الكتاب الأسود للمستشفيات المصرية

14 مايو 2020
(بمناسبة الحديث الذي لا ينتهي عن الأحوال الكارثية للمستشفيات المصرية، والأمل الذي لا ينقطع في إصلاحها، تذكرت هذه السطور التي نشرتها في إبريل 2009 بعد صدور ترجمة عربية لكتاب مهم عن أحوال هذه المستشفيات، وهي جزء من كتابي (فتح بطن التاريخ) الذي تصدر طبعة جديدة منه قريباً بإذن الله).

....

لو صدر هذا الكتاب في مجتمع ديمقراطي حيوي يرغب أن ينصلح حاله لتفجر بركان من الجدل والنقاش حوله، لكنه صدر في مصر، ولذلك مر شهران منذ صدوره، ولا حس ولا خبر، برغم صدوره عن أعرق سلسلة للكتب في مصر كان يشرف عليها قيادي في الحزب الوطني المبارك هو الزميل مجدي الدقاق الذي كان سيحسن إلى مصر كثيرا لو قلّص ظهوره الفضائي الفاضي للدفاع عن فشل حزبه عمال على بطال، واكتفى بنصح قادة حزبه وعلى رأسهم أستاذه جمال مبارك بقراءة الكتب القيمة التي أصدرها كتاب الهلال سواء في عهد مجدي الدقاق أو في عهود العظماء الذين سبقوه، لعلهم يتعلمون منها شيئا عليه القيمة بدلا من أن يتعلموا فينا.

الكتاب اسمه "ساعة عدل واحدة.. الكتاب الأسود عن أحوال المستشفيات المصرية 1937 ـ 1943"، كتبه طبيب إنجليزي هو د. سيسيل البورت وترجمه الأستاذ سمير محفوظ بشير، وهو الكتاب الأسود الثاني الذي صدر في مصر خلال الأربعينات، سبقه كتاب المرحوم مكرم عبيد عن أحوال حزب الوفد تحت رئاسة الزعيم مصطفى النحاس، والمؤسف أنه في حين أصبح الكتاب الأسود الأول مرتبطاً بحقبة تاريخية، صرنا نَحِنُّ إلى سوادها الآن، بعد أن شُفنا السواد الذي على أصوله، فإنك عندما تقرأ الكتاب الأسود الثاني ستشعر أنك تقرأ كتابا معاصرا لو غيرت فيه بعض الأسماء والتواريخ، وهو مايضاعف أهمية قراءتك له إذا كانوا قد خدعوك فصدقت أن مصر كانت قبل ثورة يوليو 1952 جنة الله في الأرض، ويضاعفها أكثر إذا كانوا قد اشتغلوك فصدقت أن مصر بعد ثورة يوليو أصبحت جنة الله في الأرض، لأنك وأنت تقرأ ستدرك أو سيتعزز إدراكك أن مصر للأسف كانت دائماً جنة فقط للأغنياء والمقتدرين والمحتلين، أما للفقراء والمستضعفين فقد كانت دائما وطناً يشتاقون فيه إلى "ساعة عدل واحدة"، وهي الساعة الحلم التي اتخذها الطبيب الإنجليزي عنوانا للكتاب بعد أن اقتطعها من حديث شريف ينقله كالآتي: "ساعة عدل واحدة تعدل سبعين عاماً من الصلاة المقبولة"، والغريب أن الحديث أثر في وجدان الطبيب الإنجليزي الذي جاء إلى هذه البلاد كمحتل، ولم تؤثر في حكام ومحكومي بلادنا الذين كما نعرف يفضلون سبعين عاما من الصلاة على ساعة عدل واحدة.

ينبغي أن أذكرك وأنت تقرأ الكتاب معي أو بدوني بما تعلمته من أستاذتنا الدكتورة عواطف عبد الرحمن وهي تدرسنا مناهج البحث العلمي في كلية الإعلام عن ضرورة الحذر أثناء قراءة الكتب التي يكتبها الأجانب عن مصر سواء كانوا رحالة أو باحثين، لأن قراءتهم حتى لو كانت بريئة قد لاتكون دقيقة، وقد لا تتجاوز القشرة السطحية التي يراها الأجنبي فيحكم على الواقع بعيدا عن سياقه التاريخي والاجتماعي، وهو خطأ يقع فيه أيضا الكثير منا عندما يكتبون عن الغرب. وهو ما لم أجده للأمانة في هذا الكتاب البديع الذي فرضت ظروف عمل مؤلفه كأستاذ للطب الإكلينيكي بمستشفى القصر العيني عليه أن يحتك بجوهر الواقع المصري المؤلم، فكتبه بعد أن ترك مصر يائسا ومحبطا ومصطدما بالمسئولين فيها لدرجة أنه قام بتهريب مذكراته عن فترة عمله في مصر بعد أن حاول المسئولون عن الصحة مصادرتها.


