العراق: انشغال أمني ببقايا قادة "داعش"

الصورة
عاد "داعش" لشنّ هجمات انتقامية أخيراً (أحمد الربيعي/فرانس برس)

يواصل العراق بالتنسيق مع قوات "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة، وبتنسيق برز أخيراً مع "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، حربه ضدّ تنظيم "داعش"، وتحديداً قيادات الصف الأول الذين يعتقد أنهم يديرون بشكل مباشر أغلب الهجمات التي تجري في العراق، على الرغم من أنّ التنظيم تحوّل إلى مجرد بقايا لناحية العدد والإمكانيات العسكرية، لكنه وبحسب مسؤولين قد يعود بفاعلية أكبر في حال وقف تتبّعه.

وخلال أقلّ من أسبوع، أعلنت بغداد عن اعتقال عبد الناصر قرداش، وهو أحد المرشحين لخلافة زعيم التنظيم السابق أبو بكر البغدادي الذي قتل بعملية للقوات الأميركية شمالي سورية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل أن تعلن القيادة المركزية الأميركية، الجمعة، عن مقتل اثنين من قادة التنظيم خلال غارة في دير الزور شرقي سورية، وهما أحمد عيسى إسماعيل الزاوي وأحمد عبد محمد حسن الجغيفي. وذكر بيان أميركي أنّ "الزاوي المعروف أيضاً باسم أبو علي البغدادي، كان والي داعش شمالي بغداد، ومسؤولاً عن نشر وتبليغ التوجيهات الإرهابية من كبار قادة التنظيم إلى عناصره في شمال بغداد. أمّا الجغيفي المعروف أيضاً باسم أبو عمار، كان مسؤولاً كبيراً في اللوجستيات والإمدادات لداعش، وهو مسؤول عن توجيه عملية تأمين ونقل الأسلحة ومواد العبوات الناسفة والأفراد في جميع أنحاء العراق وسورية".

تطور استهداف قادة تنظيم "داعش" فتح شهية العراق لاستكمال حربه على التنظيم، لا سيما أنّ الأخير عاد لشنّ هجمات انتقامية مستخدماً طريقة حرب العصابات في هجمات في جزيرة الأنبار والموصل كركوك وديالى وتكريت، مستغلاً بعض الفراغات الأمنية والصراعات السياسية على طريقة إدارة الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا. وأسفرت هذه الهجمات على المواقع الأمنية في العراق عن مقتل وإصابة العشرات من المنتسبين للقوات الأمنية و"الحشد الشعبي" وقوات العشائر العربية، وبدا ذلك واضحاً في التسجيل المرئي الأخير الذي أصدره تنظيم "داعش" بعنوان "فضرب الرقاب".

وفتحت الهجمات الأخيرة على المدن العراقية، باب التساؤل عمّا بقي من قادة التنظيم وخطورتهم، وما يمتلك من مقومات تسمح له بالعودة من جديد، لا سيما أنه ركّز خلال الأسابيع الماضية على استهداف أبناء العشائر والقرى والمدن المنكوبة التي كان احتلها التنظيم سابقاً، وهي الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وأحياء ما يُعرف بـ"حزام بغداد"، حتى أنه تعدى مرحلة قتل المخالفين له إلى تفجير أبراج الكهرباء المغذية للمدن، وحرق حقول القمح والشعير ومزارع العراقيين.

وبحسب خلية الإعلام الأمني العراقي، فإنّ تنظيم "داعش" يعود تدريجياً إلى المواقع التي تركها وهو يكثف نشاطاته بين مناطق شمال وغرب البلاد، وقد سجل له خلال بضعة أسابيع 50 هجوماً أغلب ضحاياها كانوا من قوات الحشد العشائري في مدينة كركوك وديالى والأنبار وصلاح الدين، إضافة لفصائل "الحشد الشعبي" المرابطة في منطقة جرف الصخر. وأشارت الخلية إلى مقتل 170 من أفراد الأمن والمدنيين على يد مسلحي التنظيم منذ مطلع العام 2020.

