العزوف عن التصويت.. تحدّ يواجه الانتخابات الجزائرية

04 مايو 2017
الصورة

زعيم جبهة العدالة والتنمية في تجمع انتخابي بالعاصمة (30/4/2017/Getty)

+ الخط -
حثّ الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، مواطني بلده، عشية انطلاق الانتخابات التشريعية التي تجرى اليوم (4 مايو/ أيار 2017)، في رسالة منه، المسؤولين والموظفين المكلفين بتسيير الانتخابات (نصف مليون موظف لأكثر من 65.000 مركز ومكتب اقتراع)، إلى التحلي بالحياد التام والاحترام الدقيق لأحكام القانون. وتحمل هذه الدعوة رسائل متعدّدة تمس مواضيع خلافية، أصبح الجزائريون يتحدثون بها علنا في نقاشاتهم في أثناء الحملة التي دامت أكثر من ثلاثة أسابيع، من أجل انتخاب 462 نائبا في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان) لخمس سنوات. يتنافس على مقاعدهم 12 ألف مرشح من 57 حزبا سياسيا. وذلك فيما طغى هاجس العزوف الانتخابي بشكل لافت على كل معطيات الحملة الانتخابية، ناهيك عن الخوف من الانتهاكات التي قد تشوب العملية الانتخابية، ولعل ذلك ما دعا رئيس الجمهورية نفسه إلى كسر صمته الطويل، حيث لم يظهر إلى العلن منذ مدة طويلة، إلا عبر رسالةٍ قرأتها نيابة عنه وزيرة البريد والاتصالات، هدى فرعون، أمام حشد من أعضاء الجمعيات الأهلية، دعا فيها الموظفين ومسؤولي الدولة إلى الحياد، وحث فيها هذه الجمعيات على العمل على حشد الناخبين الذين تقول استقراءاتٌ للرأي غير رسمية إن كثيرا منهم غير مقتنع بجدوى هذه الانتخابات في تغيير حياته، والتي أثرت فيها الظروف الاقتصادية الصعبة، جرّاء تدهور سعر النفط والغاز، وهما الموردان الوحيدان للدخل الجزائري

رفض التدليس السياسي
لم يكن الشاب شمس الدين، والمعروف لدى رواد وسائل التواصل الاجتماعي باسم "شمسو دي زد جوكر"، يعرف أن الفيديو الذي نشره رفضا للانتخابات التشريعية في الجزائر، سيعرف انتشارا كبيرا، يتبادله الناس عبر الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر. وقد حمل الفيديو عنوانا باللهجة الجزائرية "ما نصوطيش"، ويعني "لا أصوت"، وقد جاء ردا على الإشهار الحكومي لهذه الانتخابات، والذي كان عنوانه الرئيسي "سمع صوتك". لا يرى شمس الدين، وكثيرون من الشباب، أي جدوى من إسماع صوتهم في الانتخابات الحالية، بل ويعتبرونها مجرّد تكريس لممارسات قديمة من التمثيل غير النزيه وغير المجدي. على الرغم من أن وزارة الداخلية تعهدت، مع الهيئة المستقلة للانتخابات، بالنزاهة والحيادية، وعمدت إلى تطهير القوائم الانتخابية من الموتى والأسماء المكرّرة، ضمانا لمنع التزوير.
الفرق بين العزوف الانتخابي والمقاطعة الانتخابية أن الأول عمل تلقائي، عادة ما يكون ردة
فعل من الجماهير التي زهدت في التمثيل الحزبي الذي لم يعد، في نظرها، يشكل إضافةً نوعية، خصوصا بعد خيبات الأمل المتكرّرة من الأحزاب ومن السلطة على السواء، فالعزوف تحرّك تلقائي تتحكم فيه قناعات ذاتية، وهو إن كان يعتبر عملا منفردا يمارسه الأشخاص، كل على حدة، إلا أنه يتحوّل ظاهرة سياسية، عندما تتحول جداول الرفض البسيطة إلى أنهار من العزوف.
وقد خاض ناشطون معارضون للسلطة حملات ميدانية لترويج خيار مقاطعة الانتخابات، وتداول كثيرون منهم صورا ومقاطع فيديو، الهدف منها إقناع المواطنين بموقفهم الرافض المشاركة في تشريعيات الرابع من مايو، والتي لا يرون فيها مخرجا للأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها الجزائر. تقدّم هذا الفريق كل من حزب طلائع الحريات الذي يرأسه المترشح للانتخابات الرئاسية في 2014، علي بن فليس، وحزب جيل جديد الذي يرأسه جيلالي سفيان، والاتحاد الديمقراطي الاجتماعي (وهو حزب غير معتمد)، يرأسه القيادي السابق في حزب جبهة القوى الاشتراكية، كريم طابو. كان رئيس حزب طلائع الحريات ورئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، قد وصف الانتخابات الحالية "بالمسرحية السياسية التي تريد إخراجها السلطة"، وشدد على أنّ "النظام السياسي القائم يكتفي برفض الاعتراف بأن الجزائر تواجه انسداداً سياسياً شاملاً وكاملاً. وعند كل أزمةٍ يبحث عن كبش فداء، يتمثل في "الأيدي الأجنبية والمؤامرات الخارجية". أما جيلالي سفيان فقال "الشعب هو الوحيد الذي يمكنه أن يُحدث المفاجأة، من خلال مقاطعته للانتخابات التشريعية، وأن هدف النظام الوحيد هو الاستمرار في الحكم، وسيعمل على فرض الأحزاب الموالية له في البرلمان المقبل".

قوانين لمنع المقاطعة
اتُهم المقاطعون بالتشويش على تشريعيات 4 مايو، وشنَّت الحكومة حملة كبيرة، بتجنيد الوزراء والإدارات المركزية والمحلية، وكل وسائل الإعلام، العامة منها والخاصة، لحشد أكبر عدد ممكن من المسجلين في قوائم الانتخابات، ودفعهم إلى المشاركة يوم الاقتراع، حيث تعتبر السلطة الجزائرية تشريعيات 2017 انتخابات مفصلية في تاريخ الانتخابات النيابية المتعدّدة التي عرفتها الجزائر.
دفع صوت المقاطعة الذي ارتفع عاليا هذه المرّة، وعلى غير العادة، وشكّل مع موجة العزوف السياسي التي تجتاح المجتمع خطرا حقيقيا على مصداقية الانتخابات، دفع السلطات إلى استعمال كل النعوت السلبية في وصف دعاة المقاطعة، فتارة هم في نظرها "خونة" وتارة أخرى "مارقون" وأقلها قدحا وصفهم بأنهم ساعون إلى المجهول، وهو ما يؤدي وفق الحكومة إلى "مسّ بأمن البلاد واستقرارها"، عبر زجّها في فراغ سياسي تحاول جهات متربصة بالجزائر تصيد الفرص المتاحة لتنفيذ أجنداتها غير المعلنة. كما عمدت الحكومة إلى سن نصوص قانونية تعاقب بالسجن وغرامات مالية لكل من يثبت عليه ترويج المقاطعة. وأصدر وزير الإعلام حميد قرين تعليماتٍ مكتوبة صارمة إلى وسائل الإعلام المختلفة، قضت برسم خطوط حمراء أمامها في التعاطي مع مراحل العملية الانتخابية، وأدت إلى غلق كل وسائل الإعلام أمام المقاطعين، للتعبير عن موقفهم السياسي، ورفض نشر أو بث أي استطلاعات للرأي من شأنها أن توجه الناخبين، كما منع الإشهار السياسي، وأكد على حرمة المساس بمؤسسة الرئاسة وشخصية رئيس الجمهورية.

