الضفة الغربية ومسيرات العودة

23 مارس 2019
الصورة
أولويات الحياة تبدلت عند كثيرين في الضفة (عصام ريماوي/الأناضول)
لطالما شكل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، والقدس، وقطاع غزة، وأراضي عام 1948، والشتات حالة وطنية واحدة، ووحدة شعورية متناغمة يجمعها تطلعات وآمال بإنجاز التحرير وهدف تقرير المصير، خصوصا المناطق التي خضعت للاحتلال عام 1967، فما يحدث في الضفة يبلغ صداه في قطاع غزة، وما يعانيه قطاع غزة يجد ارتداداته في الضفة والقدس المحتلتين، هكذا كان في انتفاضة الحجارة الأولى عام 1987 عندما تفجرت في غزة ثم انتقل لهيبها خلال أيام الى الضفة الغربية والقدس، وهكذا انتفاضة الأقصى عام 2000 عندما انطلقت شراراتها من المسجد الأقصى في قلب القدس لتشتعل الضفة وغزة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت كسراً لهذه القاعدة خاصة الضفة الغربية التي بدت وكأنها جزيرة منعزلة بدءا من حرب غزة الأولى عام 2008-2009 ومروراً بالثانية والثالثة، وانتهاءً بمسيرات العودة وكسر الحصار، ورغم إصرار السلطة الفلسطينية وتأكيدها على تمسكها بخيار المقاومة الشعبية ونهج النضال السلمي، إلا أن تعاطيها إعلامياً وميدانياً مع مسيرات العودة خلال عام كامل من حراكها يتناقض تماماً مع هذا الخيار الاستراتيجي، ومن جانب آخر فإن ردة الفعل الشعبية لم تكن بالمستوى المتوقع لا شكلاً ولا مضموناً حتى في يوم الملحمة العظيمة والتي سقط فيها اكثر من 65 شهيدا وثلاثة آلاف جريح على حدود غزة الشرقية في ذكرى إعلان دولة الكيان واحتفالات نقل السفارة الأميركية الى مدينة القدس، فلم تلتحم الجماهير في الضفة الغربية مع الثائرين في غزة رغم ضخامة الحدث، ولم تخرج تظاهرات سلمية بأعداد معتبرة لا على خطوط التماس مع المستوطنات أو الجدار ولا في قلب المدن.

يمكن إرجاع هذه السلبية الملحوظة في تعاطي الضفة الغربية مع مسيرات العودة لأسباب تتعلق بالسلطة الفلسطينية كجهة مسيطرة على الأوضاع في الضفة، والاحتلال الإسرائيلي، وأخرى تتعلق بالحالة الشعبية والمزاج الجماهيري العام الذي يعول عليه أكثر في التفاعل مع متغيرات أحداث كبرى كمسيرات العودة.

أولاً: السلطة الفلسطينية

كان من الواضح منذ الأسابيع الأولى لانطلاق مسيرات العودة نظرة السلطة الفاترة في الظاهر، والمتحاملة وتحركها ميدانياً لمحاصرة أي شكل تضامني في الباطن، والاجتهاد في الحيلولة دون امتداد الفعل الجماهيري الى الضفة الغربية، وكان للسلطة الفلسطينية أسبابها؛ إذ تخشى السلطة الفلسطينية في حال خروج الجماهير بكثافة في الضفة الغربية للاحتجاج سلمياً إلى تطورها وتحولها تدريجياً إلى انتفاضة مسلحة على غرار انتفاضة الأقصى بحيث تقضي على ما تبقى من منجزات السلطة ومؤسساتها ذات الصبغة السيادية في ظل وجود حكومة يمين الأشد تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية وتنظر بريبة إلى السلطة رغم كل ما تقدمه وما زالت.
وإذا لم تتحول إلى مسلحة وبقيت في إطار السلمية فإن السلطة وبخبرة السنوات الماضية في تعامل الإسرائيليين معها فإنها تخشى الضغوط والابتزاز الإسرائيلي وربما ابتزاز دول أخرى بإيعاز من إسرائيل، في وقت ترى فيه السلطة أن المرحلة وتحدياتها تقتضي تقليص المخاطر ما أمكن.

ومن زاوية أخرى فإن قيادة السلطة اعتبرت أن حركة حماس هي من تقف خلف مسيرات العودة، ولجأت إليها كمخرج من الضائقة الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية التي وقعت بها، وتكتيك ميداني للضغط على إسرائيل ومن ثم مصر والسلطة لتخفيف حالة الحصار، والمناورة لامتصاص غضبة الشارع والحيلولة دون انفجار الوضع الداخلي في وجه الحركة، في وقت كانت فيه السلطة تتحرك مع أطراف أخرى بجد لإطباق حالة الحصار وسد أي ثغرة ممكنة، لأن نجاح حماس في ذلك يقوض كل مساعي السلطة وعقوباتها في تقويض الحركة والدفع بانهيار حكمها والتي بدأتها منذ مارس/ آذار 2017.

