونيو 2018 مسودة خطته الأولى لإنقاذ الوضع الإنساني في قطاع غزة.

خطة ملادينوف
وشملت الخطة الأولى، أولاً: الأهداف، وتشمل الحيلولة دون تدحرج الأوضاع إلى حرب بالاستناد إلى اتفاقية وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب عام 2014، وإنقاذ الحالة الإنسانية المتفاقمة، وتحقيق المصالحة عبر دعم الجهود المصرية على أرضية تسلم السلطة الفلسطينية لصلاحياتها كاملة.
ثانياً: الشروط، وتتضمن توافر بيئة مستقرة وآمنة نسبياً في القطاع، ووقفاً لإطلاق النار ووقف تسلح فصائل المقاومة، وتحمل السلطة الفلسطينية لصلاحياتها كاملة في القطاع ومن ضمنها الضرائب والمعابر ودفع رواتب الموظفين، وحرية الحركة والتنقل والتجارة في المعابر بما ينسجم مع المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، وفتح معبر رفح تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.
ثالثاً: الوسائل والأدوات، وتشمل تنفيذ حزمة من المشاريع في القطاع عبر جهود مكثفة ودور رئيس من الأمم المتحدة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر، أما المشاريع طويلة المدى فتشمل بنية تحتية لاستخدام الغاز في محطة توليد الكهرباء حتى عام 2021، ومشاريع بتكلفة أكثر من 650 مليون دولار للبنية التحتية للمياه جديدة، ومحطة تحلية مياه، وإنشاء خط إمداد للكهرباء من إسرائيل.
ومشاريع قصيرة المدى وسريعة تتضمن إنشاء محطة طاقة شمسية لتغذية محطة للصرف الصحي في خان يونس، ومحطة طاقة شمسية أخرى لأنظمة المياه والصرف الصحي، وإقامة منطقة صناعية تحت الرقابة الدولية في غزة لتصدير منتجاتها إلى أوروبا وإسرائيل.
رفضت السلطة الفلسطينية مقترح ملادينوف لأنه حسب ادعائها يتجاوز السلطة بإسناد دور أساسي للأمم المتحدة، كما أنها تحفظت على بند دفع رواتب الموظفين العموميين، لأن السلطة تعتبر كل الإجراءات والوقائع على الأرض في القطاع بعد عام2007 غير شرعية ولا تعترف بها، كما اعتبرت حماس وفصائل المقاومة الأخرى الخطة إسرائيلية بالكامل كونها تعفي إسرائيل من مسؤوليتها تجاه غزة كقوة احتلال، وترفض الحديث عن سلاح المقاومة ووقف تطويره في ظل مخاوف من أن يكون سلاح المقاومة هو أحد أهم أهداف خطة ملادينوف.

الخطة المعدلة
تقدم ملادينوف بخطة أكثر عملية جديدة في أواخر تموز/يوليو 2018 لتجنب اعتراضات عدة أطراف تفرغها من مضمونها، وتتمحور حول وقف البالونات الحارقة ومسيرات يوم الجمعة التي تحولت إلى عبء نفسي وضغط سياسي ثقيل على القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وخلقت رأياً عاماً إسرائيلياً متصاعداً أضاف ضغوطاً أخرى قد تفضي إلى اندلاع مواجهة شاملة، وتشمل الخطة ثلاث مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: وقف "الاستفزازات على الحدود مع قطاع غزة" أي إنهاء ظاهرة الطائرات والبالونات الحارقة، والتظاهرات الأسبوعية كل يوم جمعة، ومحاولات التسلل عبر الحدود، في مقابل فتح معبري رفح وكرم أبو سالم بشكل دائم، وتستمر هذه المرحلة حوالي أسبوع تقريباً.
المرحلة الثانية: تحسين الظروف المعيشية والإنسانية، ورفع الحصار بشكل كامل بما يشمل حرية التجارة والتنقل، وزيادة طاقة الكهرباء للقطاع عبر الخطوط الإسرائيلية.
المرحلة الثالثة: تنفيذ الأمم المتحدة مشاريع إنسانية طويلة الأمد لخدمة قطاع غزة من خلال مشاريع في سيناء تحت السيادة المصرية، مطار في العريش، وميناء بحري في بور سعيد، ومحطة كهرباء، ومنطقة صناعية مشتركة، وإعادة تأهيل البنية التحتية في القطاع.
من الواضح أن طرح ملادينوف المحدث يقترب أكثر من الرؤية الإسرائيلية، ولا يقدم حلولاً مقنعة حسب وجهة نظر فصائل المقاومة، لأن مرحلة الحل ووضع إطار زمني لا يعني سوى المماطلة والتسويف الإسرائيلي المعهود، فالخطة تضع شروط إسرائيل في المرحلة الأولى والتي هي أدوات الضغط الوحيدة لدى أهل القطاع والتي وبموجب المرحلة الأولى وقفها فوراً (مسيرات العودة والطائرات الورقية الحارقة) في مقابل فتح معبري أبو سالم ورفح، وبكل تأكيد قد تطبق إسرائيل جزءا من هذه المرحلة ومن ثم هي في حل من أي التزامات أخرى.

