العراق: استغلال كردي و"صحوات" محتملة وسيناريو سوري

06 يوليو 2014
استراحة مقاتل من "البيشمركة" عند حدول كركوك (GETTY)
+ الخط -

يحفل الموقف الميداني العام في العراق بتطورات متتابعة، لها أبعادها وانعكاساتها على ما يمكن أن يتبلور من مستجدات في الأيام المقبلة. ويتوقف توقع ذلك على معرفة اللاعبين الرئيسيين على الساحة العراقية في هذه الأيام الملتبسة، والمحليين منهم، وهم: قوى الثورة المتمثلة بالمجالس العسكرية وثوار العشائر، ثم الدولة الإسلامية (داعش سابقاً)، والحكومة العراقية وميليشياتها، وإقليم كردستان. واللاعبون الإقليميون هم: إيران والنظام السوري وتركيا والسعودية. واللاعبون الدوليون هم: الولايات المتحدة وحلفاؤها وروسيا.

استثمار كردي


تعمل هذه القوى منفردة، أو بتفاعلها سلباً، أو إيجاباً مع القوى الأخرى، على صياغة المشهد العراقي الراهن، وتطوراته. ومعروف أن أي فعل لا يمكن أن ينطلق من فراغ، وهكذا، فإن واحداً من أخطر الأفعال التي شهدتها الساحة العراقية، أخيراً، هو سعي إقليم كردستان إلى تنظيم استفتاء في المناطق "المتنازع عليها" للقرار على ضمها إلى الإقليم، وهو إجراء فهم على أنه دعوة للانفصال عن العراق، وإعلان الدولة الكردية المستقلة. وما دفع باتجاه هذا الإجراء، كان الانهيار الكبير الذي لحق بالجيش النظامي، على الرغم من تدريبه وتسليحه المتقدم، وانهيار قواه بشكل أصاب الجميع بالصدمة، ومنهم قيادة إقليم كردستان التي تحركت سريعاً للاستفادة من الظرف المناسب الذي وجدته أمامها، بعدما ترك الجيش مواقعه.

وتدعو المادة 140 من الدستور العراقي الحالي، والتي يرغب الأكراد بتطبيقها من جانب واحد، إلى تنظيم استفتاء على الأراضي التي أطلق عليها "المناطق المتنازع عليها "، وهو تعبير يحمل شيئاً من العدوانية، إذ لا يصح أن يتنازع الكيان الوطني مع أحد روافده على عائدية أراضٍ، وقد خان المشرع الذي كتب المادة المذكورة المليئة بالثغرات التعبير والحصافة اللغوية في آن. فالاختلاف على الحدود الإدارية للمحافظات ليس أمراً غريبا، لكن النزاع هو الغريب.


