العراق: انتخابات مبكرة واستقالة مشروطة لعبد المهدي

01 نوفمبر 2019
الصورة
من التظاهرات في مدينة الديوانية (حيدر حمداني/فرانس برس)
مع توسع رقعة التظاهرات في العراق، والتي امتدت لأول مرة أمس الخميس إلى ديالى، الخاصرة الشرقية للعراق والحدودية مع إيران، خرجت السلطة بمبادرة لتهدئة الشارع لا تبدو مضمونة التنفيذ، عبر تعهد رئيس الجمهورية برهم صالح بإجراء انتخابات مبكرة بعد تشريع قانون انتخابي واستبدال مفوضية الانتخابات، وإعلانه استعداد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي للاستقالة شرط إيجاد بديل له، بما يدل على أن عبد المهدي يرفض تولي حكومة تصريف أعمال. تزامن ذلك مع تبدلات مهمة بعد كلمة المرشد الإيراني علي خامنئي أمس الأول الأربعاء عن التظاهرات، أبرزها تغير خطاب عدد من السياسيين والبرلمانيين وقنوات تلفزيونية ومواقع إخبارية باتت تحرض ضد التظاهرات وتصفها بالشغب وبالمؤامرة، وأخرى تعتبر التظاهرات نافذة لعودة حزب "البعث" إلى الحكم، بينما اعتذر مراقبون ومحللون وناشطون عن الظهور الإعلامي بعد أن كانوا من الناشطين إعلامياً منذ انطلاق التظاهرات.

على الرغم من ذلك، ومع ارتفاع حصيلة ضحايا التظاهرات لغاية الرابعة من عصر أمس إلى 250 قتيلاً وأكثر من 11 ألف جريح ومصاب عدا عن 2500 معتقل، لا يبدو أن أياً من المتظاهرين أو من يمثلهم في بغداد أو جنوبي العراق لديه القدرة على الدعوة لوقف التظاهرات أو تجميدها، ولا حتى زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، الذي لا يبدو أنه على استعداد لخسارة حاضنته الشعبية، لا سيما في النجف وكربلاء ومدينة الصدر، ثقله الأبرز في العراق، إذ قدّمت هذه المدن الثلاث خسائر بشرية في هذه التظاهرات، وهو ما يجعل الجميع في مأزق أمام اتساع المطالبين بالتغيير الحقيقي.

وأطل الرئيس العراقي برهم صالح، في كلمة متلفزة وجهها إلى الشعب العراقي والمتظاهرين والقوات الأمنية عصر أمس، معلناً استعداده للموافقة على إجراء انتخابات مبكرة باعتماد قانون الانتخابات الجديد ومفوضية جديدة، كاشفاً أن عبد المهدي أعلن موافقته على تقديم استقالته شرط التفاهم بين القوى السياسية على بديل مقبول وفق السياقات الدستورية والقانونية، وبما يمنع حدوث فراغ دستوري. وأكد أنه "ليس هناك حلّ أمني... والقمع مرفوض، واستخدام القوة والعنف مرفوض".

واضاف: "إننا في رئاسةِ الجمهورية باشرنا فعلا عملاً متواصلاً من أجل قانون انتخابات جديد، مقنعٍ للشعب، ويعالج مشكلات القانون السابق ويسمحُ بانتخاباتٍ أكثر عدلاً وأشد تمثيلاً لمصالحِ الشعب بما في ذلك حق الترشح للشباب، وبما يحمي أصواتَ الناخبين ويمنعُ محاولات التلاعب والتزوير، واستبدال المفوضيةِ بمفوضية مستقلةٍ حقاً، ومن رجالِ القضاءِ والخبراء، وبعيدةٍ تماماً عن التسييس والمحاصصةِ الحزبية، مع إعادةِ تشكيلِ دوائرِها بمهنية وبعيداً عن الحزبية والتسييس"، مؤكدا "نتوقع في الأسبوع المقبل تقديم مشروعِ القانونِ الذي نعمل عليه بالتعاون ما بين دوائرِ رئاسةِ الجمهوريةِ وعددٍ من الخبراءِ المختصين والمستقلين إضافةً إلى خبراءِ الأمم المتحدة".