على هذه الأرضية تحركت السلطة على الصعد الميدانية والإعلامية والاستخباراتية لمواجهة أي تحرك يفضي إلى تعميم تجربة مسيرات العودة من غزة إلى الضفة الغربية، حتى امتدت جهود أجهزة أمن السلطة وأدواتها الإعلامية إلى غزة من خلال إصدار أوامر إلى عناصر فتح بعدم المشاركة في المسيرات وبث الإشاعات والترويج إعلامياً بادعاء توظيف حماس للجماهير لمصالح خاصة بها، وتسليط الضوء على التبعات الإنسانية وعدد الضحايا الكبير في مقابل غياب أي إنجازات حسب زعمهم.

ثانياً: المزاج الشعبي العام في الضفة

التجاوب السلبي مع مسيرات العودة في الضفة الغربية لم يقتصر على السلطة الفلسطينية فقط، بل له سبب آخر ربما أهم يتعلق بالحالة المزاجية والنفسية العامة، رغم نماذج المقاومة البطولية الفردية أو من بعض المجموعات المتناثرة زماناً ومكاناً التي تشهدها الضفة الغربية بين الفينة والأخرى، فقد أوجد نموذج السلام الاقتصادي الذي تم تدشينه في الضفة الغربية بعد صيف عام 2007، وحجم الأموال المباشرة والغير مباشرة التي تدفقت على الضفة الغربية طبقة متضخمة من الأثرياء ورجال الأعمال وكبار موظفي القطاع المدني والأمني التابع للسلطة الفلسطينية تقاطعت مصالحهم مع استمرار واقع الضفة الغربية على ما هو عليه، وتغيير واقع الضفة بانتفاضة سلمية أو مسلحة أو تحرك إسرائيلي لأي سبب كان يشكل خطراً على مصالحهم وعلى ما أسسوا له طوال السنوات الماضية.

ومن الملاحظ أيضاً تغير في الثقافة الوطنية العامة في الضفة الغربية خلال العقد الأخير، وتحول في منسوب الروح الثورية وقيم التضحية والفداء التي تميزت فيها الضفة خلال الانتفاضتين، لصالح النفعية وتفضيل المصالح الشخصية والانشغال أكثر في قضايا عامة بمعزل عن القضايا الوطنية رغم كل التحديات والمخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية، والسعي الإسرائيلي بدعم أميركي لحسم قضايا الصراع الجوهرية؛ القدس واللاجئين والحدود، هذه النفعية لم تكن وليدة السنوات القليلة الماضية، بل هي مخرج متوقع لسياسات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل التي بلورت أسس السلام الاقتصادي بدعم أميركي أوروبي منذ عقد من الزمان، عنوانها تسهيلات اقتصادية وافساح المجال أمام المؤسسات الدولية والدول المانحة لضخ أموال كبيرة لميزانية السلطة، ومشاريع إسكان وبنية تحتية كبديل عن الحل السياسي الذي تلاشى مع انهيار حل الدولتين، وعملت إسرائيل بشكل ممنهج لإيجاد وفرة من المال لأكبر عدد ممكن من سكان الضفة تؤدي إلى نوع من الرفاهية والرخاء ترسخ منافع ومصالح فردية يُخشى فقدانها، لذلك لجأ ما يسمى بـ" منسق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية " لتقديم تسهيلات للتجار ورجال الأعمال، وتسهيل الحركة التجارية على المعابر، والسماح بمرونة عالية لحركة الأفراد على معبر الكرامة للسفر للخارج، ومنح عشرات الآلاف تصاريح عمل داخل مدن الكيان وفي مستوطنات الضفة الغربية.


ثالثاً: الضغط الأمني الإسرائيلي

رغم جهود السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي تنسق مع نظيرتها الإسرائيلية في كبح أي تحرك جماهيري واسع، إلا أن الأجهزة الأمنية التابعة للاحتلال لها منظومتها الاستخبارية الخاصة بها، التي تتابع عن كثب كل التطورات الميدانية في الضفة، ولجأت إلى أسلوب الضغط المتواصل عبر الملاحقات والاعتقالات اليومية، وتغييب كل نشاط ميداني أو إعلامي وكل بادرة لحركة جماهيرية واسعة.
تعليق: