العمّال الفلسطينيون بأراضي 48 بين نارَين في ظلّ كورونا

20 مارس 2020
الصورة
حزموا أمتعتهم وحسموا أمرهم (حازم بدر/ فرانس برس)

مع تفشّي الوباء العالمي الجديد، وجد العمّال الفلسطينيون الذين يتوجّهون يومياً من الضفة الغربية المحتلة إلى أراضي 48 أنفسهم بين نارَين، إمّا الاستقرار في تلك الأراضي لتأمين لقمة عيشهم وإمّا الانقطاع عن العمل وملازمة بيوتهم.

حزم العامل الفلسطيني إبراهيم عبيدة حقيبته وودّع زوجته وأطفاله، فهو ينتقل قسراً من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، حيث من المتوقّع أن يبقى شهراً واحداً على أقلّ تقدير. أمّا السبب فالتحاقه بعمله بعد قرار منع العمّال الفلسطينيين من التنقّل. وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية قد أعلن أخيراً "منح فسحة من الوقت للعمّال الفلسطينيين في إسرائيل لترتيب أمورهم في المبيت بأماكن عملهم"، إذ إنّه "ابتداءً من صباح يوم الأحد (22 مارس/ آذار 2020)، سوف يُمنع دخول أو خروج أيّ من العمّال إلا بعد شهر من تاريخه"، وذلك من ضمن الإجراءات التي تتّخذتها الحكومة الفلسطينية لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد.

يقول عبيدة لـ"العربي الجديد": "أنا وعدد كبير من العمّال اتّخذنا القرار الأصعب في حياتنا. سوف نستقرّ في الأراضي المحتلّة عام 1948، من أجل لقمة العيش المرّة. لا خيارات أخرى أمامنا. علينا التزامات كثيرة وفرص العمل في الضفة الغربية شبه معدومة. وإذا لازمنا بيوتنا، فهل تدفع لنا السلطة الفلسطينية رواتبنا؟ لو كان الأمر ليومَين أو حتى أسبوع، لرضينا به، لكنّ أحداً لا يعلم كم ستطول المدّة". وعند سؤاله عن مخاوفهم من احتمالات إصابته وزملائه بفيروس كورونا، يجيب: "طالبنا بضرورة حصر تحرّكاتنا في داخل ورشة البناء التي نعمل بها، وبألا نضطر إلى الذهاب إلى السوبرماركت القريب"، مضيفاً: "سنحرص على عدم الاختلاط بأشخاص آخرين، فيما مقاول الشركة الإسرائيلية حيث نعمل أبلغنا بأنّه خضع للفحص المطلوب وأتت نتيجته سلبية".

وعبيدة يعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ نحو 15 عاماً، وهو اليوم مسؤول فرقة تضمّ تسعة عمّال، أحدهم هو جاره وائل تمام الذي لازم بيته منذ الأسبوع الماضي، فهو يرفض فكرة البقاء هناك لمدّة شهر بعيداً عن أهله. ويقول تمام لـ"العربي الجديد": "أنا أخشى أن تنتقل العدوى إليّ فأخسر حينها كلّ شيء وليس فقط العمل. من يضمن لنا أنّنا لن نخالط مصابين، أو أنّ عمالاً آخرين نلتقي بهم لن يخالطوا مصابين؟ درهم وقاية خير من قنطار علاج، والرزق على الله".



