الطبقة الوسطى تودّع روسيا

24 ديسمبر 2018
الصورة
يتسوقان (مايكل تيريشنكو/ Getty)


ما كان لأزمات الاقتصاد الروسي التي بدأت في عام 2014 أن تمرّ من دون أن تؤثّر سلباً على أوضاع الطبقة الوسطى الروسية، في ظل ارتفاع عدد الفقراء إلى ما يقارب 20 مليوناً أو أكثر من 13 في المئة من إجمالي عدد السكان البالغ 146 مليون نسمة.

وفي غياب تعريف واضح للطبقة الوسطى ومستواها المعيشي، خرجت دراسة حديثة أجرتها شركة "إبسوس" للدراسات التسويقية بنتيجة، مفادها أن المواطن الروسي ينتمي إلى الطبقة الوسطى في حال كان يملك سيارة من طراز أجنبي، ويكون قادراً على تأمين مصاريف الدراسة الجامعية لأبنائه والتأمين الصحي، والسفر إلى الخارج أكثر من مرتين سنوياً، على ألّا يقل نصيب الفرد في دخل الأسرة عن 70 ألف روبل (أكثر من ألف دولار أميركي) شهرياً في موسكو، أو أقل في مدن أخرى.

وانطلاقاً من هذه المقاييس، تبلغ نسبة المنتمين إلى الطبقة الوسطى 13 في المئة فقط من إجمالي عدد السكان، بمن فيهم الشريحة العليا من الطبقة التي يرتفع دخل الأسرة المكوّنة من ثلاثة أفراد فيها، إلى نحو 4 آلاف دولار شهرياً، كما يملك 95 في المئة منهم سيارات فاخرة مثل "تويوتا" و"بي إم دبليو" و"أودي" وغيرها.

وخلص معدّو الدراسة، إلى أنّ ممثلي الشريحة العليا من الطبقة الوسطى الروسية يظهرون أنماطاً استهلاكية مثل الطبقة ذاتها في الغرب، لكنّ نسبتهم بين إجمالي عدد سكان روسيا أقل بمقدار 3 أو 4 أضعاف بالمقارنة مع الدول الغربية. في هذا الإطار، يقول الناشط اليساري إيغور ياسين، إنه يصعب الحديث عن وجود أي طبقة وسطى في روسيا، معتبراً أن هذا المصطلح لا يعني معدلاً معيناً للدخل فحسب، وإنما مستوى وعي سياسي وتقاليد وثقافة.



ويقول ياسين لـ "العربي الجديد": "منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، حدث تفاوت كارثي للسكان بين ثراء فاحش وفقر مدقع. وأتاحت أسعار النفط المرتفعة إخماد التفاوت الكبير لفترة ما، لكن هذه الفترة مضت، على الرغم من أن مستواها ما زال مرتفعاً نسبياً".

ويذكّر بأن العاصمة الروسية موسكو تعد من المدن الرائدة عالمياً، لناحية عدد أصحاب المليارات، بينما تحول منظومة الإدارة الفاسدة التي تشكلت في التسعينيات دون تشكيل طبقة وسطى صامدة بالمفهوم الغربي. على الرغم من ذلك، يشير إلى أن الغرب يعاني هو الآخر تراجع الطبقة الوسطى، الأمر الذي تعكسه الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا.

ومن مؤشرات تركّز رؤوس الأموال في روسيا بين أيدي طبقة محدودة من الأوليغارشيا، بيانات مجلة "فوربس" العالمية لعام 2018، التي أظهرت أن إجمالي ثروات أغنى 200 شخصية في روسيا تبلغ 485 مليار دولار، متجاوزاً بذلك احتياط روسيا من النقد الأجنبي البالغ حالياً 464 مليار دولار تقريباً.

وسبق للحكومة الروسية أن أعلنت في منتصف العام المنتهي، الرفع التدريجي لسنّ التقاعد بحجة زيادة الرواتب ومواكبة التغييرات في هيكل الهرم السكاني. إلا أن ياسين يتوقّع أن يزيد هذا الإصلاح من إفقار عدد كبير من الفقراء أصلاً، مشيراً إلى أنه لا مجال للحديث عن تلاشي الطبقة الوسطى في روسيا، لأنها لم تتكون بشكل كامل بعد.

وكانت دراسة سابقة أعدّتها وكالة "أكرا" للتحليل والتصنيف الائتماني في منتصف عام 2018، قد أظهرت أن الحد الأدنى للأجر المطلوب للانتماء إلى الطبقة الوسطى، يبلغ نحو ألفي دولار في موسكو ونحو ألف دولار في معظم الأقاليم الروسية، قبل حسم ضريبة الدخل بنسبة 13 في المئة.



وحدّد معدّو الدراسة ممثلي الطبقة الوسطى بأنهم أصحاب أقصى نشاط اقتصادي، ويستهلكون منتجات ذات جودة عالية، محفزين بذلك مختلف أنواع الصناعات الحديثة، وتنمية الأعمال وخلق فرص عمل ذات معدلات إنتاجية مرتفعة، كما أنهم يملكون عقارات وسيارات، ويسافرون إلى الخارج ويدخرون.

وبحسب "أكرا"، فإن المجتمع الروسي يتسم بتفاوت كبير في معدل الأجور، إذ يبلغ الفرق بين دخل العشرة في المئة الأعلى أجراً والعشرة في المئة الأقل أجراً نحو 15 ضعفاً.
يذكر أن الاقتصاد الروسي عاش منذ عام 2014 أوقاتاً عصيبة، في ظل تدني أسعار النفط وفرض عقوبات غربية من جراء الوضع في أوكرانيا. وبلغت هذه الأزمة ذروتها عام 2015، حين انكمش الاقتصاد بنسبة 3.7 في المئة، وسط تهاوي سعر صرف الروبل، وتعثّر مئات المصارف والشركات الكبرى في مختلف القطاعات، لتصبح الطبقة الوسطى من أوائل الذين دفعوا الثمن.