وأضاف: "سيكون من صالح الجميع أن ينجح المتظاهرون في التعبير بحريةٍ وسلام عن مطالبِهم، وأن تنجح قواتنا الأمنية بمهماتها في حفظ الأمن العام ومنع من تُسوّل له نفسه اختراق التظاهرات والإساءة لها"، مشيراً إلى أن "المطلوب هو إجراءات سريعة تقتضيها المسؤولية القانونية لمحاسبة المجرمين والمقصرين في استخدام العنف المفرط أثناء الاحتجاجاتِ الأخيرة وتقديمهم للعدالة عبر القضاء وحسم هذه الملفات بأقصى شعورٍ بالمسؤولية، والعمل بحرصٍ شديدٍ ودقيق لمنع أية محاولة للانفلات الأمني"، مشدداً على "أهمية أن يكون السلاح بأيدي الدولة. ونتوقع عملاً مضاعفاً، من الحكومة ومؤسساتها للشروعِ بتنفيذٍ فعلي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، الدولة وحدها، وليس بأيدي جهاتٍ منفلتة وخارجة عن القانون".
وأعلن صالح "المباشرة بإحالة ملفات فسادٍ إلى القضاء للبت فيها على وفق القوانين والأحكام السارية"، متابعاً "هذا الموضوع حساس وله أولوية متقدمة، يجب التعامل مع قضايا الفساد الكبرى بمنتهى الشفافية والإخلاص للقانون والحقوق العامة".

وجاءت التعهدات التي قدّمها صالح، بعد توافق من أبرز الكتل عليها، إذ كشفت مصادر لـ"العربي الجديد" أن الاجتماع الذي ضم أمس في قصر السلام ببغداد، زعيم كتلة "عطاء" فالح الفياض، وزعيم تحالف "الفتح" هادي العامري، وزعيم "دولة القانون" نوري المالكي، وزعيم الحزب الإسلامي رشيد العزاوي، وممثلين عن قادة كتل تعذر حضورهم الاجتماع من بينهم "التيار الصدري" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، انتهى إلى أن خيار استقالة عبد المهدي بات محسوماً بعد موافقة الأخير، بشرط أن يتم التوافق على اسم رئيس حكومة جديد، وهو الشرط الذي وضعه العامري، وأيّدته كتل عدة تحت مبرر الخوف من فراغ دستوري، على أن الاتفاق يؤكد أيضاً تشريع قانون جديد للانتخابات ومفوضية جديدة للانتخابات ثم الذهاب إلى تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة في العراق، مع تأكيد المضي بمشروع لجنة إعادة النظر ببعض فقرات الدستور.
ويذكر الرافضون لخطوة إقالة الحكومة أو دفع عبد المهدي للاستقالة، أن رئيس الحكومة الحالي تطلب أشهراً طويلة للتوافق عليه، واستبعاده من دون بديل يعني فراغاً دستورياً ومشكلة أكبر من الحالية.


وفي وقت لا يُعرف ما إذا كانت هذه القرارات أو الإعلانات من شأنها إعادة المتظاهرين، الذين تجاوز عددهم عشرات الآلاف في جنوب ووسط العراق تحديداً، إلى منازلهم، فإن مراقبين يرونها مبادرة أكثر من كونها خطوات إصلاحية، كونها لا تتضمن أي قرارات سريعة أو تغييرات جذرية في المشهد السياسي العراقي، خصوصاً أن هناك سوابق لوعود مماثلة لم تنفذ عام 2013 مع اندلاع الاحتجاجات في شمال وغربي العراق، ومن ثم تكررت مع احتجاجات البصرة عام 2018.