أحزاب تشارك للضرورة
اعتبرت المشاركة في الانتخابات واجبا وطنيا وضرورةً تمليها المصلحة العليا للوطن، وآلية من آليات التغيير، وفق أحزاب الموالاة التقليدية، مثل حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع
الديمقراطي ، فيما اعتبره بعض من الأحزاب أمرا لا بدّ منه، من أجل إثبات الوجود على الساحة السياسية، وإبعاد شبح الإقصاء، أو الغياب، الذي يطاول كل حزبٍ يرفض المشاركة في الانتخابات. وكانت هذه القضية قد تفجّرت داخل هيئة التشاور والمتابعة المنبثقة عن "تنسيقية الانتقال الديمقراطي"، بعدما قرّرت بعض فصائل هذه الهيئة خيار المشاركة. وهو ما دفع رئيس حزب جيل جديد، جيلالي سفيان، المقاطع للتشريعيات إلى اتهام المعارضة الإسلامية بـ"بيع القضية" للسلطة، من خلال قرارها المشاركة، بل وشكّك في وجود صفقة بينهما لتقاسم مقاعد البرلمان القادم. وقال لخضر بن خلاف، القيادي في حزب جبهة العدالة والتنمية، بعد تشكيل حزبه، حلفا مع حركتي النهضة والبناء للمشاركة في الانتخابات، على الرغم من إقراره بعدم وجود ضمانات قوية على نزاهتها، إن "قرار المشاركة يأتي في سياق مواصلة المقاومة السياسية" التي بدأها حزبه مع أحزاب معارضة أخرى، من داخل مؤسسات الدولة "لفضح السياسات الخاطئة، والتنبيه إليها، وتقديم البدائل". مضيفا "النظام هو المستفيد من المقاطعة، حينما تترك له باقي التيارات السياسية، وخصوصا الإسلامية منها، الساحة فارغة". وطالب رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، السلطة بضمانات لعدم تكرار"التزوير الانتخابي" من خلال تحقيق تشريعيات نزيهة، تتيح للشعب، وكل المتخوفين، التوجه إلى الإدلاء بأصواتهم بكل اطمئنان.
ودائما ما كانت السلطة، ومنذ تنظيم أول انتخابات محلية في الجزائر المستقلة العام 1967، تستدر عواطف الناس، لحثهم على الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع، من باب أداء "الواجب الوطني"، الذي يستدعيه بناء الدولة الوطنية الحديثة، تم ذلك أثناء فترة الرئيس هواري بومدين، وفي النصف الأول من فترة الرئيس الشاذلي بن جديد إلى نهاية الثمانينيات. عقب ذلك، أُضيف لخطاب الواجب الوطني شعار آخر مفاده " ترقية مكاسب التعددية"، ويُقصد بها التعدّدية الحزبية التي أفرزتها انتفاضة 05 أكتوبر/ تشرين الأول 1988. تواصل العمل على هذا المنوال إلى أن حان موعد الانتخابات النيابية 2012. في الأثناء، جرت مياه كثيرة في النهر، تغير الخطاب السياسي، وتغيرت معه شعارات المرحلة. رحل إلى غياهب التاريخ شعار "الاشتركية اختيار لا رجعة فيه" الذي رُفع عشرين عاما طوالا، واستُبدل بشعارٍ بدأت تطل معه المصلحية والنفعية. رُفع شعار "من أجل حياة أفضل"، ودخلت البلاد مرحلةً جديدةً فتحت الباب على مصراعيه لليبيرالية متوحشة، سعت إلى الربح السهل من دون ضوابط، ولا تجربة لدى الإدارة تُمكّنها من ضبط جماح الجشع الذي أصبح ينهل من مال الدولة، فأصبح للفساد عنوانٌ رعته إدارة مترّهلة وبيروقراطية سقيمة، فقدت مسارها القديم، ولم تتعلم مشية الليبرالية، فتعثرت وتشابكت معالم الطريق أمامها. الآن، يُرفع خطاب آخر يُخوِّف الناس من المجهول الذي تُحيكه "المؤمرات الخارجية"، والتي لا يشك أحد في وجودها منذ الأزل، فللدول الكبرى أطماع ومآرب، ولغيرها مصالح، تتعاظم حين تجد ضالتها بتوفر مُناخ غير متجانس داخل الدولة، يُقدم مصلحة الأفراد على مصلحة الأمة.

