المتنبي... أزمة تعايش الشعر والشعراء مع العالم

01 سبتمبر 2018
الصورة
(موزاييك في "المدرسة البوعنانية"، فاس)
+ الخط -

أذُمُّ إلى هذا الزمانِ أُهَيلَهُ

فأعلمُهُم فَدمٌ

وأحزمُهم وغدُ 

وأَكرَمُهم كلبٌ

وأَبصرُهم عَمٍ 

وأَسهدُهم فهدٌ

وأَشجعُهم قِردُ

ومن نَكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى 

عدوّاً لهُ

ما من صداقتِهِ بُدُّ.

في المقال السابق (بعدد السبت 18 آب/ أغسطس) وردت إشارة إلى بيت لأبي الطيب المتنبي جاء بنونيّته التي قالها في مدح قاضي إنطاكية أبي عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد الخصيبي، كان البيت يقول:

يستَخبِرونَ فلا أُعطيهِمُ

خَبَري

وما يطيشُ لهُم

سَهمٌ من الظِنَنِ.

وهو بيت نادر في التعبير عن محنة المتنبي في حياته، وكانت محنةَ سوءِ تفاهم ما بين الناس والشاعر. فيما كان ينجم عن مثل هذا السوء في التفاهم الكثيرُ من الكيد والغلّ والحسد الذي يعانيه المتنبي من الآخرين.

وقيمة هذا البيت ليست في شكواه وتذمره، ما أكثر ما تذمر أبو الطيب، إنما القيمة التي يحظى بها هذا البيت، في جانب من جوانبه، هي في ما يعبّر عنه الشاعر من سعي للتخفّي والتنكّر وبما يخبئ سرّاً ما أو أسراراً يريد مواراتها عن الآخرين. ولعلّ محنة الشاعر هي في فشل كل هذه الجهود التنكّرية التي يحرص عليها والتي تطيح بها (سهام ظنون) أعداءه، حيث لا (يطيش لهم سهم).

شخصية المتنبي هي تمزّق ظلَّ مستمراً دائماً ما بين (سرّ) يُخفيه عن طبيعة شخصه، وربما نسبه، وبين (طموحه) وإرادته من جانب و(تربّص وكيد الآخرين) من جانب آخر. وهذا البيت تعبيرٌ حيوي عن هذا التمزق الذي ظل يعانيه الشاعر حتى انتهى به وبحياته إلى مقتله، وهو بيت يحظى بـ (مركزية)، لم يُنتبَه لها، بين الكثير من جهد المتنبي الشعري المكرس للتعبير عن الشكوى من أزمته مع الآخرين.

وفي الشعر بشكل عام، وليس في شعر المتنبي حصراً، تكثر الشكوى من الزمان، إنها أزمة تعايش الشعر والشعراء مع العالم في حياة ضنينة بحُسن تفهّمها للطبيعة الخاصة للتكوين النفسي والعقلي للنادرين من الشعراء، وبهذا يبقى الأكثرَ من هجاء الزمان هو كثرةُ ذمّ الناس وهجائهم، ولعل التعبير المتذمر من أحوال الزمان هو كناية أو تعبير غير مباشر عن التذمر من الناس ومن محنة التعايش معهم.

هذه الأبيات الثلاثة التي تصدّرت هذا المقال هي تجسيد حي ومباشر لهذه الخلاصة الأخيرة؛ هجاء الزمان هو هجاء لناس الزمان.

في هذه الأبيات يشكو المتنبي للزمان (أُهَيله)، و(أُهَيل) تصغيرٌ يراد به التحقير، ولا يتجه التحقير هنا، في هذه الأبيات الثلاثة في الأقل، إلينا نحن عوام الناس وبسطاءهم، مثل هؤلاء ليسوا في وارد خاطر الشاعر ولا هُم محطّ شكواه. جاء في (عقلاء المجانين) لأبي القاسم بن حبيب النيسابوري: "أنشدني أبو الحسن محمد بن محمد بن مسعود، قال: أنشدنا نفطويه، عن الخليل بن أحمد:

إني بليت بمعشر

نوكي أخفهم ثقيل

نفر إذا جالستهم

نقصت بقربهم العقول.

والنوكى هم الحمقى. وفي المقال السابق أوردنا بيت أبي تمام الذي يهجو فيه الدهماء (عامة الناس وسوادهم):

لا يدْهَمَنَّك من دهمائِهِم

عددٌ 

فإنّ جُلَّهم بل كلَّهُم

بَقَرُ.

لكن المتنبي لم يعنِ هؤلاء، لم تقلقه العامة بشيء، نقدُ المتنبي وهجاؤه دائماً ما ينصرفان نحو أرستقراطيي المجتمعات التي يكون فيها، من نخب حاكمة ومثقفة ومتنفذة اجتماعياً واعتبارياً. فهو، في هذه الأبيات الثلاثة، يختار من (أُهَيل الزمان) أعلاهم شأنا:(أعلمهم وأحزمهم وأَكرمهم وأَبصرهم وأَسهدهم وأَشجعهم). 

بموجب هذه الأبيات، لا يجري الكلام ضد الناس بشكل عام، أهل الزمان هم سادته والمتحكمون بناسه وبالحياة فيه، وهم الأجدر بالنقد، وفي البيتين الأولين يقدم أبو الطيب صور هؤلاء المتنفذين بصياغات قاسية:

"فأعلمُهُم فَدمٌ

وأحزمُهم وغدُ 

وأَكرَمُهم كلبٌ

وأَبصرُهم عَمٍ 

وأَسهدُهم فهدٌ

وأَشجعُهم قردُ".

والفدم هو الغبي أو العاجز عن التعبير (عييّ اللسان)، وهو بحسب التبريزي في شرحهالثقيل الوخم. وهو من قولهم: ثوب مفدم: إذا أثقل بالصبغ. وقيل: الفدم: العييّ اللسان. أي: كأنه قال: شدَّ فمه بفدام. وهو ما يُجعَل على فم الإنسان". وهو توضيح يجعل لا قيمة لما جاء به بعد ذلك ابن وكيع من نقد واعتراض على المتنبي حين أشار في كتابه (المنصف للسارق والمسروق منه) إلى أن" هذا تقسيم رديء لأن الفدم العيي في المنطق، وقد يكون الفدم عالماً فلا يُفسد ذلك علمه.

والوغد الضعيف أو العبد، وقد يكون الحزم في الضعيف أو العبد ولا تبعد العبودية ولا ضعف الجسم حزمه. وإنما ينبغي أن تأتي بالشيء وضده". ويسهب الواحدي، بشرحه، في توضيح المراد بهذه التعابير المتضادة فيقول: "أي أكرمهم في خسّة الكلب وأبصرهم أي أعلمهم من البصيرة أعمى القلب وأكثرهم سُهاداً ينام نوم الفهد وبه يُضرب المثل في كثرة النوم ويُضرب المثل بالقرد في الجُبن، ويقال إنّ القرد لا ينام إلا وفي كفّه حجر لشدة الجبن ولا تنام القرود بالليل حتى يجتمع منها الكثير".

ويسهب العكبري أكثر بالقول بشرحه: "يقال: أنوم من فهد، ومنه حديث أم زرع ـ وهي تصف زوجها ـ (إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد). تقول: إن دخل البيت نام، فإن خرج أسد، أي أتى بالفريسة، ولا يسأل عما عهد (عما تركه في البيت من مال وسواه) كرماً منه. ويضرَب المثل في الجبن بالقرد، يقال: إن القرد لا ينام إلا في كفّه حجر لشدة الفزع، ولا ينام الليل حتى يجتمع إليه الكثير".

لا يتردد البيت الثالث في التعبير بوضوح عن قصد المتنبي، عن معاناته واضطراره إلى ممالأة حتى (عدوه)، وكان بهذا يريد تأكيده نقد واستهجان من صادقهم وامتدحهم وجاملهم من عليّة القوم:

ومن نَكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى 

عدوّاً لهُ

ما من صداقتِهِ بُدُّ.

وهو بيت لم يفت على أبي العلاء المعري أن يشير إلى صلته ببيت أبي نواس:

إذا امتحن الدنيا لبيبٌ

تكشفت 

له عن عدوٍّ

في ثيابِ صديق.

فيما يؤكد العكبري مرادَ المتنبي بالقول وهو يشرح البيت: "أراد بهذا السلطان الذي لا بد من صداقته، بإخلاص القول والنية فبأيها أخلّ دخل منه الضرر". لكن العكبري يخطئ في تفسير معنى مصادقة العدو ببيت المتنبي. لقد كان المتنبي يريد فعلاً الاضطرار إلى مصادقة العدو، لا أن تتحوّل هذه الصداقة إلى عداوة بفعل خطأ أو خلل كما ذهب العكبري بشرحه.

يروي علي بن حمزة أنه أكد للمتنبي استحسانه لما كان سمعه من سيبويه المصري المجنون (وسيبويه المصري لغوي خبير وضليع وهو محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندي الصيرفي، المعروف بسيبويه لسعة علمه وتشبّهاً بعالم اللغة المعروف. وكنيته أبو بكر)، يقول علي بن حمزة: "وكان (سيبويه المصري) يركب حماراً ويدور عليه ويتكلم، والناس يكتبون ألفاظه".

وكان أبو بكر يفضّل أن يكون تعبير المتنبي (ما من مداجاته بدّ)، هكذا كان يقرأ البيت للناس وكانوا يستحسنونه، استحسن ذلك بن حمزة ومن حضر،" وقلنا: هو أحسن، فقال أبو الطيب: لم يدر ما أردت". فيما يقول ابن جني إن المتنبي روى له حكاية سيبويه المصري مع هذا البيت، وكان أبو الطيب يختم الحكاية بالقول: كان مجنوناً فصيحاً خفيف الروح.

المساهمون