الشتات المكعب في التغريبة الفلسطينية

الشتات المكعب في التغريبة الفلسطينية

17 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
هوّني عليك، يا رائدة، فأنت في آخر المطاف مجرد لاجئة فلسطينية، لم تنجبي أبناء على أرضٍ ثابتة، بل على رمالٍ عربية متحركة. ولذا، ليس من حقك أن تطالبي، الآن، بأن يلملم شملك وأبناءك وطن واحد.
خلتُ أنك تعرفين هذا قبل أن تبعثي إلي رسالة من "الشام"، تبوحين فيها بآلامك لانقطاع صلتك بأبنائك الذين اضطروا للجوء إلى اليمن، جرّاء المجازر الدائرة هناك، ثم اضطروا للهرب من اليمن، عقب اندلاع الحرب الأهلية فيها، ليصبحوا آخر الأمر عالقين في مخيمات لجوءٍ جديدة على الحدود السعودية اليمنية، فلا هم قادرون على العودة إلى اليمن، ولا على دخول السعودية، ولا حتى على الرجوع إلى حيث كانوا في بلد المجازر.
وطلبتِ مني أن أكتبَ عن هذه المتاهة، كأنك تعتقدين أن "المقالة" كفيلةٌ بحلها، ما إن تقع عليها عيون المسؤولين العرب.
وقبلكِ، يا رائدة، طلبت لاجئة فلسطينية أخرى، هربت من بلد المجازر، إلى السعودية، أن أكتب عن معاناتها مع ثلة أطفال مصابين بالسكّري، ولا تجد ثمن علاجهم، كأنها، هي الأخرى، تراهن على شحنة دواء ستصل إليها حال ظهور المقالة.
لك ولها، أقول ليت "المقال على قدر المقام"، خصوصاً إذا كان المقام يتعلق بـ"التغريبة" الفلسطينية من مهجر إلى مهجر، وليتني في زمن المتنبي الذي أسعده النطق، بعد أن ضاق به الحال: "لا خيل عندك تهديها ولا مال.. فليسعد النطق إن لم تسعد الحال".
وقبلكما، عاش هذه المعاناة، أيضاً، فلسطينيو العراق الذين دفعهم الاحتلال الأميركي البغيض، والطائفية الأبغض، إلى مخيمات لجوءٍ جديدةٍ على الحدود الأردنية العراقية، ليقضوا هناك سنواتٍ لافحةً تحت الحر والهجير، أملاً في أن يعطف عليهم أي بلد عربي، فيؤويهم، من دون جدوى، حتى جاء العطف من "أخ أجنبي"، منحهم حق اللجوء.
على أنني، والحق يُقال، أدين للأنظمة العربية بأنها علمتني، في رحلة الشتات هذه، دروساً في الرياضيات والهندسة، لم أكن أهضمها على مقاعد الدرس، فقد أدركت، أخيراً، معنى التربيع والتكعيب والتخميس للأرقام، فبتّ الآن أعرف معنى اللجوء "المربع"، و"المكعب" للفلسطيني المشتت.
في رحلة الشتات الأولى، اعتقدنا أن رقم الرحلة لن يتعدى "الأسّ واحد"، وظننا أن خيام اللاجئين لن تنزع إلا مرة واحدة، يوم يحين موعد التحرير والعودة إلى الوطن، غير أن ما حدث بعد ذلك برهن أن رقم "الأسّ" تناسل وتناذر، ليتجاوز الرقم اثنين وثلاثة، وأن الخيام تُنتزع لتقام في بلاد أخرى، ليس بينها فلسطين.
هكذا تغدو الخيمة اختصاراً مبرمجاً لفلسطينيي الشتات، ومن لوازم إثبات الذات أولاً، والهوية ثانياً. وهكذا يتعين على هؤلاء الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن لجوئهم الأول، وحدهم، ومن ثمّ تكلفة الحروب الأهلية والطائفية العربية، مع أقرانهم من ضحايا آخرين، لكن الثمن أفدح للفلسطيني، الذي ما إن تنتزع خيمته من بلد الحرب، حتى يعني ذلك استحالة الرجوع إليها، لأن البلد الطارد يجدها فرصةً للخلاص النهائي من هذا "العبء" الجاثم على أرضه، ولأن البلد المستقبل للمطرود لا يرغب بوجود الأخير على ترابه، مثلما تجد سلطة "أوسلو" في هذا التشتيت فرصةً لإضعاف مطالبة فلسطينيي الخارج بحق العودة، فيكون الحل الأنسب للأنظمة العربية وسلطة "أوسلو" حشر اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتٍ حدودية بعيدة، بما يعنيه ذلك من ضيق وقهر وشحٍّ في الغذاء والدواء، وتفتيت للأسر، وضياع حق العودة، لأن اللاجئ، في هذه الحالة، لن يطالب بأكثر من زجاجة حليب وحبة دواء، وبلد يستر نكباته المتناسلة.
ويزيد الوطأة أكثر، إذا أصاب اللجوء "التربيعي" و"التكعيبي" جزءاً من أفراد العائلة، كما حدث مع "رائدة"، فذلك يعني فراقاً أبدياً ربما لا لقاء بعده، إلا إذا تدخّل "شقيق أجنبي"، فجمع شمل العائلة معاً على أرض "غير متحركة".
ألم أقل لك، يا رائدة، منذ البداية، إن أبناء الفلسطيني ليسوا من حقه، وإن مفهوم "الأسرة" لا ينسحب على الفلسطينيين جميعاً، لأن من لا أرض له، لا أسرة له، ولا أبناء، بل مخيمات حدودية شاهدة على اتفاقيات سايكس بيكو، وعلى التمزق العربي، وعلى الرمال العربية المتحرّكة صوب الجحيم.