في السياق، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية، العميد يحيى رسول، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ "العراق لديه قاعدة بيانات جيدة عن كل المطلوبين بتهم الإرهاب والذين ينتمون للتنظيمات الإرهابية، لا سيما داعش"، مضيفاً أنّ "قادة التنظيم ليسوا بالخطورة التي يشعر بها بعض المراقبين، لأنّ العمليات العسكرية أسفرت عن مقتل غالبيتهم، وما بقي منهم حالياً يعانون من التخبط وقلة الأموال والخبرات". وأوضح رسول أنّ "التنسيق مستمر بين القيادة العسكرية العراقية بمختلف أصنافها لا سيما الاستخباراتية، مع الجهود الداعمة لها مثل التحالف الدولي، في ملاحقة الإرهابيين". وأكد أنّ العراق "يحقق تقدماً كبيراً في محاربة الإرهاب واعتقال قادة التنظيمات الإرهابية، وهناك جهود مستمرة بهذا الخصوص".

غير أنّ مصدراً من جهاز الأمن الوطني الذي يديره رئيس هيئة "الحشد الشعبي" فالح الفياض، أكد أنّ "الحكومة العراقية ليس لديها قاعدة بيانات كافية عن قادة داعش لا سيما وأنّ غالبيتهم يتحركون بأسماء حركية، وأحياناً يتم استبدالها"، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "جهاز المخابرات هو المختص بمتابعة تحركاتهم، وأنّ هذا الجهاز لا يُنجز أعماله بالطريقة الجيدة لولا المعلومات التي توفرها قيادة التحالف الدولي له".

وأضاف أنّ "غالبية قادة تنظيم داعش من الذين أُطيحوا، تمّ التوصل إليهم من خلال الاعترافات التي وفرها عناصر جرى القبض عليهم في بغداد، ومن الذين يقبعون في سجون قسد في الجانب السوري. كما أنّ التعاون الشعبي في العراق أسهم في إطاحة أكثر من قيادي في التنظيم كانوا يتخذون من الصحاري وبعض البساتين المهجورة ملاذاً للاختباء". وتابع أنّ "العراق يعتمد بالدرجة الأساس على قادة التحالف الدولي الذين يمتلكون خبراء أجانب ومحليين يتعاملون مع مقربين من داعش، كما أنّ بعض القادة سلّموا أنفسهم بعد أن ضاقت بهم سبل النجاة أو العودة إلى أيام سيطرة التنظيم على مساحات واسعة".

من جهته، قال عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي محمد الكربولي، إنّ "القوات العراقية مستمرة في ملاحقة قادة التنظيم الإرهابي، ولكن هناك حاجة ملحة إلى تعميق العلاقة العسكرية والاستخباراتية مع التحالف الدولي الذي يمتلك أدوات متطورة لملاحقة الإرهابيين". وأكد في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "عودة هجمات تنظيم داعش في العراق، لها أسباب عدة، منها استغلال الأزمة السياسية وجائحة كورونا، ولا سيما أنّ التنظيم الإرهابي لم يتراجع عن خططه الدائمة في إعادة بناء نفسه".

بدوره، لفت الخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي، إلى أنّ "العمل العسكري يؤكّد أسبوعياً تقريباً سقوط قتلى من عناصر داعش ومن بينهم قادة من الصفوف الثانية والثالثة". وقال في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ "القوات العراقية التي تمكنت من طرد داعش تعاني حالياً من مشكلة المطاردة التي تحتاج إلى إمكانيات أقوى واستغلال للقوات بصورة أوسع، لا سيما أنّ العراق يمتلك قوات خاصة في أجهزة مكافحة الإرهاب والرد السريع والمغاوير".

وبشأن أسماء أبرز القياديين الذين ما زالوا طلقاء، قال الهاشمي لـ"العربي الجديد"، إنّ القوات العراقية تسعى لاعتقال ما تبقّى من قادة الصف الأول في القيادة الجديدة بعد مقتل البغدادي، مثل بشار خطاب الصميدعي المعروف بـ"حجي زيد"، إضافة إلى "حجي تيسير" وهو معتز نعمان الجبوري، كما ترصد الاستخبارات العراقية تحركات القيادي الخطير أبو الحارث العراقي واسمه الحقيقي زياد عبدالله. وتابع "هذا ما يؤكد أن العراق يمتلك قاعدة بيانات حتى وإن كانت غير دقيقة في بعض الأحيان، إلا أنها جيّدة".

تعليق: