الكنيسة الروسية والفن... أن تفكّر في الله تحت التهديد

23 يناير 2020
الصورة
شخصيات دينية قالت التدخل العسكري في سورية "جهاد مقدس"(Getty)
تكشف التهديدات التي أطلقها المدون سيرغي علييف، أحد أبرز الشخصيات الدينية الأرثوذكسية في روسيا، بحق الموسيقي الروسي، قائد فرقة "لينينغراد"، سيرغي شنوروف، عن دور الكنيسة الأرثوذكسية المتصاعد في المجتمع عبر التضييق على حرية الرأي ومحاولة تثبيت رؤيتها الدينية بالقوة. علييف نقل نبوءة من "جبل آثوس"، وهو من الأماكن الأكثر قدسية لدى الأرثوذكس السلافيين "بموت مفاجئ وحتمي" لشنوروف، على خلفية نشر الأخير فيديو كليب "فرقة لينينغراد" الذي يحمل اسم "i_$uss" (يسوع).

يعرض الكليب الذي صدر في يونيو/ حزيران 2019، قصة فتاة شابة تتعاطى مخدرات قبيل ذهابها إلى ملهى ليلي، حيث تتوهم "تجلي" المسيح لها في شكل هزلي، ما أثار غضب الكنيسة ودفع علييف إلى مخاطبة شنوروف بمقطع فيديو، نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، أكد فيه أنه ليس من الصعب العثور عليه والتحدث معه "رجلاً لرجل"، مشيراً إلى أن الكثير من معارف "المدافع عن القيم المسيحية" هم من الضباط وأبطال حمل الأثقال "ورجال العصابات التائبين"، ويجمعون على أنه يجب عدم "التهاون" مع الموسيقي "المجدف"، في تهديد مبطن للموسيقي الروسي، موضحا أنه في البداية كان يعارض خيار "القوة" لجعل الفنان يفكر في الله، لكنه غير رأيه بعد إطلاق ألبومه الأخير المتضمن الكليب "المسيء".

كان لافتا أن الفيديو المنتج على طريقة "التنظيمات الجهادية" وتضمن أناشيد تمجد القومية الروسية، ذكّر بمصير "مجدف" آخر، وهو الصحافي مكسيم بورودين الذي واجه حملة انتقاد وتهديدات بعد نشره مقالات تفضح نشاط المرتزقة الروس في سورية، وتكشف عن الفساد في روسيا، انتهت بوفاته نتيجة "سقوطه" من الشرفة، موضحاً أنه حذر الصحافي من العقاب الإلهي المحتمل بسبب "التجديف". معلوم أن شخصيات دينية بارزة وصفت التدخل العسكري في سورية بأنه "جهاد مقدس"، ويهدف في جزء منه إلى حماية المسيحيين في الشرق. وفي ختام الفيديو، طالب شنوروف الفنان بتبني خيار واضح بالقول: "قرر ما إذا كنت تريد أن تكون مع الله أو أن تكون في الجحيم".

ولم يكن علييف أول من هاجم الفرقة الموسيقية الشهيرة بأعمالها المثيرة للسجالات الاجتماعية والثقافية، فبعد صدور أغنية "i_$uss"، وجهت شريحة واسعة من المتدينين والمثقفين المحسوبين على التيار اليميني المحافظ، انتقادات حادة للفرقة الموسيقية، واتهمتها بإهانة مشاعر المؤمنين، وطالبت بحذف الكليب من جميع منصات الإنترنت، وتوعد بعض أفرادها قائد الفرقة، شنوروف، بالموت الوشيك إذا لم يفعل.
ولا تعدّ التهديدات الأخيرة بالقتل أو التلويح بـ"العقاب الإلهي" بسبب طرح قضايا تعارض وجهة نظر الكنيسة سابقة من نوعها، فالمخرج السينمائي الروسي أليكسي أوتشيتيل تلقى تهديدات بالقتل في 2017، بعد عرض فيلمه "ماتيلدا" الذي تناول تاريخ آخر قياصرة روسيا نيقولاي الثاني، من زاوية علاقته الغرامية براقصة باليه بولندية اسمها ماتيلدا. وامتنعت حينذاك عدة دور سينما عن عرض الفيلم بعد قيام متطرفين دينيين بمهاجمة أماكن عرض الفيلم وإحراقها.
أثار الفيلم، حينها، ضجة غير مسبوقة في الأوساط الدينية والسياسية، انضمت إليها بقوة المدعية العامة لجمهورية القرم حينذاك، النائبة بالبرلمان الروسي عن حزب "روسيا الموحدة" حالياً، ناتاليا بوكلونسكايا التي ثبتت تمثالاً للقيصر نيقولاي الثاني في باحة مكتب المدعي العام في القرم، ونشرت عشرات الصور مع التمثال، معربة عن احترامها وتقديسها له.
قالت بوكلونسكايا إنها لم تشاهد الفيلم، لأن مشاهدته "خطيئة تجعل مرتكبها مشاركاً في تدنيس قدسية الديانة الأرثوذكسية"، مؤكدة في أكثر من مناسبة أن القيصر نيقولاي الثاني أحد قديسي الديانة المسيحية الأرثوذكسية، و"من يمس به يمس بالدين"، ما دعا إلى وصفها من قبل بعض الصحافيين بأنها قائدة "داعش الأرثوذكسي"، ولفتوا إلى توظيف بعض السياسيين الدين من أجل البروز في المجتمع. حينها، قال الصحافي الروسي أوليغ بامفيلوف إن "النائبة الحسناء" حققت "نجاحاً واضحاً عبر توظيف الدين من أجل طموحات سياسية وأهداف شخصية"، بعدما ارتفعت أسهمها كثيراً في الحياة السياسية في روسيا، مشيراً إلى أن "بوكلونسكايا ليست الوحيدة التي تحقق مكاسب مهنية وسياسية على حساب التطرف الأرثوذكسي... يوجد بالفعل عدة عشرات من القادة وعدة مئات من الناشطين. من بينهم زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف، الذي لا يكف عن الترويج لفكرة يسوع الشيوعي"، موضحاً أن "الموضوع الأرثوذكسي مطاط للغاية، ويمكن للجميع توظيفه لأهداف شخصية، حتى المتحدرين من أيديولوجية قتلت الآلاف من القساوسة وأتباع الكنيسة في العهد السوفييتي".
ومع ازدياد النزعة الدينية في المجتمع الروسي، برزت مطالب بتعديل الدستور و"إقرار الأرثوذكسية كديانة رسمية في البلاد، بدلاً من النص الذي يؤكد أن روسيا الاتحادية جمهورية علمانية متعددة الأديان والأعراق، ولا يمكن لأي ديانة أن تكون الديانة الرسمية للدولة، وتضمن حرية الرأي والمعتقد". 
ورغم النص الواضح بضمان حرية الرأي والمعتقد، فقد سُنت في السنوات الأخيرة قوانين وتشريعات تهدف لـ"حماية مشاعر المؤمنين"، حُوكم بموجبها وأُدين عدد من المدونين والناشطين والمواطنين العاديين. ففي مارس/ آذار 2016، اقتحمت الشرطة الروسية منزل فيكتور كراسنوف في مدينة ستافروبول، جنوبي روسيا، بسبب نقاش على الإنترنت وصف فيه الإنجيل بأنه "مجموعة من القصص والأساطير الخرافية"، قبل أن يدينه قاض فيدرالي بتهمة "إهانة مشاعر المؤمنين"، وفق قانون اعتمد في العام 2013. 

كراسنوف واحد من عشرات أدينوا وفق "القانون المدافع عن الدين والمنافي لحرية الرأي"، وفق خبراء حقوقيين روس. كما تم أيضاً وضع روسلان سوكولوفسكي، البالغ من العمر 22 عاماً، تحت الإقامة الجبرية مدة 11 شهراً، بالتهمة ذاتها، قبل أن يحكم عليه بالسجن لمدة عامين وثلاثة أشهر بعدما بحث عن "البوكيمونات" في كنيسة مدينته، ونشر تعليقاً ساخراً يقول فيه: "قمت باصطياد جميع البوكيمونات، لكنني لم أقم باصطياد أندرها وهو بوكيمون يسوع، مهلاً، فهذا البوكيمون لا وجود له في الأصل". 
وبعد ثلاثين عاماً من انهيار قلعة الشيوعية في العالم، ازداد عدد الكنائس التابعة لبطريركية موسكو سبع مرات، ليصل إلى 38 ألفاً و649 كنيسة، حسب إحصاءات صدرت عام 2019.

تختزل قصة بناء وتدمير ومن ثم إعادة بناء كنيسة المسيح المخلص في وسط موسكو دور الدين في تاريخ روسيا القيصرية والشيوعية والحديثة، فالكنيسة بُنيت "امتناناً للعناية الإلهية" في حماية روسيا بعد صدّ غزو فرنسا بقيادة نابليون بونابرت بداية القرن التاسع عشر، لكنها نُسفت وحُولت إلى مسبح في الزمن السوفييتي، ليعاد بناؤها بعد انهيار الشيوعية على الضفة اليسرى لنهر موسكو، وتصبح معلماً مهماً في موسكو بقبة على ارتفاع أكثر من مئة متر على بعد مئات الأمتار من مقر الكرملين، وتنافس النجوم الحمراء على أبراجه.

واضح أن الدور الواسع للكنيسة في الحياة الاجتماعية والثقافية في روسيا يحظى بدعم كبير من الرئيس فلاديمير بوتين لخدمة أهدافه السياسية وتوطيد أركان حكمه عبر ثالوث يجمع بين الجيش وأجهزة الاستخبارات والكنيسة. ومنذ بداية حكمه، أمر بوتين بإعادة كافة أملاك الكنيسة المصادرة في العهد السوفييتي، وشجع على صدور عدد من القوانين الداعمة للفكر الديني الأرثوذكسي، وتقوية التوجه المحافظ، ما منحه قاعدة شعبية ودعماً عقائدياً في حربه مع "الغرب الليبرالي"، ومهد لتقارب مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الداعية إلى المحافظة على وجه أوروبا المسيحي.

تلعب الكنيسة دوراً مهماً في دعم توجهات الدولة لتقييد الحريات في داخل روسيا، كما تساعد الكرملين في تبرير تدخلاته الخارجية. فقد تم تصوير التدخل الروسي في شرق أوكرانيا على أنه دفاع عن القيم الأرثوذكسية لحماية سكان المنطقة من القيم الليبرالية الغربية الشاذة التي سعت قيادة أوكرانيا إلى إحلالها في البلاد. كما تم تصوير التدخل الروسي في الصراع السوري على أنه "حرب مقدسة" يخوضها الروس دفاعاً عن المسيحية وعن العالم المتحضر.
وبعد نحو ثلاثة عقود من انهيار الشيوعية، ما زالت روسيا تعيش أزمة هوية وخيارات في ظل عدم وجود إيديولوجيا واضحة للدولة، وعدم اتباع نهج سياسي واقتصادي محدد؟ يبدو أن بوتين يسعى إلى ملء هذا الفراغ باستحضار تجارب العهد القيصري عندما كانت الكنيسة المصدر الروحي والإيديولوجي الداعم لتوجهات القياصرة لضبط المجتمع وحرمت الخروج عن طاعته.

تكفي الإشارة إلى حضور بوتين بصفته رئيساً للبلاد اجتماع مجمع الأساقفة في بطريركية موسكو وعموم روسيا للمرة الأولى في تاريخ روسيا الحديث عام 2017، في حدث وصفه البطريرك كيريل بـ"التاريخي"، ومواظبته على حضور جميع الاحتفالات الدينية، لمعرفة مدى الرهان الكبير لسيد الكرملين على الكنيسة ورجال الدين في حماية حكمه وربما رفعه مستقبلاً إلى مرتبة الأمير "فلاديمير الأول"؛ أول من أدخل المسيحية إلى روسيا في نهاية القرن العاشر، وتحول بعدها إلى قديس للكنيسة الطامحة إلى إحياء الإمبراطورية الروسية والوصاية على مسيحيي الشرق. ولدعم بوتين، لا تتوانى الكنيسة عن تصوير معارضيه على أنهم أتباع الغرب "الملحد" الذي يسعى إلى تدمير القيم المحافظة في المجتمع عبر الدفاع عن المثليين وتصدير ديمقراطية لا تتوافق مع المعايير الروسية.