الكاظمي في واشنطن: أهم زيارة عراقية في أسوأ ظروف أميركية

واشنطن
فكتور شلهوب
21 اغسطس 2020
+ الخط -

زيارة رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي إلى واشنطن، أخيراً، بدت غير اعتيادية بكل المقاييس. ليس فقط بما أحيطت به من أضواء واهتمام، بل لأنها تناولت هذه المرة العلاقات العراقية ــ الأميركية بالجملة وبمدى أوسع وأعمق من زيارات رؤساء الحكومات العراقية السابقين للعاصمة الأميركية والتي توقفت منذ 2017. وبذلك، فهي "هيأت المسرح لتعاون عراقي ـ أميركي مديد بين بغداد والإدارات الأميركية المقبلة"، حسب مركز الشؤون العراقية في "مجلس أتلانتيك" للدراسات بواشنطن. 

وبدا من تصريحات وإشارات وتلميحات الطرفين أنهما وضعا الأسس لبناء علاقات مختلفة تقوم على تزايد الحضور الأميركي "الناعم" في العراق مقابل خفض الحضور العسكري وذلك في إطار شراكة، وفق التفاهمات التي تم التوصل إليها عبر جولات "الحوار الاستراتيجي" بينهما والذي اختتمت جولاته، أمس الخميس، في واشنطن. 

ثلاثة أمور لافتة خلال الزيارة، جرى التوقف عندها:

أولها، موضوع القوات الأميركية في العراق والتي يبدو أنها باتت على طريق المغادرة التدريجية، من دون تحديد الموعد ولا العدد. ربما بالطريقة ذاتها التي اعتمدت في سورية، انسحاب كبير والاكتفاء بقوات رمزية للتدريب والإسناد عند الضرورة. نموذج مصغر عن الخطة المعتمدة أيضاً في أفغانستان. المسؤولون أعطوا إشارات ملتبسة في هذا الصدد، خاصة قائد المنطقة الوسطى الجنرال كينيث ماكينزي الذي نوه بعد لقائه بالكاظمي، بقدرات القوات العراقية "التي تقوم الآن بعملياتها لوحدها"، وأن دور القوات الأميركية محصور "بالتدريب وبالعمليات المضادة للإرهاب بالاشتراك مع القوات العراقية الخاصة"، مع الإشارة إلى أن "القرار النهائي ـ بشأن الانسحاب ـ سيجري اتخاذه بالتنسيق مع الجانب العراقي". إشارة مبطنة للخفض القادم.

وزير الخارجية الأميركي، مارك بومبيو، كان أوضح حين لمّح إلى الانسحاب عن طريق عدم نفيه، بقوله إن ليس لديه "حالياً" ما يعلنه بشأن حجم الانسحاب وموعده، مشدداً على أهمية "التركيز على التزام أميركا المتواصل بدعم العراق". لكن الرئيس دونالد ترامب حسم الغموض بتأكيده، أمس الخميس، والكاظمي إلى جانبه، قائلاً: "إننا سنغادر قريباً"، معرباً عن أمله بأن "يصبح العراق قادراً على الدفاع عن نفسه".

والمعروف أن الموضوع مطروح منذ فترة والرئيس ترامب مستعجل خلافاً للبنتاغون، لسحب الكثير من القوات في الخارج قبيل الانتخابات، وآخرها كان قراره بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا. ولا يستبعد في هذا السياق إجراء خفض سريع للقوات الأميركية في العراق "الذي لا يحتاج الآن لدعم عسكري مباشر على الأرض وأن مستوى المساعدة يتوقف على طبيعة المتغيرات والتهديدات"، حسب الكاظمي الذي يشير إلى حصول التوافق على الخفض العسكري الأميركي.