اتهامات وسجال
اتُهم برلمان 2012 بتحوله إلى مركز بريد، مهمته تلقي مشاريع القوانين من الحكومة، 
والمصادقة عليها من دون إضافة أو نقصان، إلا في حالات نادرة، ومن الاتهامات التي طاولت العهدة التشريعية المنتهية (2012- 2017)، وجود نواب من دون مستوى تعليمي مقبول، فقد اعترف رئيس الغرفة الأولى في البرلمان، عبد القادر بن صالح، بالوضع السيئ و"غير الصحي" الذي يمر به البرلمان بغرفتيه، مطالبا النواب بمزيد من الحزم والجدية والجرأة في معالجة الملفات المطروحة أمام الهيئة التشريعية.
ولكن التهمة الأكبر التي لاحقت البرلمان الماضي هي دخول المال الفاسد في انتخاب عناصره، فقد أدى تحالف الفساد السياسي، خصوصا في الأحزاب الكبرى مع المال الناتج عن فساد الإدارة وترهّل آلتها، إلى ولوج وجوهٍ لم تُعرف بنظافة اليد، ولا يهمهما من النيابة غير الحصانة، وهو ما يُخشى تكراره في العهدة البرلمانية الجديدة.
هذه المخاوف وغيرها هي ما حرّكت أحد كبار المسؤولين السابقين، بشير فريك، والذي نشر كتابا كشف فيه مختلف مراحل التزوير التي طاولت الانتخابات السابقة منذ التعدّد السياسي والحزبي الذي أقر بعد انتفاضة 05 أكتوبر/ تشرين الأول 1988 إلى الانتخابات البرلمانية في 1997،حيث قال إنه "تعرّض لتهديدات غير مباشرة، عقب كشفه فضيحة تورّط السلطة في تنظيم انتخابات فاسدة فيما سبق، وبتلقي تعليماتٍ ترتبط بتضخيم نسبة المشاركة، وخلط هوية الفائزين" .
ولم يقتصر الجدل في الانتخابات التشريعية الجزائرية، هذه المرة، على أحزاب المعارضة أو الأحزاب الصغيرة التي لا تجد لها حسا إلا مع كل موعد انتخابي، بل وصل الأمر، هذه المرّة، وعلى غير العادة، إلى حزبي السلطة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، فبينما قال الأول على لسان أمينه العام، جمال ولد عباس، "أنا الدولة"، وهو ما اعتبره خصوم الحزب ابتزازا للإدارة. ورفض أحمد أويحيى، أمين عام التجمّع الديمقراطي، ما اعتبره مزايدة لا جدوى منها من ولد عباس، مضيفاً أنّه هو يُطبق سياسية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التي يدَّعي كلّ حزبٍ من الموالاة انتماءه إليها. ووصل الصراع بين الحزبين إلى منابر الخطابة في المهرجانات الانتخابية، وأعمدة الصحف، وقنوات الإذاعات والتلفزيونات، ولم يُوفر أحدهما للثاني سلبيةً إلا أوردها. وهو ما اعتُبر سباقاً محموماً على نيل أكبر قسط من مقاعد الغرفة الثانية من البرلمان الجزائري. لم تشُذ الأحزاب الأخرى، خصوصاً في الموالاة، عن قاعدة المزايدة في التقرّب من رئيس الجمهورية، وادعاء الولاء له أكثر من الآخر.
شهدت المنابر الانتخابية استعمالا لكل محظور، فلم يبق موضوعٌ إلا وتم طرقه، استُغلت ذكرى شهداء الثورة، واستعملت أمجادها لأول مرة، واستُغلت منابر المساجد في قضاء مآرب سياسية، كانت الدولة قد نهت عن استعمالها سابقا على عهد "الجبهة الإسلامية للإنقاذ".

مصيرالأغلبية الصامتة
غاب أكثر 12 مليون ناخب عن تشريعيات 2012، وفرض هذا الأمر نفسه على التشريعيات الحالية، فالسلطة تدفع باتجاه المشاركة الكبيرة للناخبين، فلا تريد تكرار تجربة الانتخابات الماضية. لم يُؤثر ذلك الغياب على شرعية الانتخابات، إلا أنه أثّر على مصداقيتها، من باب أن أكثر من نصف الجزائريين أو أكثر ينتمون إلى الأغلبية الصامتة، والتي لا يُعرف لها توجه سياسي، ولا رغبة حزبية، وبالتالي فهي في حكم السياسة وعاء جماهيري لا يُعرف محتواه، وتُجهل بالتالي مقاصده وتوجهاته، ويصعب على السلطة التنبؤ بتحرّكاته، وتموجاته التي باتت الوسائط الاجتماعية ميدانا لها، في ما بات يعرف بتمظهر خارج عن التأطير السياسي أو الحزبي.
لم تستطع السلطة، على الرغم من كل وسائلها، ولا الأحزاب، موالاة ومعارضة، فهم هذا الغياب، ولا إيجاد حلولٍ له، كما حرّك هذا الغياب في الفعل السياسي أدوات علماء الاجتماع والسياسة الذين يُرجعون سبب العزوف، ليس إلى ممارسات السلطة وفشلها في تحقيق طموحات الملايين من الجزائريين فقط، بل أيضا إلى العمل الحزبي برمّته، وإلى خيبات أملٍ كثيرةٍ، تلقاها المواطنون في الانتخابات السابقة، والتي رُوِّج كثيرا أنها مفتاح لصعوبات معيشية كثيرة، ولكنها وعودٌ لم تُؤت ثمارها إلا للمنتفعين بها من نواب ووزراء، تسلقوا من خلالها سُلَّم المسؤوليات، وحققوا لأنفسهم ولأهليهم وللمقربين منهم مآرب شخصية، بينما بقيت المدن والأرياف وباقي الصحراء تنتظر وعودا أخرى لأشخاصٍ، منهم المُستجد على الانتخابات، يُجرِّب حظه لأول مرة، ومنهم من يُعاود الكرّة للمرة الثانية أو الثالثة، من دون أن تردعه نتائج دوراته السلبية السابقة، عن التقدّم مرة أخرى بوعود ووعود.