هدنة السنوات الخمس
عدلت إسرائيل من موقفها في سياق صراع حزبي وسجالات داخلية، وضغط وسائل الإعلام وتبنيها لمطالب عائلتي المفقودين في غزة هدار غولدن وشاؤول أرون، لذلك أضاف ملادينوف مصير الجنود إلى مبادرته الجديدة، في وقت أمر وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بوقف إدخال البضائع من معبر كرم أبو سالم مع بعض الاستثناءات المتواضعة، وتقليص مساحة الصيد إلى ثلاثة أميال بحرية كأسلوب ضغط لوقف إطلاق البالونات الحارقة على المناطق المحاذية لحدود قطاع غزة الشرقية، وتشمل المبادرة المعدلة والتي طرحت في النصف الأول من آب/أغسطس 2018م:
أولاً: وقف إطلاق البالونات الحارقة ومسيرات العودة، في مقابل وقف القصف الإسرائيلي وإطلاق النار على الصيادين، وإعادة فتح كرم أبو سالم، ومنطقة الصيد إلىتسعة أميال بحرية كما كان قبل قرار وزير الدفاع.
ثانياً: تقديم حماس معلومات عن مصير الجنديين المفقودين في قطاع أكانا أحياء أم أموات، في مقابل رفع أكبر للقيود على المعابر، وتوسيع مساحة الصيد إلى 12 ميلاً بحرياً، ويتلو ذلك خطة إنعاش إنسانية بمشاريع بنية تحتية بتمويل خليجي ودولي، دون عوائق إسرائيلية على المعابر.
ثالثاً: إذا ما نجحت المرحلتين الأولى والثانية، يتم التوجه إلى المرحلة الثالثة والأصعب، حيث يتم تثبيت هدنة أو وقف لإطلاق النار لمدة لا تقل عن خمس سنوات، فيما يصار إلى مفاوضات لإنجاز صفقة تبادل للأسرى، ومتابعة ملفات أكثر زخماً من قبيل الميناء البحري والمطار بإشراف دولي.
رفضت حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة المقترح الجديد، لأنه لا يلبي شرطاً أساسياً لدى حركة حماس وهو إطلاق سراح جميع الأسرى الذين اعتقلوا بعد الإفراج عنهم في صفقة شاليط عام 2011، وعددهم حوالي 80 معتقلاً، كما أن المقترح يستبطن تقديم فصائل المقاومة تنازلات واضحة وهي أدوات الضغط الوحيدة على إسرائيل، بينما مسألة فك الحصار يسودها الضبابية ومقسمة على مراحل، وهو ما يعني الاكتفاء بتطبيق المرحلة الأولى أو جزء من الثانية، وتملص إسرائيل كعادتها من التزاماتها.
من الواضح أنّ مقترحات الهدنة ووقف إطلاق النار خاصة خطط ملادينوف تقترب أكثر من مصالح إسرائيل، وتأتي بإملاءات فريق دونالد ترامب لعملية السلام، وفي كل مرة تصطدم بالمطالب الإسرائيلية المتجددة والتي لا تنتهي، وجوهرها وقف مسيرات العودة على حدود قطاع غزة الشرقية وإطلاق البالونات الحارقة، ومن ثم تخفيف الحصار ومعالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
ومن الملاحظ أن مقترحات ملادينوف لا تتجاوز سياق صفقة القرن ومقترحات تصفية القضية الفلسطينية، بطرح حلول تكرس حالة الانقسام، وتختزل واقع غزة بأزمة إنسانية وحاجات حياتية أساسية.
تعليق:

ذات صلة

الصورة
قصة نجاح من غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

حقق الشاب عبد المطلب شعبان ريحان (23 سنة) مراده بالوصول إلى ما كان يسعى إليه طوال سنوات عانى فيها من طبيعة عمله في بلدية جباليا النزلة، إذ كان يعمل في مهنة جمع القمامة، أو "صانع جمال"، إذ استطاع أن يوازن بين مهام وظيفته، وبين دراسته الجامعية.
الصورة
فايقة الصوص - فلسطين(عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

توظّف فايقة الصوص، وهي من سكّان مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة، موهبتها في الكتابة، التي اكتسبتها من خبرتها في مجال تدريس اللغة العربية طيلة 41 عاماً، لتوثيق الحكايات الخاصة بقضايا اللاجئين على فيسبوك.
الصورة
أراضي قرية المكر الجديدة - فلسطين المحتلة(العربي الجديد)

مجتمع

يتصدى أهالي قرية المكر الجديدة، بجانب عكا في الجليل الغربي، لقرار إقامة مخطّط منشأة لتحلية مياه البحر الذي أقرّته سلطات الاحتلال الإسرائيلية، والذي يؤدي لمصادرة مئات الدونمات من أراضيهم الخاصة، وكذا البلدات العربية المجاورة، في الداخل الفلسطيني. 
الصورة
فصايل

أخبار

هدمت جرافات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الجمعة، عدة منشآت في منطقة الحرش بالقرب من قرية فصايل بالأغوار الفلسطينية، بحجة البناء من دون ترخيص.