عشرات آلاف العمال الفلسطينيين اعتادوا التدفّق يومياً للعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أو في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يمثّل أحد أكبر التحديات التي واجهتها السلطة الفلسطينية لمنع تفشّي فيروس كورونا. و"عمّال إسرائيل" كما يطلق عليهم، قد يخالطون مصابين إسرائليين أم غيرهم في مواقع العمل، ما يزيد من احتمالات إصابتهم، تماماً كما حصل مع العامل فادي عبدو من طولكرم شمالي الضفة الغربية المحتلة. فقد انتقلت إليه العدوى في الداخل المحتل من مشغّله الإسرائيلي في بداية مارس/ آذار الجاري. وقرار منع حركة هؤلاء العمّال أتى كذلك لأنّهم يخضعون على المعابر لإجراءات أمنية معقدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إذ يضطرون إلى الوقوف في طوابير طويلة قبل الوصول إلى نقاط التفتيش حيث يُحشرون في صناديق حديدية ضيّقة، ما يعني إمكانية انتقال العدوى بينهم بسرعة كبيرة. وكانت سلطات الاحتلال أصدرت قراراً بمنع دخول العمّال الفلسطينيين من سكان محافظة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية والبلدات والقرى التابعة لها، بالإضافة إلى كلّ من تتجاوز سنّه الخمسين بغضّ النظر عن منطقة سكناه، مع ظهور إصابات بفيروس كورونا في الضفة الغربية المحتلة مطلع الشهر الجاري.

وفي قرار أخير أصدره وزير جيش الاحتلال نفتالي بينيت، مساء السادس عشر من مارس/ آذار الجاري، أمر بالحدّ من دخول العمّال الفلسطينيين مع استثناء العاملين في القطاعات الحيوية أي مجالات الصحة والتجارة والزراعة والبناء، مع الإبقاء على فرض الإغلاق الشامل على محافظة بيت لحم. وبحسب القرار نفسه، يُسمح للتجار والعمّال الذين يحملون التصاريح بالدخول شريطة أن تتخطّى أعمارهم الخمسين وأن يتعهّد أرباب العمل بتأمين المبيت للعمّال. كذلك تسري هذه الإجراءات على العمّال في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية.

في السياق، يقول الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين شاهر سعد لـ"العربي الجديد"، إنّ "ثمّة أكثر من 70 ألف عامل فلسطيني يدخلون يومياً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 بشكل قانوني عبر المعابر على حدود الضفة الغربية، في حين أنّ 70 ألفاً آخرين - بحسب التقديرات - يدخلون بشكل غير قانوني بمساعدة مهرّبين. أمّا الذين يعملون في مستوطنات الضفة الغربية، فلا تتوفّر أرقام دقيقة حولهم، لكنّ أعدادهم كبيرة كذلك". يضيف سعد أنّ "نحو 30 ألف فلسطيني يحملون تصاريح صادرة عن الغرف التجارية في الضفة، ويستفيدون منها للعمل في الداخل المحتل".

ويلفت سعد إلى أنّ "العمّال الفلسطينيين في إسرائيل هم الثغرة التي قد ينفذ منها فيروس كورونا إلينا، لكنّنا لا نستطيع السيطرة عليهم ولا نملك آليات لمنعهم من التوجّه إلى هناك. فالسلطة الفلسطينية لا تملك أيّ سيطرة أمنية أو جغرافية على المناطق الحدودية، فجميعها مصنّفة ج بحسب اتفاق أوسلو، أي أنّها تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كذلك فإنّ البلدات والقرى الواقعة على مناطق التماس بين الأراضي المحتلة عامَي 1948 و1967 تقع بمعظمها خارج سيطرتنا، ويستغلّ العمّال هذا الواقع للتنقّل بين المنطقتَين من دون رقابة". ويؤكد سعد أنّ "هذا الملف أكبر من قدرة الاتحاد، ونحن طالبنا الحكومة باتّخاذ الإجراءات اللازمة لضبط تدفّق العمال، ومخاطبة الجانب الإسرائيلي لمنعهم من الدخول، وتوجهنا كذلك إلى كلّ معابر الضفة حيث التقينا العمّال وتحدّثنا إليهم وشرحنا لهم خطورة الأمر وإمكانية إصابتهم بالكورونا ونقل العدوى لذويهم بعد عودتهم من العمل، ووزّعنا عليهم نشرات إرشادية وعبوات معقّمة للأيدي".