وقال عضو البرلمان عن تحالف "الفتح" عامر الفايز، لـ"العربي الجديد"، إن "حوارات أجراها رئيس التحالف هادي العامري مع عدد من قادة الكتل من أجل مناقشة ملف استبدال عبد المهدي وما ستؤول إليه الأزمة في حال عدم استقالته"، مبيناً أن "غالبية الكتل السياسية غير متمسكة به، ولكن الحديث الآن هو عن الشخصية البديلة وكيف يمكن اختيارها والتوافق عليها، ولكن بطبيعة الحال لا يوجد اعتراض شيعي على استبدال عبد المهدي".
وتحدثت مصادر إعلامية وأخرى مقربة من الصدر، لـ"العربي الجديد"، عن أن الأخير "يُهدد الحكومة والبرلمان بالإيعاز لجماهيره باقتحام المنطقة الخضراء في حال عدم الاستجابة لدعواته بشأن رحيل عبد المهدي"، مضيفة "في الوقت ذاته هناك خيوط تواصل بين أطراف عراقية مع طهران للتدخل بالضغط على الصدر من أجل التهدئة".

في السياق، أكد عضو "دولة القانون" المقرب من زعيمه نوري المالكي، سعد المطلبي، لـ"العربي الجديد" أن "بعض الجهات السياسية تضغط على عبد المهدي من أجل البقاء في السلطة، ولكنه غير متمسك بالسلطة، وقد كان واضحاً في رسالته الأخيرة، وأنه يتنازل مباشرة في حال توفر البديل". ولفت إلى أن "استقالة عبد المهدي في هذه الظروف تعني أن صلاحيات رئيس الحكومة ستتحول إلى رئيس الجمهورية برهم صالح، وهذا الأخير سيستغل الصلاحيات وقد يسحب القوات العراقية من كركوك ويُجير الصلاحيات لصالح كردستان".

في غضون ذلك، برز أمس تغير في خطاب عدد من السياسيين وحتى البرلمانيين ووسائل إعلامية باتت تحرض على التظاهرات. هذه التطورات فُسرت على أن تصريحات خامنئي الأربعاء أعطت الضوء الأخضر لمواجهة التظاهرات في العراق. لكن ناشطين عراقيين أكدوا لـ"العربي الجديد" أن "أساليب تسقيط وتسفيه المتظاهرين من قبل إعلام "اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإيراني"، (ويقصد بها اتحاد الإذاعات والتلفزيونات في إيران، الجهة المشرفة على تمويل نحو 70 قناة فضائية ومحلية وصحيفة وموقع إخباري وإذاعة في العراق)، باتت قديمة ومستهلكة، وأسلوب التهم الجاهزة اعتاد المتظاهرون عليه، مشيرين إلى أن "المحتجين عازمون على البقاء في الساحات التي يسيطرون عليها منذ شهر كامل، ولن يتراجعوا من دون تنفيذ مطالبهم، وأولها استقالة عادل عبد المهدي".

بالتوازي، شهدت خارطة التظاهرات دخولاً غير متوقع لمحافظة ديالى شرقي العراق، إذ سجلت مدن عدة فيها تظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة على الرغم من التشديد الأمني وانتشار عناصر "الحشد الشعبي" في المحافظة. كما شهدت بغداد تظاهرات واسعة أمس، في وقت يُتوقع فيه أن يتضاعف العدد اليوم الجمعة بسبب العطلة ودعوات أطلقها ناشطون لإطلاق حمائم سلام وتوزيع طعام وجمع تبرعات لذوي قتلى التظاهرات والمصابين أيضاً. فيما شهدت النجف وكربلاء والبصرة وذي قار وواسط والمثنى والقادسية وبابل ومدن أخرى تظاهرات واسعة شارك في بعضها رجال دين وشيوخ عشائر وسط تواصل عمليات تعزيز الشوارع بالجيش والشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة.
وقال ناشطون في مدن جنوبي البلاد، إنه من المتوقع أن تشهد اليوم الجمعة تظاهرات في مدن أخرى يجري التحضير لها من بينها قرى ميسان وواسط والأهوار في العمارة، وسط ترقب لاجتماع عشائري لقبائل جنوب العراق يعقد في كربلاء لبحث تصعيد القمع الحالي ضد المتظاهرين في جنوب البلاد.

(شارك بالتغطية من ذي قار: محمد علي)