عيد فقراء مصر من دون لحوم

22 اغسطس 2018
الصورة
مشهد متكرر بالعاصمة ومدن أخرى (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

عيد الأضحى هو عيد "اللحوم" مثلما يسمّيه المصريون، غير أنّ اللحم بات محرّماً على الفقراء ومحدودي الدخل بسبب الغلاء الفاحش الذي يعرقل حياتهم في مصر. وراح الفقراء يستبدلون اللحم بما يُسمّى "عفشة الحيوان" أي "الكرشة" و"لحمة الرأس" و"الفشة" و"الممبار" وغيرها، والتي صارت طبقاً رئيسياً على موائدهم خلال أيام عيد الأضحى نظراً إلى انخفاض أسعارها. ويطلق البعض، الجزارون خصوصاً، أسماء مختلفة على تلك الأنواع من اللحوم، من قبيل "حلويات اللحوم" أو "فواكه اللحوم" أو "المأكولات الشعبية"، وذلك في وقت حذّر الأطباء من تناول أحشاء الحيوانات بسبب مخاطرها الصحية على المواطنين.

وتنتشر أنواع من تلك اللحوم في الشوارع والأسواق المصرية، خصوصاً في الأحياء الشعبية في المحافظات. وفي حين يعمد البعض إلى وضعها في أوعية كبيرة، يعلقها بعض آخر لعلّها تجذب المارة. وبصوت عالٍ، ينادي كلّ بائع على بضاعته، في ظل حركة بيع ضعيفة طاولت حتى بقايا أعضاء الحيوانات المذبوحة خلال يوم "وقفة العيد". وذلك اليوم، هو من الأيام الأكثر إقبالاً بحسب المعتاد، لكنّ ارتفاع الأسعار بنسب تتراوح ما بين 40 و50 في المائة عن الموسم الماضي، جعل المصريين يتراجعون عن الشراء. ويتراوح سعر كيلوغرام "لحمة الرأس" ما بين 60 و70 جنيهاً (3.30 دولارات أميركية - 3.90) بحسب نوع الذبيحة بدلاً من 50 جنيهاً (2.80 دولار). ويتراوح سعر "فردة الكوارع" بين 100 و150 جنيهاً (5.50 دولارات - 8.40) بعدما لم يكن يتجاوز 60 جنيهاً (3.30 دولارات). أمّا سعر كيلوغرام "الممبار" فسجّل 60 جنيهاً (3.30 دولارات) بينما لم يكن يتجاوز 30 جنيهاً (1.70 دولار). إلى ذلك، وصل سعر "الكرشة" إلى 20 جنيهاً (1.10 دولار) بعدما كان 15 جنيهاً (0.80 دولار)، وسعر كيلوغرام "الفشة" إلى 25 جنيهاً (1.40 دولار) بعدما كان 18 جنيهاً (دولار واحد).




وفي ظلّ الضعف الكبير في حركة البيع والشراء، خلافاً لما كانت عليه الحال خلال السنوات الماضية، يقول عيد أحمد وهو بائع كرشة في حي الشرابية الشعبي، شمالي القاهرة، إنّ "الحالة تعبانة وظروف الناس صارت صعبة، وهو ما أثّر سلباً في عمليات بيع فواكه اللحوم بعدما ارتفعت أسعارها. فهي كانت بديلاً للحم بالنسبة إلى الفقراء خلال المواسم والأعياد". يُذكر أنّ سعر كيلوغرام اللحم تخطّى 170 جنيهاً (9.5 دولارات).

من جهتها، جلست أم أحمد في منطقة بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة، وراء "طبق كبير مليء بالفشة والممبار ولحمة الرأس"، وراحت تخبر أنّ "فقراء كثيرين لا يرون اللحمة إلا في العيد"، مشيرة بأسى إلى أنّ "فواكه اللحوم ارتفعت أسعارها. وأنا أتفهّم الناس وسط الغلاء الذي نعيشه في كل يوم، فهم يبحثون عن حاجات رخيصة الثمن يتناولونها في أيام العيد. وكثيرون منهم يعتمدون على الهدايا من لحوم الأضاحي التي يقدّمها الأهل أو الأقارب أو الجيران".

