القمة الثلاثية حول ليبيا تحتضنها الجزائر: ملامح لتقاسم السلطة

23 يناير 2017
الصورة
وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي باجتماع القاهرة السبت(إبراهيم رمضان/الأناضول)
+ الخط -
تسير المبادرة الثلاثية التونسية الجزائرية المصرية لحل الأزمة الليبية في اتجاه صحيح، وسط أجواء من التفاؤل عبّرت عنه مصادر حزبية تونسية، في حديثها لـ"العربي الجديد". ورجحت أن ينعقد اجتماع القمة بين الرؤساء، التونسي القائد باجي السبسي، والجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، والمصري عبدالفتاح السيسي، في شهر فبراير/شباط المقبل. وهذا الاجتماع قد يتم على الأرجح في العاصمة الجزائرية، نظراً لصعوبة تنقل بوتفليقة بسبب حالته الصحية، وبعدما احتضنت القاهرة اجتماع وزراء الخارجية، يوم السبت الماضي، وفق المصادر.

وبموازاة ذلك، كشف مصدر ليبي رفيع المستوى عن أن اللقاء الثلاثي الآخر الذي سيجمع في القاهرة كلاً من اللواء خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، ورئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، سيحصل خلال الأسبوع الحالي، وهو يندرج في خانة جهود الثلاثي الجزائري التونسي المصري. وأضاف أن ما رشح حتى الآن حول اللقاء يتمثل في أن ممثلي الأطراف الليبية الثلاثة سيناقشون إمكانية تقليص أعضاء المجلس الرئاسي وإضافة منصب رئيس للدولة. وأوضح أن ممثلي التيارات السياسية المناوئة لحفتر سيحتفظون بعضوياتهم في المجلس الرئاسي مقابل انسحاب ممثلي برلمان طبرق ومعسكر حفتر بالمجلس الرئاسي في حال القبول بوجود منصب رئيس للدولة ليكون حفتر هو رئيس المجلس العسكري الجديد، أي بمثابة القائد العسكري الأعلى.

وأضاف المصدر أن "الاعتقاد يسود بأن منصب رئيس الدولة سيكون لأحد دبلوماسيي ليبيا القدامى، والذي يحظى بقبول من كل الأطراف، وسيتولى عدداً من الصلاحيات على رأسها تبعية قيادة الجيش له". وأشار إلى أن قيادة الجيش ستتكون من مجلس عسكري يضم ضباطاً في الجيش من كل أنحاء ليبيا، يترأسهم حفتر. وذكر أن "الجميع يعتقد أنها آلية ستوفر متطلبات الاتفاق السياسي الذي يقضي بتبعية قيادة الجيش لجسم سياسي، كما أن وجود ضابط ضمن مجلس عسكري ستوفر توازناً مطلوباً في القرار العسكري يبعده عن انفراد شخص بعينه به"، وفق قوله. ولفت المصدر إلى أن ممثلين عن أطراف ليبية عديدة، لا سيما حزب "العدالة والبناء" و"المجلس الأعلى للدولة في طرابلس"، تطالب بضرورة إعادة النظر في رئاسة البرلمان وعضوياتهم واستمرار وجود مقره في طبرق مقابل القبول بوجود حفتر على رأس المجلس العسكري. 

وبخصوص المبادرة الثلاثية، قالت المصادر إن أغلب الصعوبات التي كانت تعترضها قد تم تجاوزها، وأن حظوظها بالنجاح باتت وافرة ما لم تحدث مفاجآت أو مناورات تعيد خلط الأوراق. وأكدت المصادر موافقة القاهرة على المبادرة بعد تردّدها، إضافةً إلى موافقة كل الفصائل والجهات الليبية المتصارعة، من ضمنهم حفتر. وكان الأخير قد أعلن في لقاءاته الأخيرة في القاهرة أنه يؤيد أي اتفاق ليبي برعاية مصرية.


وفي ما يخص تفاصيل المبادرة، لمّح وزير الخارجية التونسي، خميس الجهيناوي، إلى بعض عناوينها في الكلمة التي ألقاها في اجتماع القاهرة، يوم السبت. وأشار إلى أن "سقفها هو الاتفاق السياسي الأممي، مع التعديلات التي يرتئيها الليبيّون مناسبة، ضمن رؤية شاملة تقود إلى منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني وصياغة الدستور وتهيئة المجال لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية وتشكيل مؤسّسات دائمة".

وشدد الجهيناوي على ضرورة وجود "سلطة مركزية توافقية تبسط نفوذها على كامل ليبيا"، ما يقود إلى الاعتقاد بأن تركيبة المجلس الرئاسي الجديد قد تشهد تغيرات مهمة في الأسماء، وكذلك الحكومة التي قد تكون ائتلافية وتعبّر عن مختلف جهات البلاد وتعبيراتها السياسية. وقد شرعت بعض المواقع الإلكترونية الليبية منذ أيام، في نشر تسريبات مختلفة عن تشكيلتي المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة. وقال المصدر الحزبي التونسي لـ"العربي الجديد" إنه يفترض أن يتم "الاستئناس بالتجربة التونسية في الحوار الليبي"، أي أن يكون هناك سقف زمني لسلسلة الحوارات التي لم يحدد تاريخها ومكانها بالتحديد، وستكون بعد اجتماع القمة الثلاثي، أو أن يكون هناك تقاسم للسلطة مثلما حدث بعد اتفاق الطائف اللبناني (الذي وضع حداً للحرب الأهلية عام 1989).

