الشرق الأوسط وبقايا الدول

02 يوليو 2020
الصورة

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة من قلب العالم التي تشمل غرب آسيا وشمال أفريقيا، وتضم في جوهرها العالم العربي بكل دوله، إضافة إلى دولتين إقليميتين كبيرتين، تركيا وإيران، وتم الإصطلاح على اختصاره بكلمة "MENA"، وهي اختصار للاسم Middle East & North Africa. وقد كان الشرق الأوسط مسرحاً لأكبر عمليات عسكرية شهدتها الحروب العالمية، ومنها الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وسقوط آخر دول الخلافة الإسلامية، وكانت هذه تضم تحت سيادتها دول الشرق الأوسط العربية، وتحوّلها من ولايات تابعة للدولة العثمانية إلى دول قُطرية، خاضعة للنفوذين الاستعماريين، البريطاني والفرنسي، سواء في شكل احتلال مباشر، أو حماية، أو انتداب. وفي ظل تلك الظروف، تم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، تمهيداً لإتاحة الفرصة للحركة الصهيونية العالمية، والوكالة اليهودية، لإقامة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين. كما كان الشرق الأوسط مسرحا لعمليات عسكرية رئيسية، خلال الحرب العالمية الثانية، وشهد الهزائم الكبرى لقوات المحور، إيطاليا وألمانيا، فى معارك العلمين وشمال أفريقيا. وفى أعقاب تلك الحرب، اكتمل المشروع الصهيوني، وتم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية، عقب إعلان بريطانيا انتهاء انتدابها على فلسطين في 14 مايو/ أيار 1948، وأصبحت إحدى دول الشرق الأوسط.

بقيت دول الشرق الأوسط الكبرى غير العربية قوية، متماسكة، بل وذات نفوذ ملموس في المنطقة

حتى ذلك الوقت، كانت منطقة الشرق الأوسط، بدولها القُطرية، خاضعةً للنفوذ الاستعماري القديم الذي تمثله كل من بريطانيا وفرنسا، فى الأساس، ولكن مع بداية التحولات الكبرى في النظام العالمي، وصعود الولايات المتحدة الأميركية قوةً نوويةً عظمى، ثم تبعتها روسيا السوفييتية، وبدايةً ما تعرف بالحرب الباردة ما بين المحوريْن، الغربي بقيادة أميركا والشرقي بقيادة روسيا، مع أفول نجم القوى الاستعمارية القديمة، بريطانيا وفرنسا، وبداية ظهور ما تعرف بحركات التحرّر الوطني في دول الشرق الأوسط، تحوّلت منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة صراع جديد في إطار الحرب الباردة. وفي ظل إعلان أميركا نظرية ملء الفراغ في الشرق الأوسط، على اعتبار أن رحيل الاستعمار القديم عن المنطقة سيترتب عليه "فراغ" لا بد من شغله. ومن هنا، جاءت فكرة الأحلاف، وبالتحديد ما عرف بحلف بغداد، أو الحلف المركزي، الذي ضم دولا عربية وتركيا وإيران وباكستان. وقد واجه معارضة شديدة من مصر، ثم تفكك بعد انقلاب عام 1958 في العراق، وإعلان خروجه من الحلف. 

شهدت منطقة الشرق الأوسط بعد ذلك، في عدة عقود، تطورات حادّة، وحروبا عربية - إسرائيلية، وانقلابات عسكرية، وثورات. وتحوّلت منطقة الشرق الأوسط بؤرة للإضطرابات، دولا قومية وأخرى رجعية، وحركات وجماعات أيديولوجية تحمل أفكاراً متطرّفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وتواكب ذلك كله مع بداية تحولات جوهرية جديدة في النظام العالمي، بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، وصعود أميركا باعتبارها القطب الأكبر في العالم، والاتجاه نحو صياغة نظام عالمي جديد مع بداية الألفية الثالثة.

منطقة تناقضاتٍ في نُظمه السياسية، ما بين دول ذات نُظم حكم ملكية، وراثية تقليدية، ودول ذات نُظم حكم جمهورية، رئاسية، شمولية

في ظل تلك التحولات العالمية الحادّة، بدا الشرق الأوسط وكأنه يمثل مشكلةً في ما يتعلق بالتكيف مع تلك التحولات، بأنه منطقة تناقضاتٍ في نُظمه السياسية، ما بين دول ذات نُظم حكم ملكية، وراثية تقليدية، ودول ذات نُظم حكم جمهورية، رئاسية، شمولية في الأغلب، قائمة على ثورات عسكرية، وبالتالي هناك اختلافات جوهرية فى النظم الاقتصادية، ومستويات المعيشة، والنظم المجتمعية والثقافية. وعلى الرغم من ذلك، بقيت دول الشرق الأوسط دولاً متماسكة، تخضع لسلطات مركزية قوية نسبياً، تحكم قبضتها على زمام الأمور في كل دولة.

مع وصول جورج دبليو بوش الابن إلى البيت الأبيض، في بداية الألفية الثالثة، ظهرت بقوة الدعوة إلى إعادة هيكلة "الشرق الأوسط" ليتماشى مع النظام العالمي الجديد، بدعوى إقامة الشرق الأوسط الجديد، ثم حدثت واقعة "11 سبتمبر" الإرهابية في الولايات المتحدة في العام 2001، بضرب برجي التجارة في نيويورك، ومقر وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن. وأعلنت أميركا، في أعقابها، أن الضربة قادمة من الشرق الأوسط، وشنّت حربها العالمية ضد الإرهاب، رافعةً شعار "من ليس معنا فهو ضدنا". وارتفعت الأصوات من جديد فى واشنطن، تطالب بإعادة هيكلة الشرق الأوسط، وظهرت أخطر هذه الدعوات من مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس، وهي الدعوة إلى نشر "الفوضى الخلاقة" في الشرق الأوسط، لهدم النظم القائمة، ومن ثم إيجاد شرق أوسط جديد.

كان لا بد من إحداث صدمة عنيفة في البداية، تأتي من خارج المنطقة، وهو ما قامت به أميركا، أولا فى غزوها أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001، بدعوى القضاء على تنظيم القاعدة، وإسقاط حكم حركة طالبان، ثم غزو العراق في مارس/ آذار 2003، بدعوى إسقاط نظام صدام حسين الداعم للإرهاب، ولحيازته أسلحة دمار شامل. وحدثت الفوضى، ولا زالت قائمةً بأشكال مختلفة، في كلا الدولتين. وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات، لا يبدو أنها كانت فوضى خلاقة، فقد تم هدم النظم التي كانت قائمة، ولكن النظم الجديدة الموعودة لم تقم، ولكن خلفت "بقايا دولة" فى كل من البلدين. 

أما باقي منطقة الشرق الأوسط، خصوصا الدول القومية، ذات النظم الرئاسية الشمولية، فقد تركت للتداعيات الداخلية التى وصلت إلى ذروتها في نهاية العام 2010 وبداية 2011 في ما عُرف بثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس، ثم انتقلت موجتها إلى أبرز الدول القومية في المنطقة، مصر وليبيا وسورية واليمن، وبالفعل أدّت تلك الموجة إلى سقوط السلطات التى كانت جاثمة على الحكم سنوات طويلة تجاوزت الثلاثة، بل والأربعة عقود في بعض البلدان.

ما جرى في كل من سورية وليبيا واليمن أن نُظما سياسية بديلة لم تقم، بل لم تحافظ تلك الدول حتى على كياناتها دولا كما كانت

ومرة أخرى، وقعت الفوضى، ومرة أخرى لم تكن فوضى خلاقة، فقد سقطت نُظم سياسية، ولكن ما جرى في كل من سورية وليبيا واليمن أن نُظما سياسية بديلة لم تقم، بل لم تحافظ تلك الدول حتى على كياناتها دولا كما كانت، ولكنها تقطّعت، أو تمزّقت، كياناتٍ متفرّقة، ومتقاتلة، استدعت القوى الأجنبية لمناصرتها. ويكفي إلقاء نظرة على المشهد السوري، حيث الوجود الروسي والتركي والإيراني ومناطق النفوذ المتعدّدة. وعلى المشهد الليبي حيث حكومة الوفاق في الغرب وحكومة خليفة حفتر في الشرق والجنوب والوجود متعدّد الجنسيات والمرتزقة. وثمّة المشهد اليمني، حيث حوثيون في العاصمة والشمال ومجلس انتقالي في الجنوب، وشرعية مزعومة في الرياض ووجود سعودي وإماراتي ونفوذ إيراني. 

وقعت الفوضى إذاً، وهدمت دول الشرق الأوسط فعلاً، ولكنها خلفت بدلاً منها مسخاً أو "بقايا دول"، لا يعلم أحد كيف ومتى، يمكن أن تقوم لها قائمة من جديد. والمثير أن ذلك كله جرى لدول الشرق الأوسط العربية فقط، بينما بقيت دول الشرق الأوسط الكبرى غير العربية قوية، متماسكة، بل وذات نفوذ ملموس في المنطقة، تركيا وإيران ودولة العدو الإسرائيلي.