وقد تزامن طلب رئيس الإقليم، مسعود برزاني، من البرلمان الكردستاني، تشكيل هيئة عليا للانتخابات (وهي سلطة سيادية لا تصح إلا على المستوى القطري)، مع إعلانه أن قوات الأكراد (البشمركة) لن ينسحبوا مما احتلوه، أو (حرّروه؟)، ما يعني أن نتيجة الاستفتاء أعدت سلفاً، فماذا سيحصل لو فرضنا، سلفاً، أن نتيجة الاستفتاء ستأتي سلبية، وهو متوقع في مناطق كثيرة (متنازع عليها)؟ هناك مناطق ستصوت بنعم بالتأكيد، وهي القضاءان مخمور وعقرة، لأغلبيتهما الكردية الواضحة، وهما لم يلحقا بمنطقة الحكم الذاتي عام 1974، عندما طبق قانون منطقة كردستان للحكم الذاتي، بسبب أن أهالي قضاء عقرة صوتوا بحرية تامة في استفتاء أجري لهم لاختيار الانضمام للحكم الذاتي، أو البقاء ضمن محافظة نينوى (الموصل). واستثني قضاء مخمور، لأنه جَيب كردي في منطقة عربية، مع وجود أقلية عشائرية عربية وازنة فيه. أما كركوك وأقضيتها، فستصوت ضد الانضمام إلى الثقل التركماني البيّن في المدينة المختلطة بين العرب والكرد والتركمان والمسيحيين، علماً أن المدينة كانت تركمانية الهوية، في سابق أيامها، وكذلك أقضية داقوق وطوز خورماتو التركماني. وتسكن قضاء الحويجة أغلبية عربية واضحة، لذلك، تقتضي العدالة أن يضاف إلى ما يخص كركوك خيار من بين ثلاثة اختيارات: البقاء مع المركز، أو التمتع بوضع إقليم فيدرالي، أو الانضمام لإقليم كردستان. وبشأن المناطق غرب دجلة، فهي تسكنها أقلية كردية واضحة في أقصى الزاوية الشمالية الغربية، في حين أن بقية عشائرها عربية، مثل طي وشمر والبو متيوت، والجبور، والعقيدات، والنعيم وغيرهم. وعن قضاء سنجار، فهو يتشكل من جبل سنجار والسهوب إلى جنوبه وشماله. والسهوب تسكنها قبائل عربية، والجبل يسكنه اليزيديون الذين، على الرغم من أنهم يتحدثون بلهجة كردية، إلا أنه لا شيء آخر يجمعهم مع الكرد، لكن الجبل ذو قيمة استراتيجية للإقليم، بالنظر إلى ما يربطه بالحسكة السورية وجبل عبد العزيز في سورية. ومن هنا، جاءت مطالبة الأكراد بالبعاج، منفذ الاتصال بالجزيرة السورية. أما قضاء خانقين، فالأرجح أن يختار الانضمام إلى الإقليم للأغلبية الكردية فيه، ما لا ينطبق على قضائي مندلي وبدرة.

"داعش" و"الصحوات" المحتملة

الموقف المتجدد بين الإقليم والمركز سبب خطير، أضافه ضعف المركز وتركيزه على سياسة التهميش والإقصاء التي طالت كلاً من العرب السنة والكرد. تقتضي المصلحة الوطنية أن يبتعد الجميع عن التهديد والإجراءات الأحادية، وانتظار ظروفٍ أكثر أمناً، وشفافية لحل هذا الاشكال. وتعديل الحدود الإدارية ليس مشكلة بحد ذاته، لكن فرض التعديل هي المشكلة التي لا يحتاجها العراق في هذا الظرف المتفجر.

القضية الثانية محلياً كانت إعلان أبو بكر البغدادي الخلافة، وتبديل اسم تنظيمه إلى الدولة الاسلامية، وإلزامه "الرعية" بمبايعته، وهو أمر أثار إحباطاً لدى ثوار العشائر، وهم الشريك القوي في التحرك المسلح في المناطق العربية السنية الجاري حاليا. وقد تبدى امتعاض هذه الجهات ببيانات رسمية وتصريحات صدرت عن هيئة علماء المسلمين ومفتين من مشايخ الدين السنة، وحزب البعث العربي الاشتراكي وغيرهم. والقضية شائكة فعلاً، وتهدد بشرخ كبير، قد يطال قوى الحراك المسلح، وهو أمر إن حصل، فسيدفع باتجاه السيناريو الأسوأ، وهو النمط السوري الذي يقاتل فيه الثوار "داعش"، ويقاتل النظام السوري فيه الثوار، وبهذا يكون الثوار ضحية قوتين، وهو أمر إن انتقل إلى الساحة العراقية فستختلط الأوراق، وتجد الحكومة العراقية، ومن ورائها إيران، والولايات المتحدة الأميركية، منفذاً لإيجاد حالة صحوات جديدة، وفق ما شهدنا في أثناء قتال الصحوات تنظيم "القاعدة".



ميدانياً في 3 بؤر

ميدانياً، هناك ثلاث بؤر متفجّرة، هي تكريت والأنبار وحزام بغداد. وأصبحت تكريت رمزاً تسعى الحكومة وميليشياتها وحلفاؤها الإيرانيون إلى استعادتها، وقد جابهت من الجانب الآخر عزماً وإصراراً على منعها. وتم، في الأسبوع الماضي، تنفيذ عمليات عدة على المدينة من محاور مختلفة، وبمحاولة تدعيم موطئ القدم الذي استمرت الحكومة بالاحتفاظ به في قاعدة سبايكر، فكالت القوات الحكومية خسائر فادحة بالأرواح، وهو أمر محتمل، لأن الحكومة تتذرع بالمتطوعين الذين لبوا دعوة الجهاد، من دون تدريب. وشهدت معارك تكريت سقوط أول طائرة سوخوي من التي زجتها الحكومة، ويظن، على نطاق واسع، أنها إيرانية، وكان يقودها العقيد الطيار الإيراني، شجاعت علمداري، والذي اعترفت الحكومة الإيرانية بمقتله، ونقلت مراسيم تشييعه.

وأفادت مصادر المسلحين بأن مروحيات تم إسقاطها في معارك تكريت، ونشرت صور لبعضها، واستهدف طيران الحكومة المدينة، وبنيتها التحتية، وأوقع خسائر في أوساط المدنيين الذين لجأ عديدون منهم إلى النزوح طلباً للأمان. وإلى جنوب سامراء، اندلعت معارك شرسة عند الإسحاقي والطارمية، وناحية يثرب بين المسلحين وقوات الحكومة وميليشياتها. ويصح الموقف نفسه على حزام بغداد الجنوبي حيث لا زالت المعارك اليومية محتدمة بين الطرفين من دون أن تستطيع قوات الحكومة إزاحتهم من مواقعهم.


في الرمادي، ومحافظة الأنبار عموماً، لا زالت طائرات النظام السوري تستهدف المدنيين في مدن القائم وراوة، ولا يزال حلفاء الحكومة من "الصحوات" على مواقفهم، ومعهم عشيرة الجغايفة في حديثة. وفي الرمادي تحديداً، حقق المسلحون تقدماً باتجاه مرتكز القوة الرئيس في المحافظة، وهو لواء المشاة الثامن.

وترك أفراد قوات الحدود العراقيون من منتسبي لواء الحدود التاسع، وعددهم 2500 فرداً مع ضباطهم النقاط الحدودية، بعد استلامهم أوامر بذلك، ما جعل الحدود العراقية السعودية مكشوفةً من الجانب العراقي. وعلى الجانب السعودي، حشدت المملكة، للمرة الأولى في تاريخها، ثلاثين ألف مقاتل على الحدود مع العراق، في إجراءٍ استباقي لما يمكن أن يحصل نتيجة الفوضى الضاربة أطنابها في العراق، واحتمالات تفكك الدولة، والتي ستأتي بتهديد من الميليشيات الشيعية التي ستساندها إيران ومن "داعش".

مواقف إقليمية ودولية

كانت إيران الوحيدة (والنظام السوري) من الدول الإقليمية التي أعلنت موقفاً صريحاً بإسناد حكومة نوري المالكي، وأسهمت فعلاً في الأعمال القتالية، ما يعطي الموقف بعداً متشابكاً، قد يزج بقوى أخرى إلى المجابهة. ولا زال الموقف التركي لفظياً ومائعاً، حتى على إعلان إقليم كردستان نواياه بشأن تقرير المصير.

أما بشأن الولايات المتحدة، فإن ما تعلنه لا يتناسب مع حجمها وقدراتها، ولا زالت تتخبط بين تأييد المالكي الذي أضحى، الآن، وبتحدٍ كبير مستأثراً بالسلطة، رافضاً أي جهد يبذل لتداول سلمي للسلطة، والتأكيد على وحدة العراق، في رد على مسعى الكرد، بين تسليح المالكي والتأني بذلك، بعد أن كان تقييم خبرائها القدرة القتالية للقوات العراقية متدنياً.

لا تزال روسيا على موقفها المعلن من تأييد حكومة المالكي، ما سيزيد من احتمال إمداده بالسلاح في الأيام المقبلة، والاستعداد لإجهاض أي مسعىً دولي، إذا ما قيض للملف العراقي بالعرض على مجلس الأمن، وعلى نمط ما جرى للنظام السوري.
وفي الخلاصة أن الموقف العراقي يسير، بلا هوادة، إلى سيناريو يشبه المشهد السوري، ما لم يتم الدخول إلى بغداد، الأمر الذي سيفتح احتمالات تطور للموقف متعدد الأبعاد.