الأمر الثاني، اللافت، كان حجم الاتفاقات التي جرى التوقيع عليها في مجال الطاقة والكهرباء بقيمة 8 مليارات دولار. والمعروف أن هذا الملف خاصة الكهرباء، كان موضع اعتراض إيراني. والاعتقاد أنه جرى التفاهم حوله خلال زيارة الكاظمي قبل أيام لطهران. وثمة من لا يستبعد أن تكون هذه الحلحلة بداية بناء جسر الحوار بين طهران وواشنطن عبر بغداد، إذا بقيت الأمور في مسارها هذا.


ويقود هذا إلى الأمر الثالث المتعلق بتقاطع خطاب الفريق الزائر مع خطاب الإدارة عند نقطة أبدى فيها الطرفان الحرص المشترك على "تحسين العلاقات مع الجوار"، على حد تعبير مصدر أميركي رسمي. والمعني هنا إيران بالأساس. حرص ردده وزير الخارجية العراقي فؤاد حسن خلال المؤتمر الصحافي، أمس، إلى جانب تشديده على أهمية العلاقة مع واشنطن "التي نراها كحليف قوي للعراق" كما قال. وشدد على أن سياسة بلاده تنطلق من مراعاة "مصلحة العراق الوطنية" وأن القرار الوطني "يصنعه العراقيون". نبرته كانت حازمة وكأن هناك اطمئناناً للتوكيد على هذا الجانب السيادي، والذي تحدث عنه الوزير بلغة عكست مدى الارتياح لأجواء ونتائج الزيارة، بحيث وافق الكاظمي على تمديد زيارته لمدة 24 ساعة بناء على رغبة قيادات في الكونغرس لعقد لقاءات معه اليوم الجمعة.

لكن الزيارة جاءت في أسوأ وأصعب ظروف تمر بها الولايات المتحدة الأميركية وإدارة ترامب بالذات، التي تواجه تحديات عاتية عشية انتخابات يتوقف عليها "مصير الديمقراطية والبلاد"، كما قال الرئيس السابق باراك أوباما في خطابه أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي. وزاد من متاعب ترامب أن مستشاره السابق ستيف بانون جرى توقيفه، أمس، بتهمة "التزوير" في قضية مالية. وهو ثامن متهم أو محكوم بالسجن من كبار أعوانه السابقين. تطور يضاف إلى بقية المشكلات التي تسربل إدارته، وبما قد يؤثر على بعض التفاهمات والتوافقات التي أجرتها مع حكومة الكاظمي لو جاءت الانتخابات بإدارة جديدة بتوجه مختلف إزاء العراق والشرق الأوسط عموماً.

 

ذات صلة

الصورة
ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ ﺗﻔﺘﺢ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﻤﺆﺩﻳﺔ ﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﻟﻠﻤﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻣﻨﺬ ﺗﻔﺠﺮ ﺍﻻﺣﺘﺠﺎﺟﺎﺕ

سياسة

في تطور لافت على مستوى التظاهرات العراقية، شهدت بغداد، ظهر اليوم الأربعاء، رفع الكتل الإسمنتية وفتح الطرق القريبة والمؤدية إلى ساحة التحرير معقل المتظاهرين العراقيين، في إجراء هو الأول من نوعه منذ تفجر الاحتجاجات.
الصورة

سياسة

تجددت التظاهرات العراقية، اليوم الأحد، بالرغم من المخاوف من عودة القمع والممارسات العنيفة لقوات الأمن والفصائل المسلحة المساندة لها، والتي انتشرت على جسري الجمهورية والسنك الرابطين بين الرصافة والكرخ، ومنطقتي الصالحية والعلاوي ومداخل المنطقة الخضراء.
الصورة

سياسة

أكد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الذي يزور بريطانيا ضمن جولة أوربية شملت فرنسا وألمانيا، أن بلاده ستخوض مفاوضات مهمة مع واشنطن بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية بشأن سحب إضافي للقوات الأميركية من العراق وشروط إعادة انتشارها.
الصورة
إيراني (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

لم يمنع تقدّم الإيراني المقيم في قطاع غزة، قاسم شياصي، في السن من تذكّر تفاصيل القتال في لبنان مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ضد الاحتلال الإسرائيلي.