المرأة التونسية... منظمات تنتفض تنديداً بالعنف ضدّها

05 ديسمبر 2018
الصورة
العدل مطلبهنّ (الشاذلي بن إبراهيم/ Getty)
+ الخط -

يحقّ للنساء التونسيات أن يفخرنَ بالتقدم القانوني وبمكتسباتهنّ الحقوقية، غير أنّ ذلك لا يمكن أن يحجب حقيقة أنّ الطريق ما زال طويلاً أمامهنّ من أجل تحقيق المساواة وإلغاء كل تمييز أو عنف على أساس النوع الاجتماعي.

تكفي نظرة سريعة إلى المجتمع التونسي، ليستنتج المرء أنّه مجتمع يحترم حقوق المرأة، وذلك بسبب ارتفاع درجة وعيه من جهة ومن أخرى احترامه للقانون الحاسم بشأن هذه المسألة. أمّا الواقع، فيبيّن أنّ القوانين وُضِعت كضرورة لحماية الفئة الهشة، وأنّ المجتمع التونسي كغيره من المجتمعات المجاورة يمارس عنفاً هائلاً ضدّ المرأة، وما نكران ذلك إلا محاولة بائسة للتعمية على ما يجري. وتغتنم الجمعيات النسوية في تونس إحياء البلاد ومؤسساتها الرسمية حملة الأيام الستة عشر العالمية لمناهضة العنف ضدّ المرأة (25 نوفمبر/ تشرين الثاني - 10 ديسمبر/ كانون الأول) لتذكير السلطات بتهاونها في ما يخصّ فرض سياسة ردعية إزاء ذلك العنف بكل أنواعه الجسدية والمعنوية والجنسية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

تفيد إحصاءات أخيرة نشرتها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، في إطار ندوة صحافية تحت راية التحالف الوطني ضدّ العنف، بأنّ نسب العنف الزوجي في داخل الأسرة والمسلط على المرأة آخذة في التصاعد. وارتكزت في ذلك على معطيات مراكز التوجيه والاستماع الخاصة بالنساء المعنّفات والتابعة لها. وكانت تلك المراكز قد استقبلت 277 امرأة معنّفة في خلال عام 2017، بينما استقبلت 312 امرأة في خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2018. كذلك سجّلت الجمعية وفاة امرأتَين من جرّاء العنف الزوجي إلى جانب عنف جنسي استهدف 14 امرأة وخمسة أطفال. وأدّى تحليل تلك المعطيات إلى أنّ ثمانين في المائة من حالات العنف ضدّ المرأة ارتكبها الأزواج. أمّا الإحصاءات الرسمية فلم تُنشَر بعد، بيد أنّ مصادر من الإدارة الفرعية للوقاية الاجتماعية في وزارة الداخلية أفادت "العربي الجديد" بأنّ 25 ألف محضر عنف ضدّ المرأة والطفل حُرّرت منذ إنشاء الفرق المختصة بقضايا العنف المسلط على النساء والأطفال. من جهته، بيّن الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في دراسة أعدّها حول العنف الأسري وشملت عيّنة من 3873 امرأة تتراوح أعمارهنّ بين 18 و64 عاماً أنّ 47.6 في المائة منهنّ تعرّضنَ للعنف ولو مرّة واحدة في حياتهنّ وأنّ العنف المادي والجسدي هو الأكثر شيوعاً يليه العنف المعنوي ثمّ العنف الجنسي والعنف الاقتصادي.




