الشهيد المقدسي ثائر أبو غزالة: وردة بميلاده العشرين

31 اغسطس 2016
الصورة
والدة الشهيد تحتفل بعيده العشرين على طريقتها(العربي الجديد)
+ الخط -
وردة واحدة من أصل عشرين وردة أبقتها والدة الشهيد الفلسطيني ثائر أبو غزالة، من سكان البلدة القديمة من القدس؛ لتحتفل على طريقتها بعيد ميلاده العشرين وهي تودع جثمانه، فقبل عام وفي مثل هذه الأيام كان ثائر يلج عامه التاسع عشر، وكان يومها يحتفل بعيد ميلاده كما غيره من الأقران.

كان ثائر كلما التقى أمه عبير أبو غزالة في الخليل عانقها وقبل يدها، وهي البعيدة عنه في الجنوب الفلسطيني، إذ حرمها الاحتلال، قبل أن تنفصل عن زوجها، من حق أساسٍ وهو جمع شملها مع الزوج والولد بدعوى عدم حيازتها تصريح إقامة، وإنها تحمل بطاقة هوية الضفة الغربية.

لقد حرم القانون الاحتلالي، الذي يمنع لمّ شمل الأزواج المقدسيين مع زوجاتهم من مواطنات الضفة الغربية من الاجتماع تحت سقف بيت واحد. وعبير أم الشهيد ثائر، واحدة من آلاف الزوجات المحرومات من الإقامة الدائمة مع أزواجهن بسبب هذا القانون الاحتلالي.

بعد نحو ثلاث ساعات من الانتظار عند مدخل شارع صلاح الدين في القدس المحتلة، حيث مقبرة المجاهدين، وحيث ووري جثمان نجلها ثائر هناك، فجر أمس الثلاثاء، التقى "العربي الجديد" والدة الشهيد أبو غزالة، كان وجهها المغتسل بالدمع يحكي قصة أم اختارت أن تودع فلذة كبدها بوردة احتفظت بها في يدها ولنفسها، وعلى قبر الشهيد أبقت تسع عشرة وردة.

قالت عبير، وقد بدا التأثر عليها لجمع من الصحافيين تجمعوا حولها، إن "رائحة ثائر حوّلت القبر إلى روضة من مسك وعنبر، كان وجهه شعاعا من نور".

لم تجد عبير جواباً لسؤال عن حرمانها من أن تحتفل بعيد ميلاد ابنها في العشرين من أغسطس/آب الجاري، فحين رحل ثائر كان قد احتفل للتو بعيد ميلاده، ولما عاد مجدداً يحمل روحه ودمه وبقايا من صقيع الثلاجات، عاد إلى حضن أمه وقد شارف العشرين.

شهوره العشرة الأخيرة أمضاها ثائر في ثلاجات الاحتلال، كانت دهراً لا يعد من السنوات، لكن الأصعب والأقسى على الأم لحظات الانتظار الطويلة التي أمضتها داخل باب الساهرة في البلدة القديمة من القدس، بعد أن أغلق جنود الاحتلال باب القدس على عائلة الشهيد، وكان الوصول للقدس أكثر صعوبة، حيث تتطلب مشاركة أم ثائر في وداع نجلها تصريحاً خاصاً من الاحتلال انتهى مفعوله بمجرد أن ودعت وحيدها.

بلكنة عربية ركيكة أمرهم الجندي الإسرائيلي، أمس الثلاثاء، أن يلتزموا المكان حتى يخلو شارع صلاح الدين من كل حركة، لكن أقرباء ثائر لم يترددوا في التوجه إلى قنوات التلفزة والصحافيين الذين احتشدوا لتغطية الحدث من مغادرة مواقعهم رأفة بالعائلة ورحمة بأم الشهيد التي ارتفع خفقان قلبها، وتاهت نظراتها وتعمقت في مدخل الشارع المفضي إلى المقبرة، وهي تنتظر اللحظة الأخيرة كي تودع ثائر وتحضنه في عناق أخير.

كان جنود الاحتلال، بحسب قريب للعائلة مهند أبو غزالة، حاضرين بقوة في المكان، وكان الحزن سيد اللحظة. كذلك أرغمهم جنود الاحتلال على الوقوف في طابورين عند مدخل باب الساهرة، قبل أن يسمح لهم بالتقدم نحو المقبرة.

لم يزد عدد المشاركين عن خمسة وعشرين، كانت الأم تحث الخطى وتسارع الوقت الذي طال عليها قبل أن تأتي إلى ولدها المسجى على حمالة الموت، وكان الاحتلال بجنوده يحاصر المشيعيين.

في مدفن الشهداء في باب الساهرة، كما قال محمود أبو غزالة، وهو من عائلة الشهيد "كُفّن ثائر وصُلِّي على جثمانه، وكان قارئ القرآن قبل صلاة الجنازة يتلو قصار السور وآية الشهداء".

ذكرى لا تنساها والدة ثائر، التي كان لقاؤها الأخير معه في عيد الأضحى من العام المنصرم، لعلها المصادفة الغريبة التي تجعل الأم تعجز عن الكلام وتملأ عينيها بالدمع، وهي تودع نجلها في شبه يوم من أيامها الحاضرة.

ظل الحصار على قلب الأم يطاردها حتى بعد وداع نجلها، جنود الاحتلال طاردوا الموكب حتى مشارف بيت الشهيد، ضابط كبير وجه التحذير للصحافيين بالابتعاد.

كان فجر المدينة المقدسة ورديا بلون الجوري، وكانت مقبرة المجاهدين في باب الساهرة تحتفي بنزيلها الجديد، وورود أم الشهيد على قبر ابنها ثائر ترسم في طريق آخر، "فلن يموت الورد أبدا"، قالها ابن عم الشهيد واحتفظ لدمعه بالتعبير عن شعوره، بينما وردة حملتها أم الشهيد واحتفظت بها لتروي الحكاية كلها، وردة واحدة تكفي يا ثائر.

المساهمون