القات مرفوض في مناطق يمنية حضرمية

القات مرفوض في مناطق يمنية حضرمية

15 ابريل 2018
الصورة
القات "عيب" هنا (العربي الجديد)
+ الخط -


ما زالت مناطق عدّة في محافظة حضرموت، كبرى المحافظات اليمنية، صامدة في وجه القات، إذ إنّ سكانها يرفضون دخول تلك النبتة إلى مناطقهم وكذلك تخزينها على الرغم من انتشارها في كل الأراضي اليمنية. ويضع أهالي قرية تاربة ومدينة الحامي ومديرية غيل باوزير ضوابط صارمة في هذا الإطار، وهو الأمر الذي يدفع بعض السكان إلى تخزين القات خفية تجنباً لأيّ إجراءات قد تتخذ في حقهم.

وتخزين القات مدمّر اقتصادياً وصحياً، بالنسبة إلى محمد عوض، "نتيجة رشّها بالمبيدات والمخصبات الكيميائية، بالإضافة إلى ما يرافق تلك العادة من سلوكيات غير محمودة". ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ "سكان مناطقنا بمعظمهم يرون أنّ تخزين القات عادة دخيلة على مجتمعاتنا التي عاشت قروناً من دونها". ويؤكد عوض أنّ "سكان حضرموت الأصليين بمعظمهم، لا يتعاطون القات، في حين أنّ أعيانها وناشطين كثيرين فيها يحاولون مواجهة تمدد هذه العادة من خلال إجراءات يتفق عليها الأهالي". يضيف عوض أنّ "ثمّة قرى تمنع دخول القات نهائياً، والذي يُعرف بأنّه يخزّن يُصار إلى مقاطعته ولا يقبل أحد بتزويجه بإحدى بناته أو التعامل معه". ويلفت إلى أنّ "تعاطي المرأة القات في هذه المناطق جريمة مضاعفة، إذ إنّ النساء لا يخزّنّ إطلاقاً، فذلك يُعَدّ عيباً كبيراً".

وبدلاً من تخزين القات، يجد سكان هذه المناطق وسائل كيف وراحة مختلفة، ولعلّ أشهرها جلسات الرجال خلال فترة ما بين العصر والمغرب والليل، لتناول الشاي والقهوة المبهرة مع الحديث عن الشؤون كافة أو لعب ورق الكوتشينة أو الكيرم وغير ذلك. وفي السياق، يخبر عبد الرحمن الحسني أنّ "سكان هذه المناطق، لا سيّما منطقة غيل باوزير، يهتمون بأنشطة كثيرة ترفيهية ورياضية وثقافية من شأنها ألا تجعل الشباب يشعرون بالفراغ الذي قد يقودهم إلى مضغ القات". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّه "في أوقات معيّنة من العام، تنتعش الرياضات المتنوّعة من قبيل رحلات قنص الوعل. وفي الأعياد، تنظم حلقات رقص الشرح الحضرمية اليومية والمسابقات الثقافية والمهرجانات الدينية".




ويعيد الحسني "ممانعة مجتمعات حضرموت وعدم تقبلها القات خلافاً لمعظم المجتمعات اليمنية، إلى أنّها شديدة التمسك بتقاليدها وتحترم تعليمات وجهائها وتخشى من العيب. هذا من ناحية. أمّا من ناحية أخرى، فمن المعروف عن هذه المجتمعات قوتها في تنظيم نفسها ومبادراتها التي تعود بالخير عليها، وهذا أمر إجباري في مناسبات كثيرة. لذلك، فإنّ مجتمعات حضرموت قد تجتمع تلقائياً من دون وجود وجهاء عند وقوع أيّ مشكلة، فتتفق وتلزم أفرادها بقواعد اجتماعية معيّنة، لتصير تلك القواعد محل احترام الجميع، فيلقى المخالف بالتالي نقداً حاداً من قبل الجميع".

وفي قرى حضرموت، من الصعب أن يجد الفرد أماكن مخصصة لبيع القات (المقوات) الذي يكاد لا يتوفّر إلا بالقرب من المدن الرئيسية. وفي حال وجده بسهولة، فإنّ ثمنه سوف يكون مرتفعاً بلا شك. إلى ذلك، قد يصل القات إلى بعض الشباب على شكل هدية ثمينة، وبطريقة سرية. ويقول محمد الأغبري وهو من أبناء تعز لكنّه مستقر في حضرموت الوادي: "كنت أخزّن القات يومياً عندما كنت في صنعاء، لكنّني اليوم هنا بالكاد أحصل على فرصة للتخزين، إذ إنّ القات غير متوفر، وإن توفّر فبأسعار مرتفعة جداً". يضيف الأغبري لـ"العربي الجديد" أنّه "عندما يعطيني أحد أصدقائي قاتاً وإن كان بكميات قليلة، فأنا أشعر بأنّني حصلت على هدية ثمينة، لأنّه غير موجود في مكان عملي. وأضطر إلى التخزين بسرية مع أصدقاء لي من عدن أو أبين. وفي مرّات قليلة، يشاركنا أصدقاء حضارم".

ويصل ثمن القات إلى مستويات مرتفعة حتى في أسواق المدن الرئيسية، إذ إنّ زراعته في مناطق مرتفعات حضرموت ذات المناخ المعتدل أمر ممنوع، وقد يصل الأمر ببعض المناهضين إلى تخريب مزرعة قات أو أخرى بعد تحريض كبير عليها. يُذكر أنّ القات يصل إلى حضرموت من مناطق يمنية بعيدة مثل رداع في محافظة البيضاء أو مناطق قيفة والحداء وعنس في محافظة ذمار ومحافظة الضالع.




ويعيد الناشط سالم محمد أسباب صمود ثقافة رفض انتشار عادة تخزين القات، على الرغم من أنّ اليمنيين بمعظمهم يفعلون، إلى أنّ "رموز القبائل لا يمارسون هذه العادة ويضعون ضوابط لمنع انتشارها في مناطقهم. وبعض القبائل تفرض غرامات على المخالفين مثل قبيلة ساريوت. وبعضها يحدد نقاط تفتيش أمنية على خلفية الحرب، تراقب من يحضر إلى المنطقة من مخزنين وتضبطهم. كذلك، فإنّ كلّ من يزور قبيلة وهو لا ينتمي إليها، يتوجّب عليه رمي القات الذي في فمه". ويؤكد محمد لـ"العربي الجديد" أنّ "الشباب يُدخلون القات سراً إلى المنطقة ويتاجرون به بأسعار مرتفعة، لكنّ ذلك يبقى تصرفات منبوذة ويكاد الأمر أن يكون مستحيلاً عند النساء". ويشير محمد إلى أنّ "ثمّة متزوّجين بدأوا يجاهرون بالتخزين، مبرّرين بأنّه غير محرّم شرعاً، وصاروا ينادون بتخفيف الضغوط حتى لا ينتشر بين الشباب بطريقة أكبر بسبب تغليظ منعه، أو تنتشر مواد مخدّرة أخرى تأتي من خارج اليمن".