كما يكشف لنا مترجم الكتاب في مقدمته القصيرة البديعة، فقد كتبه ألبرت خلال عمله في ظروف قاسية في أحراش كينيا ليخاطب به الرأي العام في بريطانيا وأمريكا ويطالبه بأن يتحمل مسئوليته تجاه الفلاحين المصريين الفقراء، "وهو لم يتخيل يوما أن تصل إحدى نسخ كتابه هذا إلى يد واحد من المصريين، مما ينفي عنه مظنة محاولة توجيه خطابه لنا والتأثير علينا بما يخالف الحقيقة"، ثم يطرح الأستاذ سمير محفوظ بشير السؤال المركزي الذي لن يفارقك لحظة طيلة قراءتك لهذا الكتاب قائلاً: "علينا كمصريين أن نقارن بين حالتنا أيام الحرب العالمية الثانية وبين أيامنا الحالية، بلا شك حدث تقدم ورقي ومدنية، لكن هل حدثت طفرة مماثلة في طرق التفكير والتصرفات والأخلاق...لقد تم القضاء على طبقة الباشاوات الذين يصفهم المؤلف بأنهم مصاصو دماء الفلاحين المصريين، وأنهم السبب الوحيد لتخلف البلاد وفقر العباد، لكن ألم يحل بدلا منهم طبقثة مماثلة وشبيهة من ضمنها هؤلاء المليونيرات الذين يلهفون نقود البنوك ويهربونها للخارج؟". وهو كما ترى سؤال مرير كان سيفقد معناه لو كان المصريون لا يكتفون فقط بقراءة الكتب السوداء دون أن يحاسبوا من كانوا سببا في صدورها، وربما لو كانوا قد فعلوا ذلك لكافأهم الله بحكام عادلين يستحقون كتبا بيضاء أو حتى رمادية.

حين تقرأ الكتاب ستواجه نفسك بالحقيقة المرة التي يتجاهلها الكثيرون: لا ثورة يوليو وحدها أفسدت الوطن، ولا هي بريئة أيضا من مسئوليتها عن ترسيخ فساده، الدودة كانت دائما في أصل الشجرة، ولأن مجهودنا في علاج شجرة الوطن المصابة اقتصر دائماً على استيراد مبيدات مسرطنة أو تقليم فروع الشجرة أو التفكير في حرقها أو في أحسن الأحوال انتظار معجزة لكي تثمر الشجرة، فقد كان لزاماً ألا نتنبه أبدا إلى مكمن المرض ونتمكن من علاجه. أعتقد أنك ستشاركني هذا الرأي وأنت تقرأ الفصول التي خصصها مؤلف الكتاب لرواية تجربته المريرة كأستاذ للطب الإكلينيكي في مستشفى القصر العيني في الأعوام من 1937 وحتى 1943.

خذ مثلاً هذه الفقرات التي أقتطعها لك دون ترتيب من بعض فصول الكتاب، وتأمل فيها ثم قل لي هل كنت مخطئا فيما قلته أم لا، يقول ألبورت: "يبدو أن مركز الذاكرة في ذهن الطالب المصري قد نما على حساب قدرته على تحكيم المنطق وكيفية الاستخدام العملي للمعلومة التي استظهرها في ذاكرته العجيبة، كثيرا ما كنت أسأل طالبا سؤالا في الإمتحان النهائي فأجده ينظر إلى السقف ثم يستعيد السؤال لنفسه ثم يسرد أمامي ما كتب في صفحة كاملة من مرجع طبي طبعت كلماتها في تلافيف ذاكرته من التكرار المستمر.. الصعوبة تنشأ في محاولتك كأستاذ أن تجعل الفصل يفكر ويمنطق الأشياء، إنهم يتوقعون دائما أن يقوم الأستاذ باستخدام معلقة يسقيهم بها العلم، ليحصلوا على أكبر قدر من المعلومات بأقل قدر من الجهد... دارسو الطب من المصريين لهم خاصة عجيبة، فعندما أصطحبهم إلى جانب سرير مريض يعاني من لغط في القلب، يتجمعون حوله مبدين عظيم اهتمامهم، لكن ما إن أتركهم ولو لمدة ربع ساعة ليفحصوا الحال بأنفسهم، تجدهم عند عودتك متجمعين في الشرفة يتحدثون ويتحاورون. فيم يتكلمون؟ لم أكتشف هذا الأمر أبدا.. أعرف مصريين سُرّوا لأنهم خرجوا بابنتهم حية من مستشفى فؤاد وأخذوا يزغردون ويعبرون عن خالص شكرهم لله.. أما عويل النساء المرعب فإنك تسمعه كثيرا في الجوار بقرب المشرحة والفلاحون لديهم قول مأثور من يدخل القصر العيني مفقود ومن يخرج منه مولود.. ولعل أكثر مظهر مقزز للنفس في المستشفيات الحكومية المصرية سواء بالقاهرة أو الإسكندرية أو باقي المديريات هو الإبتزاز الذي يتعرض له الفقراء التعساء على يد التمورجية، معظم هؤلاء التمورجية ليسوا إلا رجال عصابات من أسوأ الأنواع، يسرقون مهمات وأدوية المستشفيات بل وحدث أن سرق تمورجي عددا كبيرا من أرغفة الخبز من المستشفى ولفها في ملاءة سرير ووضعها في المسجد الصغير الملحق بالمستشفى، فلاحظه تمرجي آخر ودخل إلى الجامع واختلس الأرغفة، فضبطه السارق الأول ليدعي السارق الثاني أمام المدير أنه كان يريد التبليغ عن السرقة، فاستطاع أن يفلت من العقاب، أما السارق الأول فقد علق على الواقعة في التحقيق بقوله إنها جريمة لا تغتفر أن يسرق الإنسان خبزا من الجامع.. هؤلاء وأمثالهم يجب أن يستبعدوا من هذه الوظيفة المهمة إذا أراد المسئولون أن تصبح المستشفيات مكانا لائقا يطلق عليها هذا الإسم بالمفهوم الحضاري".