وتواجه النساء في تونس "عنفاً صحياً" كذلك نتيجة تراجع الدولة عن ضمان حقهنّ في الصحة الجنسية والإنجابية بكلّ تفرّعاتها مع إمكانية وصولهنّ إلى وسائل منع الحمل. وتعيش تونس اليوم تقهقراً كبيراً في هذه الحقوق بعدما تراجعت الدولة عن تأدية واجبها تجاه المرأة، الأمر الذي دفع منظمات من قبيل "الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" ومنظمة "أطباء العالم" وجمعية "نساء من أجل البحث والتنمية" إلى التحذير من خطورة عجز مراكز التنظيم العائلي والمؤسسات الصحية الأساسية عن تقديم بعض خدمات الصحة الإنجابية. ويأتي نفاد وسائل منع الحمل، لا سيّما بالنسبة إلى النساء الريفيات اللواتي يعشنَ في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة واللواتي يحصلنَ عادة على تلك الوسائل من تلك المراكز. وأشارت المنظمات إلى أنّ تحوّل التخطيط والصحة الجنسية والإنجابية امتيازاً للمرأة الميسورة في حين تُحرَم منهما نساء الريف، لا سيّما الفقيرات.

ويُسلَّط الضوء على هذه النقطة في خلال التحرّكات التي دعت إليها منظمات حقوقية ونسوية في إطار الحملة العالمية لمناهضة العنف ضدّ المرأة، خصوصاً في ظل غياب سياسة التنظيم العائلي والرؤية الاستراتيجية للنموّ الديموغرافي في تونس. يُذكر أنّ نسبة النموّ الديموغرافي سجّلت تطوّراً في خلال 11 عاماً، من اثنَين في المائة في عام 2007 إلى 2.4 في المائة في عام 2018، وهو ما يبيّن "انفلاتاً في الولادات" سوف تتضح انعكاساته مستقبلاً ومدى استعداد المؤسسات الصحية والتربوية على الاضطلاع بدورها لجهة الاستقبال والإحاطة. في السياق، عبّر وزراء عن دهشتهم من جرّاء الارتفاع المفاجئ لعدد طالبي الخدمات الجدد من الأطفال، ومنهم وزير التربية الذي لم يخفِ مفاجأته بدخول 13 ألف طفل جديد، فوق المعدّل العاديّ، إلى المدارس هذا العام.

ويأتي كذلك العنف الاقتصادي الذي ما زال جانباً مظلماً ممّا تعيشه المرأة التونسية، لجهة ضعف الأجور والتفرقة على أساس النوع والطرد التعسفي على خلفية عطل الأمومة. ومن شأن ذلك العنف أن يعمّق التفاوت الجهوي في التنمية، إذ إنّ النساء الريفيات هنّ أكثر من يعانينَ بسبب ندرة فرص العمل بالمقارنة مع ما هو متوفّر بالعاصمة والمدن الكبرى. ويأتي ذلك بالتوازي مع العنف الثقافي وغياب الثقافة تقريباً، في الجهات مع فقدان نساء الأرياف حقهنّ في الثقافة والترفيه. ويترافق ذلك مع "خطاب تحقيري" في بعض وسائل الإعلام التي ترذّل المرأة على الرغم من بيانات التنديد الصادرة عن المجتمع المدني وجهات إعلامية وغيرها.

العنف قد يتهدّد أيّ واحدة منهنّ (أنيس ميلي/ فرانس برس)


انتهزت المنظمات النسوية فرصة إحياء تونس حملة الأيام الستة عشر العالمية لمناهضة العنف ضدّ المرأة، فراحت تكثّف نشاطاتها في هذا المجال. من جهتها، وجّهت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات مذكّرة إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بصفته رئيساً لمجلس النظراء للمساواة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل. وقد تضمّنت المذكّرة عشر نقاط تهدف إلى تكثيف الجهود الرامية إلى القضاء على العنف المسلط على المرأة وتحقيق المساواة التامة والفعلية بين الجنسَين. توضح الكاتبة العامة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، نائلة الزغلامي، لـ"العربي الجديد"، أنّ "المذكّرة الموجهة إلى رئيس الحكومة تهدف إلى تنبيهه حول تدهور واقع معيش المرأة في البلاد نتيجة ضعف تفعيل قانون مناهضة كل أشكال العنف المسلط على المرأة والاستمرار بالعمل بقوانين تمييزية وغير دستورية". وتشرح أنّ "المجلة الجزائية (القانون الجنائي) ومجلة الجنسية وقانون الشغل ومجلة الأحوال الشخصية ما زالت كلّها في تعارض مع الدستور. وهذه القوانين التمييزية هي التي مثّلت إطاراً لتواصل العنف واستفحاله".

