المصالحة الفلسطينية.. هل المشكلة في تمكين الحكومة؟

26 نوفمبر 2017
الصورة
+ الخط -
في ظل حالة الفوضى التي تشهدها المنطقة العربية، وجدت الفصائل الفلسطينية في ختام جلسات الحوار التي عقدت في القاهرة يومي 21 و22 أكتوبر/ تشرين الثاني الجاري، أن المخرج من التوتر التي ظهر في هذا الحوار، يكون ببيانٍ ختامي يخلو من التزاماتٍ محددةٍ على جميع الأطراف، فهناك متغيراتٌ عديدة ظهرت، أو قد تظهر في الأيام المقبلة، وتفضي إلى نتائج تؤثر على المشهديْن، الفلسطيني والإقليمي. وما يزيد الشك في عمق التوتر بين الأطراف، تصريحات ممثلي حركة فتح إن المصالحة لن تتم أو تتقدم إلا عند "تمكين" حكومة الوفاق الوطني، وهو ما رفضته الفصائل التي رأت في زيارتها مصر فرصةً من أجل الحوار، وليس تمكين الحكومة. وعلى ذلك، قرّرت المخابرات المصرية أن ترسل وفدًا إلى قطاع غزة في الفترة المقبلة، للبحث في الإشكالات المرتبطة بتمكين الحكومة وتسليم المعابر.
حاول وفد حركة فتح، في جلسات الحوار، ضبط الإيقاع، أو التحكّم بمسار المصالحة في مرحلتها الراهنة، لبروز تطورات إقليمية ودولية، فعادت مجدّدًا إلى طريقة التصريحات التي صدرت عن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس؛ قبل تخلي حركة حماس عن السلطة في قطاع غزة، إن إنهاء الانقسام يكون بحل اللجنة الإدارية في القطاع، وفوق ذلك، لم يتراجع عباس إلى اللحظة، عن العقوبات الصادرة بحق سكان قطاع غزة منذ تشكيل هذه اللجنة الذي بدا أنه بات عائقًا أمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، فجرى الاتفاق على حل اللجنة، ثم البدء بإجراءات تمكين حكومة الوفاق الوطني وتسليم المعابر، من أجل التوافق على الملفات العالقة، وصولًا إلى تحقيق المصالحة، في ظل أن "حماس" بادرت إلى حل اللجنة الإدارية، وتمكين حكومة التوافق وتسليم المعابر، ما يعني أنها فتحت الباب لإتمام المصالحة وتطبيق تفاهمات القاهرة. واللافت هنا، أن تسارع توافق حركتي فتح وحماس إلى تحقيق الوحدة الوطنية منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اصطدم بمطالبات وفد حركة فتح التي رهنت تقديم الحكومة الخدمات والإيفاء بالتزامتها تجاه قطاع غزة، بتمكين الحكومة.
المفارقة أن بيان مجلس الوزراء الفلسطيني، في 21 أكتوبر/ تشرين الثاني 2017، يرى أن 
أهم التحديات التي تواجه الحكومة لتسريع خطوات المصالحة تكمن في عدم قدرتها على "بسط سيطرتها وولايتها القانونية، وعدم قدرتها على حل القضايا الأمنية والمالية والمدنية والإدارية الناجمة عن الانقسام"، لكن المفارقة فعلًا أن السلطة الفلسطينية التي تعاني تهديد بقاء، في ظل عدم قدرتها على إيجاد حلول للتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية، ترى أن معضلة إنهاء الانقسام الفلسطيني محصورة في عدم قدرتها على تمكين الحكومة من أداء مهامها. وكان لافتًا، هنا، حدثان يدلان على خرافة "تمكين الحكومة"، يرتبط الأول بعودة السلطة الفلسطينية عن قرارها تجميد التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، والثاني، تصريح الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، إنه لم يعد بإمكان السلطة الفلسطينية الاستمرار "سلطة من دون سلطة". ويبدو هنا أن قضية البقاء في السلطة، وتجنب كل ما يهدد مكانتها، بات أهم من توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية.
في الأثناء، بدأت زيارة الرئيس محمود عباس إلى المملكة العربية السعودية، مصحوبةً باستعداد الأخيرة لدفع فاتورة المصالحة الفلسطينية، بشرط القبول بالتسوية السياسية الفلسطينية – الإسرائيلية التي تحضر لها الإدارة الأميركية مع الرياض، والمرتبطة بتهدئةٍ طويلة الأمد مع 
إسرائيل، وتحييد تدخل إيران عن الساحة الفلسطينية، في ظل استعادة حركة حماس للعلاقة مع إيران وحزب الله. ويبدو لافتًا أن زيارة عباس تلك مرتبطة بالاضطرابات الحاصلة في البيت السعودي الداخلي والمنطقة العربية، وجديد محطاتها استقالة رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، من الرياض، وكأنما الفلسطينيون هنا، أمام محاولة لدفعهم إلى واجهة المشروع الأميركي - السعودي في المنطقة. وقد جاء قرار إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وربطه بالمساعدات الاقتصادية المقدمة للسلطة الفلسطينية، وتعطل حوار القاهرة، مرتبطًا من جهة بابتزاز السلطة الفلسطينية، لتقديم تنازلاتٍ جديدة، ومن جهة ثانية بتخوفات واشنطن من أن يصبح المشهد الفلسطيني المتأرجح، بحكم الأمر الواقع، قريبًا من إيران وحزب الله. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تزيد خطة التطبيع السعودية مع إسرائيل من تعقيد المصالحة الفلسطينية الداخلية، ما يعني توجيه ضربات أخرى للسلطة الفلسطينية في حال تعنّتها.
وعلى غرار ذلك، يبدو أن ملفات المصالحة العالقة "بتمكين الحكومة وتسليم المعابر وملف الأمن" باتت لا تمثل تهديدًا لهذه المصالحة، بقدر ما تشكل الضغوط الأميركية، والملفات الإقليمية واصطفافاتها، ضربةً قد تؤدي إلى توقف المصالحة الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، تبقى أي محاولةٍ لجرّ الملف الفلسطيني إلى محورٍ يقبل التسوية السياسية على أساس تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بحجة مجابهة إيران أو لجمها، بمثابة تهديد لها في المنطقة. وعليه، فإن ضغط الرياض على عباس لقبول التسوية السياسية وتصفية القضية الفلسطينية، وإنْ كانت مضطرة في ذلك لقبول السلطة الوطنية، لا يعني قبول الفلسطينيين به، والتنازل عن حقهم بمقاومة الاحتلال.