في فصل آخر يتحدث ألبورت عن محاولاته لإدخال تعديلات على النظام التعليمي الطبي في عهد الدكتور على إبراهيم رائد الطب المصري الحديث، ويكشف كيف رفضها الدكتور علي "لأنه موقن بكمال ما أنشأه، فهو المؤسس الأول لمستشفى فؤاد الأول التعليمي وعميدها، وبلا شك يشعر أن أي تحسين مطلوب يجب أن يصدر منه هو شخصيا وليس من أحد المدرسين"، طبعا سيترك الكثيرون كل ما قاله الرجل في مذكراته وسيمسكون فيما قاله عن الدكتور علي إبراهيم لينشدوا قصائد شعر تتغنى بعظمته، رافضين أن يتطاول عليه إنجليزي خاسئ دنيئ، وبالتأكيد سينتابني أنا ومترجم الكتاب من الحب جانب، لأن ناقل الكفر لدينا هو كافر عكس العالم كله، ومع أنني لا أعتقد أن ما ذكره الرجل في كتابه ينفي عظمة علي إبراهيم ودوره الريادي، ولو كان الرجل متحاملا عليه لما أثبت في كتابه أن الدكتور علي استجاب لأحد اقتراحاته المهمة بأن يتم تغيير وضع الدرجات المخصصة للتحريري والعملي فتكون النسبة الأكبر من الدرجات للعملي لكي يتزاحم الطلبة على التدريب العملي وتزداد خبرتهم، ولا أدري هل استمر هذا التعديل حتى اللحظة أم لا، لكن الذي أدريه أن ما ذكره البورت عن طبيعة علي إبراهيم ورفضه لأي تطوير طالما لم يصدر عنه شخصياً، هو طبع مصري حميم موجود لدينا جميعا كل في مجاله، ولعله يكون من الأفضل أن نواجه أنفسنا بهذه الحقيقة ونسعى لتغييرها، بدلا من أن ندفن رؤوس الذين يواجهوننا بها في الرمال لنخنقهم ونستريح منهم.

وحدها الأمم المتخلفة لا تغير أسئلتها أبداً، أعلم أن علاقة الإنسان بالسؤال علاقة سرمدية، وأؤمن بما قاله معلمنا نجيب محفوظ أن الحقيقة بحث وليست وصولا، لكنني لا أتحدث هنا عن الأسئلة الكبرى حول الكون والوجود والغيب والتي لم تنقطع لحظة في تاريخ البشر، بل أتحدث عن الأسئلة المنشغلة بتفاصيل الحياة العادية، والتي لو عدت إلى صحف أوائل قرننا الماضي لوجدت أنها نفس الأسئلة التي نطرحها على بعضنا البعض في أوائل هذا القرن، بينما تجاوزتها الدول المتقدمة، وأصبحت مشغولة بأسئلة أكثر حداثة وتفاصيل أكثر تعقيدا، بينما نحن حتى الآن لم نتفق على أن الديمقراطية هي الحل الأمثل حتى لو لم يكن نهائيا، لأنه لا يوجد في الكون كله حل نهائي، أعني الديمقراطية كسلوك ومنهج حياة وليس كديكور "قشري" نجمل به ديكتاتوريتنا المفزعة في البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل وقصر الرئاسة، حتى الآن لم نتفق على أن التفكير العلمي وتدبر سنن الله في الكون هو سبيلنا الوحيد إلى الخلاص، ولذلك لم تصبح الخرافة لدينا مظهرا فولكلوريا كما هي في الغرب بل أصبحت وأمست أسلوب تفكير، حتى الآن لم ندرك أن العمل الجاد الحقيقي هو أجدى لنا من أن ننشغل بمحاكمة بعضنا البعض وننسى أن حساب البشر على الله تعالى وحده لا شريك له، ولذلك يظل ما كتبه سيسيل ألبورت وغيره قبل عشرات السنين ينطبق علينا هذه الأيام وسينطبق علينا بعد مائة سنة وبعد مائتين سنة وحياتك.