وتتابع الزغلامي أنّ "في الأمر أكثر من تقصير، فقد صار تهاوناً قضائياً في التعاطي مع قضايا العنف، إذ إنّ الجناة يحظون عادة بإطلاق سراح مؤقّت على الرغم من فداحة الجرم المرتكب، أو إنّهم يستفيدون من أحكام متسامحة تعتمد ظروف التخفيف، أو لا يُصار إلى إبعاد المعتدين عن مسكن العائلة في حالات الاعتداءات الزوجية". وتطالب هنا بـ"توضيح السياسة الجزائية التي يعتمدها القضاء لتسهيل وصول المرأة إلى العدالة وردّ الاعتبار لها وعدم إفلات المعتدي من العقاب وردعه". وتلفت الزغلامي إلى أنّ "المذكّرة تناولت تغييب المرأة في مواقع القرار. فالحكومة لا تضمّ إلا ثلاث نساء في صفوفها أي ما يقارب العُشر فقط، في حين تنصّ القوانين الانتخابية وفلسفة الدستور على المناصفة ويعزّز في سياق دولي وصول المرأة إلى مواقع القرار". وقد أوصت الجمعية رئيس الحكومة بالتسريع في إقرار موازنة خاصة بمقاربة المساواة ومناهضة العنف، وباستحداث مرصد وطني لمناهضة العنف الذي تأخّر إنشاؤه عاماً وثمانية أشهر من تاريخ صدور قانون مناهضة العنف ضدّ المرأة، على أن يكون ذلك بشفافية وتشاركية مع المنظمات الحقوقية مع ضمان الإمكانات اللازمة له من أجل نجاعة التدخّل.



بموازاة ذلك، وفي سياق الحملة العالمية لمناهضة العنف ضدّ المرأة، أطلقت أكاديمية قادة المستقبل الدولية بالتعاون مع منظمات محلية ودولية، حملة وطنية لمناهضة التحرّش الجنسي في وسائل النقل. تقول المتحدّثة باسم الأكاديمية أسرار بن جويرة لـ"العربي الجديد" إنّ "الحملة تستهدف عشرة آلاف طالب وطالبة في كل جامعات البلاد، وتعمل على أكثر من صعيد، من بينها التوعية حول الانعكاسات النفسية والمعنوية للتحرّش واستباحة أجساد النساء، وحول خطورة تفاقم ذلك. والحملة تعتزم تكثيف نشاطها خلال الأيام المقبلة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تمثّل فضاءً ملائماً للتحرّش والإفلات من العقاب نتيجة صعوبة التتبّع". وتشير بن جويرة إلى أنّ "الفتيات والنساء اللواتي يتعرّضنَ للتحرّش عموماً، يفضّلنَ الصمت حتى لا يصرنَ موضع وصم واتهام في حال تكلّمنَ. كذلك، فقد بيّنت التجارب بأنّ التعاطف مع الضحية يكون ضعيفاً، وهو ما جعل الحملة تبتكر تطبيقاً للإبلاغ عن حالات التحرّش في وسائل النقل وتطلقه في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الجاري". وفي السياق ذاته، جابت قيادات الاتحاد الوطني للمرأة التونسية أكثر من محافظة للتوعية حول حقّ المرأة في التمكين الاقتصادي والاجتماعي. أتى ذلك في إطار حملة تحت عنوان "القانون خطوة والباقي علينا"، تضمّنت نقاشاً حول الاغتصاب بين النصّ القانوني والواقع النفسي والاجتماعي.

المساهمون