الفوضى العمرانية توسع العشوائيات في المدن الموريتانية

08 ابريل 2017
الصورة
ارتفاع الفقر يدفع إلى تمدد العشوائيات(جورج غوبيت/ فرانس برس)
+ الخط -


بعد مرور خمسة عقود ونيف على تأسيس الدولة الموريتانية المعاصرة، ما زالت مشكلة الملكية العقارية تراوح مكانها. الأسباب متعددة، إلا أن أهمها اتساع النطاق العمراني بالتزامن مع فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة المشاكل الناتجة من استمرار نزوح عشرات الآلاف من القرويين نحو المدن، بفعل تدهور أوضاع البادية من جراء الجفاف وتفاقم الفقر في المناطق الريفية.

وتسببت الهجرة القروية المتزايدة في انتشار الأحياء العشوائية، التي يطلق عليها الموريتانيون اسم "الكزرة"، التي تحولت إلى مدن داخل المدن الرئيسية. ولم تستطع الدولة وقف الاتساع الأفقي لهذه الأحياء، كما لم تستطع مواكبة هذا النمو السكاني بما يتطلبه من مرافق وتجهيزات. وتفاقمت مشاكل أحياء "الكزرة" وتزايدت ظاهرة السكن العشوائي والبناء من دون ترخيص حتى في الأحياء التي خضعت لتخطيط. فأصبح النفاذ إلى نظام الملكية العقارية مرتبطاً بحل مشكل الأحياء العشوائية.

وبفعل تداخل الأحياء العشوائية مع المخططة وغياب المراقبة، تمددت المدن في غفلة من السلطات وأصبحت أطرافها وضواحيها أكبر من المدينة نفسها. وأنشئت مبان لا تتماشى مع النسيج العمراني، ولا تحترم قوانين تخطيط الأحياء من قبيل وجود شوارع واسعة ومساحات خضراء وأخرى للمرافق العمومية.

يقول الخبير القانوني، محمد الأمين ولد السعد، إن النفاذ إلى الملكية العقارية في موريتانيا مسألة صعبة بسبب فوضى العمران وانتشار الأحياء العشوائية واتساعها أحياناً أكثر من الأحياء المخططة. ويشير إلى أن أسباب هذه الوضعية تتلخص في وجود مخططات مختلفة لمنطقة واحدة وتعدد الإدارات المتدخلة في تسيير قطاع الإسكان ومنح القطع الأرضية. وكذا، وجود دخلاء في مجال معاملات العقارات المكلفين بتسجيل عقود البيع ونقل الملكية، إضافة إلى ضعف مراقبة السلطات للمخولين بتوثيق العقود، وانتشار الفساد في الإدارات العمومية، وكذلك نقص الكفاءة والخبرة وعدم وجود أرشيف عقاري رسمي يمكن الرجوع إليه عند الحاجة.
ويؤكد الأمين أن الأحياء العشوائية والمخططة التي تحتوي على مبان حديثة البناء دون التصريح، وأيضاً الأبنية الرديئة التي تقع في المناطق المركزية للمدن، تعتبر أكبر عائق أمام تنفيذ خطط الملكية العقارية، بسبب صعوبة إجراءات نزع الملكيات وإزالة العقارات المخالفة في مناطق آهلة بالسكان.
ويضيف أن ترك هذه المباني التي يعاني بعضها من التهالك العمراني وتنعدم فيها المرافق العامة والخدمات، سيخلق إشكاليات وسيكرس واقعاً لا يتلاءم مع سعي الحكومة إلى ترقية النسيج العمراني في المدن الموريتانية.
ويشير إلى أن القانون الموريتاني يؤكد على أن الدولة تضمن الملكية العقارية الفردية بشرط ألا تعرقل إنجاز مشروع يكتسي مصلحة وطنية أو جهوية. لكن الدولة في بعض الأحيان لم تحترم النصوص المنظّمة ولم تعالج الأخطاء المتراكمة مما ترتب عليه عدم نفاذ القوانين وتداخل اختصاص الوزارات والإدارات المعنية بالقطاع العقاري.

ورغم مرور عقود على إصدار قانون الملكية العقارية إلا أنه لا يزال يراوح في مكانه بسبب غياب الإرادة وسيطرة القبائل على الأراضي الزراعية وتحديات إصلاح النظام العقاري في المدن.
ويتهم الخبراء الدولة بإهمال ملف الإصلاح العقاري حتى أصبح معضلة عصية على الحل، تقف في وجه تأمين حياة عصرية للمواطنين وتكرس مظاهر العشوائية في المدن وتمنع المواطنين من الوصول إلى الملكية العقارية والاستفادة من قروض السكن، إذ إن عدم استقرار الملكية وغياب القوانين والقرارات القضائية الإدارية منع استعمال الملكية كوثيقة ضمان لدى المصارف ومؤسسات التمويل.
ويأخذ خبراء العقار والقانونيون على الدولة أنها لم تشجع التسجيل في السجل العقاري، لمعرفة تاريخ وكيفية انتقال ملكية الأراضي والعقارات. كما أنها ما زالت تطبق المركزية في تشريع الأراضي.
وكان النظام العقاري في فترة الاستقلال يعتمد على حيازة الأرض، حين كانت السلطات تشجع على تعمير الأرض واقتنائها. وفي عام 1989 أصدرت الدولة قانوناً لتقنين عملية امتلاك أراضي الدولة حيث منحت السلطات المحلية ووزير المالية ومجلس الوزراء حق منح قطع الأراضي وفق ضوابط تختلف من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية. ثم جاء قانون 2010 الذي قضى على صلاحيات السلطات المحلية وحصر صلاحيات منح أراضي الدولة بوزير المالية ومجلس الوزراء.
لكن هذا القانون أعاق حصول مواطني الداخل على قطع أرض من أجل الاستثمار أو السكن بسبب بيروقراطية الإدارة وبُعد مكان إقامتهم عن العاصمة، مما دفع عدداً من القبائل إلى فرض سيطرتها عنوة على أراض زراعية شاسعة.

ولم يحترم منح القطع الأرضية وفق القانون الجديد المخططات العمرانية، كما يشير الخبراء، خاصة في العاصمة حيث كانت لكل مقاطعة من مقاطعات العاصمة منطقة زراعية. وتم بيع أجزاء كبيرة من الحزام الأخضر، أي المناطق الزراعية المحيطة بالعاصمة، لنافذين.
ويرى المهندس، أحمد ولد الشريف، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن إصلاح الأحياء العشوائية بترميمها وتطويرها وتجديدها كفيل بحل مشكل الملكية العقارية وتأمين الممتلكات. ويقول إن الخطة الحالية التي أطلقتها الحكومة من أجل تخطيط الأحياء العشوائية تهدف إلى إيجاد حل سكاني مقبول وميسر للمواطنين، وخاصة ذوي الدخل المنخفض، الذين كانوا يقطنون في هذه الأحياء، إضافة إلى الوصول للملكية العقارية والقضاء على فوضى التعمير والبناء.
ويشير إلى أن الأحياء العشوائية غير المخططة ليست كلها بائسة أو تحتاج إلى ترحيل السكان، خاصة الواقعة قرب المراكز الاستراتيجية، حيث هناك منازل وقطع أرض يمكن تشريعها لأنها لا تتعارض مع متطلبات التأهيل.

ويدعو المهندس إلى معالجة مشاكل المناطق، التي تفتقر إلى ملكية واضحة، وإجراء مسوحات لملكية الأراضي الناشئة والتي تتعارض مع المخطط العمراني، وإعطاء أولوية للمناطق الاستراتيجية والأحياء العشوائية الآهلة بالسكان وتوفير أراض للسكن الاجتماعي.
وتقوم الحكومة حاليا بإعادة تخطيط الأحياء العشوائية (الكزرة) من أجل الوصول إلى الملكية العقارية بإحصاء سكانها وتوزيع قطع أرضية على الذين تتعارض منازلهم مع التخطيط العمراني الجديد. غير أن هذه العملية واجهت صعوبات كبيرة بسبب فوضوية اللجان وبطء عمليات الترحيل.

وحسب إحصاءات وزارة الإسكان وصل تعداد الأسر المحصية في الأحياء العشوائية بالعاصمة إلى 119 ألف أسرة، سيتم تشريع أراضيها ومنازلها أو منحهم قطع أرض في مناطق جديدة مهيكلة مما سيمكنهم من الولوج إلى الملكية العقارية المجانية.

المساهمون