وعن الإقبال على شراء فواكه اللحوم خلال عيد الأضحى، يتحدّث الحاج محمد إبراهيم بائع "كرشة" في منطقة الخصوص بمحافظة القليوبية، مؤكداً أنّه "ضعيف للغاية بالمقارنة مع الأعوام الماضية بسبب ارتفاع أسعار اللحوم". يضيف أنّ "موسم عيد الأضحى كان يشهد إقبالاً كبيراً من قبل الأهالي على فواكه اللحوم بأنواعها المختلفة، غير أنّ الأمر اختلف كثيراً هذا العام بعد ارتفاع أسعار الفشة والكرشة وغيرها. بالتالي لم يعد الفقراء قادرين على شرائها".



وارتفاع أسعار "فواكه اللحوم" أصاب الفقراء بحالة من اليأس، الأمر الذي أكده الحاج أحمد عبد الله، وهو موظف بالمعاش، مشيراً إلى أنّه لا يستطيع أن يجلب لأسرته الكبيرة اللحوم الحمراء. يضيف: "كنت أعوّضهم من خلال شراء أكوام من لحمة أمعاء الذبيحة في السنوات الماضية، أما اليوم فأشتري عيّنات فقط بسبب الأسعار المرتفعة، حتى يتمكّن الأولاد من الشعور ببهجة العيد".

"الأكل دا هو اللي بيدّي للعيد طعم". هكذا يعبّر مصطفى جمعة، وهو عامل، عن حبه الشديد واهتمامه بالعيد، بسبب أطباقه المختلفة، مضيفاً أنّ أسعار اللحوم الحمراء "نار" وكذلك أسعار لحوم الأحشاء التي كانت في الماضي بـ"تراب الفلوس". ويشير إلى أنّه لا يستطيع شراءها الآن لتحضير الأطباق "الحِرشة" بسبب الظروف الاقتصادية. أمّا شيماء سعد، وهي ربّة منزل، فإنّ الحالة الاقتصادية الصعبة بالنسبة إليها "جعلت كثيرين لا يقبلون على شراء أيّ شيء، في حين أنّ ثمّة تجاراً يستغلون إقبال المستهلكين على اللحوم وأحشاء الحيوانات فيرفعون الأسعار وسط الرقابة الضعيفة على الأسواق".

تضيف سعد: "لديّ أسرة من ثلاثة أفراد، وزوجي رجل أرزقي، بالتالي فإنّ هياكل الفراخ والفشة والكرشة هي أكلاتنا المفضلة طوال العام. وفي العيد الكبير، نفضّل فواكه اللحوم إنّما بكميات أقل بسبب الظروف التي نمرّ بها. كذلك نعتمد على هدايا الأهالي من الأضاحي". من جهته، يخبر طنطاوي عبد الكريم، وهو عامل بالأجرة، أنّه "منذ سنوات نحرص على شراء هذه الأنواع من اللحوم التي تُعَدّ الغذاء الشعبي الأول للفقراء بعد الفول والطعميّة، ونحرص دائماً على تناولها في المناسبات الاجتماعية، ولا يمكن الاستغناء عنها على الرغم من التحدّث عن أضرار لها".




وفي سياق متصل، يحذّر الأطباء من تناول "فواكه اللحوم"، ويؤكد أستاذ الباطنة في جامعة عين شمس الدكتور أشرف توفيق أنّ "تناول سَقَط الحيوانات يتسبب في نقل أمراض عدة. وثمّة مواش تُذبح خارج المجازر بعيداً عن الرقابة، بالتالي فإنّ الأجزاء التي استخلصت منها تحمل جراثيم تنتقل إلى الإنسان الذي يأكل تلك الأحشاء. كذلك، ثمّة أطنان من الملوّثات التي تتعرّض لها تلك الأحشاء في أثناء عرضها بالإضافة إلى الذباب". ويشير توفيق إلى أنّ "هذه اللحوم تتألّف من بروتين ودهون، لكنّ نسبة الدهون فيها عالية. بالتالي فإنّ تناولها يرفع نسب الدهون في دم الإنسان، وهو ما يؤدي مع مرور الوقت إلى تصلب في الشرايين قد يؤدي إلى جلطات".