يُذكر أنّ وزارة الصحة الفلسطينية كانت قد اتّخذت سابقاً قراراً بإخضاع العمّال قبل عودتهم إلى منازلهم للفحوصات اللازمة، فيعلّق سعد على الأمر قائلاً إنّ "أعداد العمال ليست قليلة، ولا يمكن فحصهم جميعاً كلّ يوم، لذلك عندما التقيناهم على المعابر طلبنا من كلّ واحد منهم يشعر بأيّ عارض صحي من قبيل ارتفاع في درجة حرارة الجسم أو السعال أن يتوقّف عن العمل وعن الاختلاط بالعمال وأن يخضع للفحص في منطقته".

ويتابع سعد أنّه "من وجهة نظر اقتصادية، فإنّ توقّف نشاط العمّال الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، سيؤثّر بشكل كبير على الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بنسبة تقارب 40 في المائة على دخل هؤلاء"، مشيراً إلى أنّ "لإسرائيل مصلحة في بقاء العمّال من الجهة الأخرى من الخطّ الأخضر، إذ إنّ ما يزيد عن 65 في المائة منهم يعملون في البناء والإنشاء اللذَين يُعدّان من الأعمال الأكثر عرضة للمخاطر والتي لا يقبل العامل الإسرائيلي بالقيام بها". ويكمل سعد أنّ "ثمّة عمّالاً، عندما نصحناهم بعدم التوجّه إلى الداخل خلال فترة انتشار الفيروس، قالوا لنا حرفياً: نموت من كورونا ولا نموت من الجوع"، مشدداً على "ضرورة أن يتكاتف الجميع لإيجاد حلول من شأنها تعويض هؤلاء العمّال، وعدم التحاقهم بأعمالهم في هذه المرحلة على أقلّ تقدير".

من جهته، يقول المتحدّث باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم لـ"العربي الجديد"، إنّ "القرار بشأن العمّال الفلسطينيين يُدرس مع الجانب الإسرائيلي لوضع تصوّر واضح للتعامل معهم". ويوضح ملحم أنّ "الآثار المترتبة على هذا التنقّل تقع على الطرفَين، بالتالي فإن الإجراءات الاحترازية مشتركة، ونحن ننسّق بالفعل في هذا الإطار لمنع انتشار الفيروس"، مؤكداً: "نحن ندرك أنّ هذه الثغرة خطيرة لذا نتعامل معها بحرص وتنسيق كامل".

وكان وزير العمل الفلسطيني نصري أبو جيش، في مؤتمر صحافي في 16 مارس/ آذار الجاري، طالب العمّال الفلسطينيين في السوق الإسرائيلي بعدم التوجّه إلى المناطق التي ينتشر فيها الفيروس وبعدم العمل في المستوطنات الإسرائيلية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 وتجنّب المستوطنات حيث ينتشر الفيروس. أضاف: "نحن كحكومة نرفض العمل في المستوطنات لكنّنا نطلب من عمّالنا توخي الحذر".



أمّا وزيرة الصحة الفلسطينية مي كيلة فقد صرّحت في لقاء عبر تلفزيون فلسطين الرسمي، في 14 مارس/ آذار الجاري، بأنّ "العمل جارٍ على تنفيذ المسح الوبائي لنحو 200 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل، بالإضافة إلى العمّال في المستوطنات والتجّار الذين يدخلون إلى هناك، للتعرّف إلى الشخص الذي خالط مصابين من خلال لجان صحية". وبالفعل تُرجم هذا الإجراء من خلال ما ذكره مدير مديرية وزارة الصحة في محافظة جنين الدكتور وسام صبيحات الذي أفاد بأنّ عدداً من العمال الفلسطينيين خضع للفحوصات الأولية، وطُلب منهم الحجر المنزلي وعدم المغادرة تحت أيّ ظرف لمدة 14 يوماً إلى حين ظهور النتائج النهائية، حفاظاً على سلامتهم وسلامة عائلاتهم. كذلك طلب التعامل بجدية مع الفيروس والتبليغ عن أيّ ظواهر قد تكون موضع شكّ لدى أفراد الأسرة، خصوصاً بالنسبة إلى الذين يعملون في الأراضي المحتلة عام 1948، وذلك لارتفاع عدد إصابات كورونا عند الإسرائيليين.