العراق .. بحثاً عن دولة مفقودة!

العراق .. بحثاً عن دولة مفقودة!

08 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

كان العنوان الرئيس لمجيء مصطفى الكاظمي إلى الموقع التنفيذي الأول في العراق "استعادة هيبة الدولة"، ومحمود تأكيده مرّاتٍ أنه عازم على استعادة تلك الهيبة، مهما كانت العقبات التي قد تواجهه، مع أننا اعتدنا، في شهرين من عمر حكومته، أن نسمع جعجعةً ولا نرى طحنا. وطريفٌ أن نقرأ، في الوقت نفسه، أن زعيم تيار الحكمة، عمّار الحكيم، التقط، ومعه أربعون برلمانيا، الماسة الضائعة. ووعد، ومعه الأربعون، بأنهم سوف يعملون، من خلال تحالف جديد، على "دعم الدولة المقتدرة القوية، ذات السيادة الوطنية والإرادة الجماهيرية الخالصة". ومثيرٌ، في الوقت نفسه أيضا، أن نسمع زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، وهو يتبجّح في أن الأميركيين رضخوا، في أثناء وجوده على رأس السلطة، لمطلبه أن يُعامِلوا العراق دولةً ذات سيادة وإرادة وهيْبة، وهذا ما حصل، بحسب زعمه. وجميلٌ أن ينبري زعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، للدعوة إلى تحالفٍ، يتزّعمه هو طبعا، ويضم شباب الانتفاضة والجامعيين والمهنيين لدعم عملية بناء الدولة ومساندتها. ومثل هذا الوعد وذاك صدر عن عديد سياسيين وزعماء كتل وأحزاب اقتطعوا سبعة عشر عاما من أعمار العراقيين، ليعلنوا اليوم أنهم ما زالوا واقفين على نقطة الصفر، ويريدون بناء الدولة واستعادة هيبتها.

وقد يجد المرء في هذه الوقائع، وفي غيرها، نياتٍ يحسبها طيبةً لإحياء مشروع بناء الدولة، إلا أنه سرعان ما يكتشف أنها مجرّد تخاريف لا تُفصح عن واقع حال، ولا تشي بتغيير حقيقي قادم، ما دام "الأربعون" دعاة التحالف الجديد، ومثلهم أربعون، وأربعون، وأربعون آخرون يقيمون دولهم الموازية التي تشارك دولة العراق "اللادولة" في احتكار القوة والسلطة والمال، بما يشكّل دولة، وربما دولا عميقة، تعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء!

لم يعد جديدا أن تنتصر "الدولة العميقة"، دولة المليشيات، وأن تفشل "صولة" الكاظمي، وأن يضطر لإقامة حفلة "صلح" بين المليشيات وجهاز مكافحة الإرهاب

ويكتشف المرء هنا أيضا أن كل مجموعات "الأربعين" كانت عرفت أسرار "المغارة" المملوءة بالماس والزمرد منذ البدء، وقد غنمت واغتنمت منها، ولا تريد أن تفارقها، ومن دون ذلك خرط القتاد. ولذلك تعمد، في كل منعطف، إلى تلميع نفسها وإضفاء صفات الفضيلة والوطنية ونكران الذات على أفرادها طمعا في نيل المغفرة من الناس العاديين المهمومين، والذين يبحثون عن علي بابا، كي يجد سبيلا لإنقاذهم على نحو ما حكته شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، لكن مجموعات "الأربعين" تظل تراهن على ذاكرة العراقيين المتعبة، والمثقلة بالهم. ولذلك لم يعد جديدا أن تنتصر دولتهم، "الدولة العميقة"، دولة المليشيات، وأن تفشل "صولة" الكاظمي، وأن يضطر لإقامة حفلة "صلح" بين المليشيات وجهاز مكافحة الإرهاب. ولم يعد غريبا أن يجتمع من ألقي القبض عليهم في تلك "الصولة"، بعد إطلاق سراحهم، ليمزّقوا صور الكاظمي ويدوسوا عليها بأقدامهم، من دون أن تتحرّك السلطات الرسمية لاعتقالهم، بتهمة إهانة القائد العام الذي يفترض، من الناحية النظرية على الأقل، أنه يمثل سيادة الدولة، وأنهم يتبعونه!

إذاً، أين هي "هيبة الدولة" التي أراد الكاظمي الحفاظ عليها؟ أين هي "سيادة الدولة" التي يزعم الحاكمون أن دول العالم تحترمها وتقيم لها وزنا راجحا؟ بل قل أين هي "الدولة" التي يقول رجال "العملية السياسية" إنها قائمة في مشاريعهم، ويريدون دعمها ومساندتها، وهم أنفسهم الذين أجهزوا على بقاياها، بعد أن قضى عليها الأميركيون والإيرانيون في توافق مشبوه ضمن لهم الجوائز الكبرى، وبعد أن أصبحت نهبا لتدخلاتٍ من دولٍ بعيدة وقريبة، ومسرحا لفرض إراداتٍ في الداخل من مرجعياتٍ دينيةٍ ومليشيات سوداء وعشائر عادت إلى الحياة، بعد أن أوشك ظلها أن يغيب، وكذا مافيات للجريمة المنظمة تقتل وتذبح وتعتقل وتسرق، ولا من رأى ولا من سمع؟

أين هي "هيبة الدولة" التي أراد الكاظمي الحفاظ عليها؟ أين هي "سيادة الدولة" التي يزعم الحاكمون أن دول العالم تحترمها وتقيم لها وزنا راجحا؟

ذلك هو حال العراق الذي ليس لنا اليوم سوى أن نستذكر تاريخه الذي يتجذّر لأكثر من خمسة آلاف عام، وجغرافيته التي تقطعت وتقلصت إلى درجة أنها فقدت البحر، واستكانت لجفاف النهرين، وانسلخت منها عشرات الكيلومترات من جهاتها الأربع. ذلك هو حال العراق، بعدما أصبح القيمون عليه يشحذون المال، لتغطية مرتبات العاملين في أرجائه. أما العراقي المسلوب حقوق المواطنة التي أقرّتها كل الشرائع فينتظر حكومته كي تمن عليه بما يكفل له ديمومة حياته، وكأنه من عناه فيرجيل في "كتاب الجحيم": "تخلّ عن كل أمل يا من ولدت هنا".

وفي ظل كل أصناف التراجيديا السوداء والكوميديا المثيرة للضحك التي يزخر بها الحال الماثل، لم يبق أمام العراقيين سوى التشبث بالأوهام وممارسة الحلم.