الصهاينة والشيعة وواشنطن

07 سبتمبر 2017
الصورة
قبل عدوان يونيو/حزيران 1967، صدّق بعض الأميركيين عنتريات العرب ودعاية الصهاينة عن مصير اليهود، وخافوا على إسرائيل من الاكتساح العربي الوشيك، وانتقدوا الرئيس الأميركي يومذاك، ليندون جونسون، لاعتقادهم أنه يترك الحمل الإسرائيلي الوديع بين أنياب الذئاب العربية. ثم، وبعد هزيمة مصر وسورية والأردن بالضربة القاضية من الثواني الأولى لجولة الحرب الأولى، سأله أحد من انتقدوه قبل أيام: لماذا تراهن على ثلاثة ملايين إسرائيلي ضد ثلاثمائة مليون عربي، فأجابه بجلافة: لأن هذا هو الصحيح.
هل أقنع النموذج الإسرائيلي واشنطن بالرهان على أقليةٍ أخرى، هي شيعة إيران التي تصارع أغلبية عددية هي سنّة المسلمين، بعد أن نجح في الاستيلاء على فلسطين، وأنزل هزائم متعاقبة بالعرب، زلزلت كياناتهم، وأبقتهم تحت عتبة سياسية ما قبل وطنية، واجتماعية ما تحت قبلية، واقتصادية أقل من ريعية، ودينية وثنية/ جاهلية، وثقافية ما قبل فكرية ومعرفية، حالت دون تفاقم تبعيتهم في الخارج، واحتجازهم التأخري في الداخل.
بات ضروياً طرح هذا السؤال، لأسباب منها تشابه أوضاع إيران مع الوضع الإسرائيلي، فهي كيان سلاحي يستقطب الشيعة خارجه، ويستخدمهم ضد مجتمعاتهم، كحزب الله في لبنان الذي يعتبر وحدة حرس ثوري تحتل بلادها لصالح إيران، التي تتكفل بتمويل شيعة من مختلف البلدان، وتدريبهم وتسليحهم وتوحدهم أيديولوجيا في نظرية ولاية الفقيه التي تأمرهم بالرضوخ المطلق لما يصدر من فتاوٍ، ويتخد من مواقف، وينسب من توجيهات وإرشادات لنائبه مرشد "جمهورية إيران الإسلامية" الذي يدمجهم إيمانهم بعصمته وليا لأمر المسلمين، بالنيابة عن نائب الإمام الغائب صاحب الزمان، واقتناعهم بصحة ما يفعله أو يقوله، وبسياساته التي تعتبرهم فرعا تكوينيا من كيان إيران الوطني، لم يعد، منذ انتصار ثورة الخميني، جزءا من وطنه، عليه الخضوع لدولته، بل صار إيرانيا يعيش تحت حكومة غير شرعية.
في مقابل هذه الوقائع التي أنتجها نجاح طهران في بناء مركز/ مرجعية للمسلمين الشيعة، يستخدمهم أذرعا له في كل مكان، نجد عالما إسلاميا آخر، تسوسه حكومات ضعيفة الشرعية، تبث سياساتها قدرا عظيما من الفوضى فيه، تجوع قطاعات واسعة من شعوبه، وتمعن في تجاهل ما يعانيه من بطالة وأمية وحرمان واضطهاد، ومن تلاعب بتناقضاته الموروثة أو المصطنعة، في حين تتسم علاقات حكوماته بقدرٍ مخيف من الشقاق وتناقض الرؤى والمواقف والمصالح، وتعتمد غالبا على الأجانب في حماية حكامها وإبقاء شعوبها خاضعة مهمشّة، فهم لا يفرون أو يتصرفون كحكام وطنيين أو قوميين أو مسلمين أو إنسانيين. لذلك يديرون بلدانا يؤمنون إن شعوبها هي عدوهم الأكثر خطرا عليهم، وأن استجارتهم بالخارج تتفق مع مصالح دولتهم التي ليس فيها من الدول غير اسمها. هذا العالم الإسلامي بسكانه الذين يبلغون مليارا من البشر يفتقر إلى مركز موجه، أو تنموي، أو تضامني، أو تحكيمي، أو تواصلي، أو تكاملي... إلخ. أما مؤسسات التعاون الإسلامي فهي جهات بيروقراطية، لا حول لها ولا طول، ليس لديها موارد، أو خطط تخدم المسلمين، أو صلاحيات تتيح لها التدخل في خلافاتهم، من أي موقع فاعل، فلا عجب أن صلات العالم السني بعضه ببعض تكاد تتلاشى تماما، بينما تتوطّد علاقات العالم الشيعي ببعضه، وبمركزه التوجيهي الذي يكرّس قسما كبيرا من موارده لخدمة مكوناته، ويوزّع مخصصات شهرية ثابتة على الشيعة الأفراد في المناطق ذات الأهمية الخاصة، كجنوب لبنان.
قال الرئيس الاميركي جونسون بعد هزيمة العرب عام 1967: من الصحيح دعم ثلاثة ملايين يهودي (كان هذا عددهم) منظمين، ومدربين، ومزامنين للعالم، ويعرفون كيف يحكمون قبضتهم على عشرات الملايين من جيرانهم العرب: أسرى العقل الماضوي والتقاليد العتيقة، ويسعدهم الجهل بأنفسهم وبالعالم، والخوف من الجديد والمغاير، ويحبون التجارب الفاشلة التي قامت بقفزاتٍ كبيرة على سيقانٍ من خشب، ومشاريع حرقت المراحل بقدراتٍ هزيلة فات زمانها.
ماذا سيقول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لو سئل اليوم عن علاقات بلاده مع العرب وإيران؟ أليس مرجحا جدا أن يقول ما قاله جونسون أمس عن إسرائيل: ندعم الشيعة المنظمين، ولهم قياده موحدة ومحنكة ضد سنة الفوضى الذين لا مكان لهم في الحاضر والمستقبل، ويفضلون إخفاء رؤوسهم في رمال الماضي، لأن هذا هو الصحيح. سؤالي إليك قارئي العزيز: ألا تعتقد أنت ذلك أيضاً؟