العيديّة دون توقعات أطفال اليوم

21 اغسطس 2018
الصورة
فرحة العيد (حسين بيضون)
+ الخط -


القول إنّ وهج الأعياد لم يعد كما في السابق بات أمراً مسلّماً به. وبعد هذا، ربّما يتحمّل النمط الاستهلاكي المسؤولية، وكذلك نحن. في المختصر، ما من شيء اليوم قد يُحدث فرقاً أو فرحاً في قلوب الأطفال، أم أنّ الفرحة لم تعد تدوم طويلاً. حتّى في زمننا الحالي، التفاصيل الصغيرة قد تكون كافية لإسعاد الأطفال، كإطلاق أو رمي المفرقعات لتصدر أصواتاً وألواناً، وأحياناً خوض "حرب" من خلالها، إلا أنها الأكثر تداولاً في المناطق الشعبية. بشكل عام، لا يعني المال لأطفال كثيرين شيئاً لأنّهم يحصلون غالباً على معظم ما يطلبونه، إذا ما استثنينا الفقراء.

يقول نادر (35 عاماً): "كانت أمي تعطيني عيديّة. وفي بعض الأحيان، أحصل على عيديّة من إحدى خالاتي كردًّ للجميل، في حال أعطت أمي أولادها. كنتُ فقيراً بالعيديات". عادة ما يشتري المفرقعات أو يختار كالآخرين الأرجوحة العملاقة المجانية أو شبه المجانية، ويتشارك هذه المتعة مع آخرين صغار وكبار. لكنّه يتذكر أموراً أخرى. "بعيداً عن العيدية، كان الأهل يحرصون على التفكير بنشاط جماعي. في بعض الأحيان، نذهب إلى قرية أمي ونلعب كرة القدم أو نصعد إلى أعلى الجبل وننزلق إلى أسفله ونمزّق ثيابنا. في إحدى المرات، أخذنا والدي إلى شاطئ عام، وكان نهاراً جميلاً".

نادر الذي لم يكن يحصل على أكثر من ألفي ليرة في العيد، علماً أن بدل سيارة الأجرة أو ربطة الخبز في ذلك الوقت كان خمسمائة ليرة، بات يُعطي أولاد أشقائه عيديات. يلفت إلى أنّهم يحصلون على الكثير بالمقارنة مع أيامه بسبب الوضع المادي المتردي حينها. لكنهم لا يشعرون بالاكتفاء، "ويفكرون في شراء أمور كثيرة، قد تكون ألعاباً تُرمى في اليوم التالي".




من جهتها، تحرص ندى على أن ترتدي ابنتها الوحيدة ثياباً جديدة في العيد. "لا أقصد أن أشتري ثياباً للعيد، بل أختار ملابس لم يصدف أنها ارتدتها قبل حلول هذه المناسبة". الثياب الجديدة ترتبط بـ"الجوّ العام"، كما هو حال معظم الأطفال. واعتادت طفلتها الحصول على عيديّات من جدّها وجدّتها وخالها، إلا أن الأمر لا يعني لها الكثير لأنه "لا ينقصها شيء. أحياناً تدّخر المال في حال أرادت شراء شيء ما في وقت لاحق، أو تعطيني إياه، أو نذهب معاً لشراء لعبة. في العام الماضي، اشترت حقيبة للمدرسة".

العيد إذاً مثل أي يوم، بحسب ندى. تقول: "ربّما لأننا نتعامل معه بشكل عادي. المناسبة الوحيدة التي تعني ابنتي هي عيد ميلادها، لدرجة أنّها تفكر وتخطّط ليومها هذا طوال العام". أما الطفلة لينا (8 سنوات) فتقول إنها تحب اجتماع العائلة بعضها مع بعض ولا تنتظر شيئاً من أحد، على عكس الأمّ التي كانت تفرح بالعيد والعيدية في طفولتها. "كأطفال، كنّا نفرح بمال نحصل عليه في المناسبات فقط".

تختلف سارة عن نادر وندى، ليس لأنها لا تعطي أهمية للعيد كمناسبة، بل لأنّ معظم الأطفال اليوم يحصلون على كل ما يرغبون به، فلم يعد العيد يشكّل أي إضافة. لم تحرص على توطيد علاقاتها مع العائلة الكبيرة، عازية السبب إلى "الوقت". تقول: "تسير حياتي في اتجاه مختلف تماماً". في اليوم الأول للعيد، يرتدي طفلها ثياباً أنيقة رغم أنها قد لا تكون جديدة. "نخبره أن اليوم عيد، وسنرتدي ثياباً جميلة، ونتمنى للناس الذين نزورهم، أي منزل الجدين، عيداً سعيداً. لا يعرف أي تفاصيل أكثر، ولا يطلب أرجوحة أو مفرقعات. إلا أنّه يكون سعيداً جداً إذا ما اشترى له جده بعضاً منها، من دون أن يعتقد بوجود علاقة بين العيد والمفرقعات".




لا تعرف إن كان يتوجب عليها أن تلوم نفسها، هي التي تُدرك أن العيد مناسبة للفرح الجماعي، لكنّ لا يعني عيد الأضحى لها شيئاً. "بعيداً عن كونه مناسبة دينيّة، لم يعد جيل اليوم ينتظر العيد لشراء ثياب جديدة، أو الحصول على المال، أو الخروج، على عكس جيلنا. في ما مضى، كان العيد مناسبة تجلب لنا سعادة متكاملة لأننا سنحصل على كل ما نحلم به دفعة واحدة. أذكر أنّني كنت أجلس مثل سيدات الصالونات طوال اليوم، وأنتظر كلمات الإعجاب، وأتأمل ملابس الفتيات الأخريات، وأقارن بيني وبينهن. كان العيد مناسبة للتباهي. والعيديّة تفصيل ننتظره. تنادي عليّ جدتي إلى غرفتها، وتفتح محفظتها وتضع النقود في يدي. ليس في الأمر سراً وإن كانت تتصرّف على هذا النحو. وأحرص على عدّ النقود من دون أن يراني أحد. وكم تكون فرحتي كبيرة إذا ما كان المبلغ جيّداً، فأدخره". لا تعطي ابنها عيديّة، كما أنه بالكاد يحصل على عيديّات من الآخرين. وإذا ما حصل، يدخرها لشراء حوض للأسماك.

أما محمد، فكان يشعر بفرحة العيد بدءاً من صلاة العيد. "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك...". ثمّ يشتري الحلويات مع والده ويرتدي ثياباً جديدة قبل بدء الزيارات العائلية. اليوم، كل هذه التفاصيل الاجتماعية لا تعني ابنه شيئاً. يسأل: "أين وضعتم الآيباد"؟