القدس ليست أبو ديس

القدس ليست أبو ديس

06 ديسمبر 2017
+ الخط -
عاد الأميركيون ومعهم السعوديون إلى وثيقة "عباس – بيلين" السريّة عام 1995، فقدموا خطة لـ"السلام". قدم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، الخطة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال زيارة إلى الرياض في الشهر الماضي.

تتقارب تفاصيل الخطة مع الوثيقة، لا بل إنها تتطابق بنقاط كثيرة، أهمُّها موضوع القدس واللاجئين ومسألة الحكم الذاتي، لكن الزمن تحول والجغرافيا تبدلت فأصبح في الضفة الغربية وحدها أكثر من نصف مليون مستوطن.

استغرقت الوثيقة السرية عشرين اجتماعاً مطولاً، في خلال أكثر من عام ونصف، كي يتفق الفريقان الفلسطيني والإسرائيلي شبه الرسميين على قضايا الحل النهائي. ترأس الوفد الفلسطيني أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حينها محمود عباس، في مقابل الوزير عن حزب العمل يوسي بيلين. وكان الراعي لكل الاجتماعات السرية التي أجريت في عواصم عدّة، مثل القدس، أمستردام، أوسلو، أثينا، لندن، وباريس، وزير الخارجية السويدي ستين أندرسون.


فضحت الاستخبارات الإسرائيلية الاجتماعات وسربتها إلى الصحف العبرية كما فعلت بلقاءات أوسلو قبل توقيع الاتفاق عام 1993، ولم ينكرها أي طرف لكن لم يعترف بها الوفد الفلسطيني الذي تباحث في كامب ديفيد وأنابوليس وواي ريفر، ورفض التنازل عن القدس وحق العودة.

أما أهم بنود وثيقة "عباس – بيلين": منطقة أبو ديـس والعيزرية وسلوان هي عاصمة الحكم الذاتي الفلسطيني، الأماكن المقدسة تحت السيادة الإسرائيلية في إطار صيغة تشبه الفاتيكان وإيطاليا، المستوطنات الكبرى تبقى كما هي، الدولة الفلسطينية المستقلة منزوعة السلاح، إلغاء الأونروا واستبدالها بهيئة جديدة لاستيعاب النازحين وتوطين اللاجئين في أماكن إقامتهم.

لكن ما يُروج له في صفقة القرن يقتصر على أبو ديس عاصمة لدولة فلسطينية لن تقوم إلا وداخلها مستوطنات ضخمة تنضم إلى إسرائيل. والمفارقة الرئيسية أن وثيقة 1995 كانت وجهاً لوجه من دون طرف عربي، أمّا الآن فالسعودية لها اليد الطولى، حسب "نيويورك تايمز". ووفق الاقتراح السعودي، سيحصل الفلسطينيون على دولة خاصة بهم، ولكن فقط أجزاء غير متجاورة من الضفة الغربية، وبسيادة محدودة على أراضيهم، فيما ستظل الغالبية العظمى من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية قائمة، ولن يُمنح الفلسطينيون القدس الشرقية عاصمة لهم، ولن يكون هناك حق عودة للاجئين الفلسطينيين.

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين فلسطينيين من حركة "فتح" وآخرين من "حماس" قالوا إنّهم وجدوا الخطة "مهينة". هذا يعني أن الصفقة من دون طرف عربي كانت أكثر "كرماً"، مع أن الأصل أنه إذا كان هناك طرف عربي مسلم فيجب أن يكون إلى جانب الفلسطيني وليس الإسرائيلي.

تبدأ المواجهة الفلسطينية من جهة والإسرائيلية السعودية الأميركية من جهة أخرى، خصوصاً بعد القرار المزمع بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، لا سيما بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب التحذيرات كافة، فوفقاً لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، رفض الاستجابة للتحذيرات التي عرضت عليه لعدم التسرع بالاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل، وصرخ في الاجتماع قائلاً: "سيتم الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل".

وفي ظل المواجهة المنتظرة، إذا رفض الفلسطينيون أبو ديس وغيرها من تنازلات صفقة القرن، لن تكون العواقب مثلما كانت بعد فضح الوثيقة السرية. حينها اغتيل رئيس الوزراء إسحاق رابين وتوقفت المفاوضات، أما الآن فالموافقة على هكذا صفقة تعني أن الطرف الفلسطيني الموافق سيُقتل. وهذا يذكرنا بما قاله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال مباحثات عام 2000 في كامب ديفيد للرئيس الأميركي بيل كلينتون، إن "مرافقي سيقتلني إذا تنازلت عن القدس وغداً تمشون في جنازتي".