مثلما يعتصرك الحزن الآن على حالنا اليوم، ستجد ذات الحزن يعتصر زمان ذلك الطبيب الإنجليزي وهو يحكي عن ذهوله لأن المصريين يرفضون أن يطبقوا حلول مشاكلهم الموجودة في وصايا أجدادهم الفراعنة أو تعاليم الدين الحنيف الذي يعتنقه أغلبهم، ستعيش معه مأساة رجوعنا إلى الخلف وهو يحكي عن السيدة الثرية التي وجدوها مصابة بالبلهارسيا ثم اكتشفوا بعد دوخة أن "التومرجي" المكلف بنقل عينة بولها كسر الزجاجة وقرر من باب الفهلوة استبدالها بعينة من بوله الخاص، وهو يحكي عن تعيين أبناء الكبراء والأساتذة بالكوسة في مناصب جامعية لا يستحقونها، عن غياب الطبقة الوسطى في مصر ـ في تلك الأيام، تخيل ـ، عن الطلبة الذين يعتبرون الامتحانات كأنها نهاية العالم ولا يستطيعون الحياة بدون الدروس الخصوصية التي تساعدهم على المزيد من الحفظ وتمحو قدرتهم على الفهم، عن استغرابه من كثرة العطلات والأجازات الرسمية، عن فقير رفض الإسعاف نقله وتركه مرميا في الشارع، عن وقائع تزوير الانتخابات التي شاهدها بعينه وتورط فيها الكل بلا استثناء، عن حال المرور المزري الذي يجعله يقرر أنه لايوجد دولة في العالم كله تصعب قيادة السيارات فيها مثل مصر، عن وزير الصحة الوفدي الذي أعلن خلو البلاد من وباء التيفود وشاء الله أن يموت بالتيفود بعدها بأشهر، وأخيرا عن تهمة كراهية الإسلام والمسلمين التي لاحقته عندما قرر أن يحارب الفساد.

ستجأر بالشكوى إلى الله وأنت تقرأ مايحكيه مؤلف الكتاب عن كبراء مصر الذين يأتون من القرى والنجوع لكنهم ما إن يصلوا إلى الحكم حتى يصبح همهم الأوحد جمع المال بأي وسيلة لكي لايعودوا مرة أخرى إلى الفقر، قائلا كأنه يحكي وجعنا هذه الأيام: "كان يمكن إنقاذ مئات الآلاف من المصريين لو لم تتصف طبقة الباشاوات الحاكمة بكل هذا القدر من الفشل المريع، مع ذلك كيف يلاموا وتاريخهم وما ورثوه أثبت على مدى الأيام أنهم غير مؤهلين لتبوأ مناصبهم تلك، لقد وضعوا في مناصب خطيرة بدون تدريب على الحكم، وبدون خلفية خلقية سليمة تسندهم وتشد أزرهم، تعتبر ضرورية لتحقيق ولو قدر بسيط من النجاح كرجال دولة مسئولين".

ستغلق الكتاب وأنت راغب في تفجير آهات تزلزل الكون: آه لو قام الذي أصدر هذا الكتاب بإرسال نسخة منه إلى قصر الرئاسة مع رجاء بضرورة قراءته فوراً، وآهين لو قرأ الرئيس مبارك الكتاب أو حتى ملخصاً له قبل أو بعد مشاهدته لبرنامج المذيعة منى الحسيني المفضل لديه، ليدرك كم هو خطير أن تعود البلاد إلى الخلف بعد كل هذه السنين، ثم ألف مليون آه لو قرر الرئيس بعد قراءة الكتاب أن يبدأ إصلاحا حقيقيا عاجلا قبل أن تنتهي فترته الرئاسية الأخيرة، لعله يوفر على مصر المزيد من الكتب السوداء التي تحكي أوجاعها، ولعلنا بعد أن فشلنا في الإتفاق على إجابة لأسئلتنا السرمدية، لا نضيع قبل فوات الأوان فرصة تغيير تلك الأسئلة.