وزار رئيس حركة "النهضة"، راشد الغنوشي، أمس الأحد، الجزائر للقاء الرئيس بوتفليقة ليكون الملف الليبي من أبرز محاور اللقاء. وكشفت مصادر لـ"العربي الجديد" أن "الصديقين" لم يلتقيا منذ فترة طويلة وأن الأحداث المتلاحقة في المنطقة، لا سيما في ليبيا، فرضت هذا التوقيت. وفي نفس السياق، كشف وزير ليبي سابق لـ"العربي الجديد" عن وجود رضا ليبي واسع حول المبادرة الثلاثية التي وصفها بـ"الحل الأخير قبل الانهيار التام". وأكد موافقة أوساط ليبية على هذا المسار الذي يهدف إلى جمع الليبيين من دون إقصاء أحد عن طاولة الحوار.

وأضاف الوزير أن مجموعة الـ14 وزيراً ليبياً التي أعلنت عن نفسها مع المبادرة الإيطالية السابقة للمصالحة الشاملة، والتي تضم وزراء من حكومة الإنقاذ والحكومة المؤقتة، تدعم المبادرة الثلاثية لأنها تلتقي في جوهرها مع نفس توجه المسار الإيطالي الذي سبق عرضه على تونس والجزائر بموافقة أميركية، وكان يفترض عرضه أيضاً على السعودية. وقال إن جوهر التنقيحات الجديدة تهدف إلى فصل الرئاسي عن التنفيذي، وهو ما سيتيح تمثيلاً واسعاً للمشهد السياسي الليبي من ناحية، ويعطي حفتر دوراً في هذه التركيبة.

وعن الغطاء الدولي لمبادرات كهذه، وحول المخاوف من الدور الروسي المتصاعد في ليبيا، قلّل الوزير من هذه المخاوف. ونفى إمكانية وجود دور روسي مستقبلي مهم ومؤثر في ليبيا، لأسباب عديدة، أهمها أن روسيا لا يمكنها فتح جبهات متعددة في وقت واحد بسبب محدودية إمكاناتها، وبسبب غياب أرضية ليبية تقليدية داعمة في ليبيا، وبسبب النفوذ الأوروبي المتعدد والموجود فعلاً على الأرض، والذي يتمسك به الأوروبيون ولا يمكنهم بالتالي أن يقبلوا بخلط الأوراق من جديد، وفق وصفه. ولفت إلى أن ما حدث أخيراً ليس سوى بعض الإشارات لدعم حفتر، وللتلويح بالوجود الروسي وإمكانية الاستفادة من هذه الورقة لتقاسم "الكعكة الليبية" بعد انتهاء الفوضى وانطلاق عملية إعادة الإعمار.

وكشف الوزير عن عقود ليبية روسية سابقة قبل الثورة، تصل إلى 11 مليار دولار، منها 2 مليون دولار للتسليح ومشروع السكة الحديد وعقود طاقة في ميدان الغاز، وهو ما تسعى روسيا إلى تنفيذه عبر دعم الجهات الضامنة لتنفيذ هذا الاتفاق أو غيره.

وفي ما يتعلق بموافقة القاهرة على المبادرة التونسية الجزائرية، قال الوزير الليبي الذي فضّل عدم كشف اسمه، إن لدى مصر، المنهكة اقتصادياً، شروطاً واضحة في ليبيا، إذا توفرت فإنها لا تعارض تفاهمات كهذه. وأضاف أن أول هذه الشروط هو ألا يكون هناك "حضور إسلامي" في المناطق القريبة منها، خصوصاً في الشرق الليبي. والشرط المصري الثاني يتمثل، وفق الوزير الليبي، في أن يقود الاتفاق إلى عودة العمالة المصرية بكثافة إلى ليبيا (كان هناك نحو مليوني عامل مصري في ليبيا)، بالإضافة إلى دور مهم في إعادة الإعمار، وعدم معارضة السلطات الليبية الجديدة ضخ البترول إلى مصر، مثلما كان يحدث قبل الثورة، وفق قول الوزير الذي قدّر كمية البترول التي كان نظام معمر القذافي يمنحها لمصر بنحو مليون برميل شهرياً. وتحرص الجهات الراعية للمبادرة على عدم إقصاء أي جهة ليبية من هذا المشهد الجديد، على الرغم من صعوبة ذلك عملياً بسبب تعدد الفصائل والقبائل والجهات، وبسبب ما تراكم من صراعات طيلة السنوات الأخيرة. وتقرّ في نفس الوقت بهشاشة الوضع وإمكانية التهابه في أي لحظة، إذا شعرت أي جهة بأنها لن تكون ممثلة بالقدر الكافي.

المساهمون