الشباب العربي والانتقال الديمقراطي

الشباب العربي والانتقال الديمقراطي

14 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أواخر الشهر المنقضي (22ـ 24 سبتمبر/ أيلول) مدينة الحمّامات التونسية مؤتمره السادس عن التحول الديمقراطي، وهو ملتقى تثاقفي/ تفاكري، دأب المركز على تنظيمه سنويا منذ 2012. واهتمّ مؤتمر هذا العام بدراسة موضوع "الجيل والانتقال الديمقراطي"، وصدر عن خلفية علمية مرجعية ثريّة، تعلّقت بقضايا إشكالية مختلفة، من قبيل مفهمة مصطلح الجيل وتحديد موقع الشباب من الثورات والانتقال الديمقراطي، والبحث في تجلّيات تهميشهم وآليات التمكين لهم، وإدماجهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وبدا أنّ أغلب المحاضرين وصلت إليهم عبارة الجيل، بالإحالة على الشباب، لوعيهم أنّ هذه الشريحة هي محور المشهد العمراني في البلاد العربية، وهي فئة وازنة داخل النسيج المجتمعي، وفاعلة في الحراك الاحتجاجي قبل الثورات وبعدها، وعليها المعوّل في تحقيق الانتقال الديمقراطي العربي المنشود. وأفاد جلّ الباحثين الحاضرين ومحاوريهم، على اختلاف مشاربهم الفكرية، بأنّ جيل الشباب كان قادح الثورة في سياق عربي، وتصدّر حركة المطالبة بالتغيير والإصلاح، وملأ ميادين الاحتجاج في صنعاء كما في تونس، وفي القاهرة كما في طرابلس ودرعا. وكان له دور فاعل في تنظيم حشود الخارجين على الدولة الشمولية، وتوظيف شبكات التواصل الاجتماعي، لفضح ممارسات الدولة القامعة، وعطف القلوب على ضحايا الاستبداد. وكلّف ذلك الجهد الاحتجاجي الشباب غاليا، فمنهم مَن قضى في سبيل الحرّية، ومنهم مَن تضمّخ بالدّماء لأجلها، ومنهم مَن سُجن في سبيلها. وآخرون أُخرجوا من ديارهم، ونُفوا في طلبها. وتكمن المفارقة في أنّ الشباب، على الرغم من ريادته الاحتجاجية ووعيه العميق وجاهزيّته المعرفية، مازال يجد نفسه خارج دوائر صناعة القرار في البلاد العربية، ويقع في حاشية المشهد السياسي، وعلى هامش المجتمع المدني وسوق العمل.
وفسّر باحثون اتّساع الفجوة بين الشباب والمجال العام بعدّة أسباب، يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، فعمليّا يفتقر الشباب روح المبادرة والثقة بالنفس، وتعتريهم شكوك بشأن الفاعلين في المشهد السياسي والمدني، ومدى صدقية وعودهم بالتغيير نحو الأفضل، ويعتقد كثيرون منهم أنّ مشاركتهم في الأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية لن تكون مؤثّرة، وأنّ أصواتهم لن تكون مسموعةً، ومطالبهم لن تُحقَّق. لذلك يعزفون عن الفعل في الشأن العام. وموضوعيّا اكتشف قطاع من الشباب العربي أنّ مرحلة الانتقال الديمقراطي، على الرغم مما حقّقته من
تقدّم في مستوى إتاحة التعدّدية، والتمكين للحرّيات العامّة والخاصّة، فإنّها لم توفّق في تحويل الثورة إلى منجز تنموي ونظام مؤسّسي، قوامه الشفافية والحوكمة والمحاسبة والعدالة في توزيع الفرص والثروة، فمازالت المحسوبية شائعة، والعلاقات الزبونية سائدة، وسياسة الإفلات من العقاب غالبة. وتزامن ذلك مع صعود الثورة المضادّة، وظهور خطاب إعلامي مكثّف، ميّال إلى تبخيس ثقافة الاحتجاج والدمقرطة، حريص على شدّ النّاس إلى الخلف، وإقصاء الشباب من الصورة في مقابل تقديم القدامى، بدعوى احتكارهم النضال والخبرة وصفة دُهاة السياسة ورجال الدولة.
وفي هذا السياق، نبّه أحمد الخطابي إلى "خوف الجيل القديم من الشباب، لأنّه جيل حامل لطموح وحلم بالديمقراطية، وهو في الآن نفسه خوف من الديمقراطية، بما هي برنامج سياسي لهذا الجيل". وأشار أحمد إدعلي إلى أنّ محدودية التأطير تُربك الفعل الشبابي، وأفاد جابر القفصي بوجود فقر علائقي بين الآباء والأبناء، وإلى فشل المنوال التنموي التقليدي في تشغيل الشباب، ووقفت شدوى رمضان عند عودة سياسات الدولة البوليسية القامعة ودورها في انتهاك حقوق الشابات وانحسار دورهنّ في المجتمع المدني. ولفت أحمد عثمان النظر إلى أنّ تعثّر المنجز السياسي والاقتصادي بعد الثورة، والتمادي في إبعاد الشباب عن مواقع القرار، زاد من نفورهم من المشاركة في المعترك الانتخابي والعمل الجمعياتي.
ويؤدّي تهميش الشباب إلى تزايد شعورهم بالإحباط واللاجدوى، ويدفع ذلك بعضهم إلى ركوب قوارب الهجرة غير الشرعية، والانخراط في دوائر العنف والتطرّف. وفي المقابل، ينصرف آخرون إلى التنظّم خارج الهياكل الرّسمية والأطر الحزبية، وتحريك الشارع عبر الدخول في اعتصاماتٍ واحتجاجات مطلبية مختلفة. كما يعمد غيرهم إلى التصعيد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بحسب بشرى زكاغ، ويستخدم سواهم وسائل فنية جديدة للتعبير عن احتجاجهم على السائد، من ذلك الكتابة على الجدران والإبداع في صوغ شعارات وخربشات دالّة (فنّ الغرافيتي) تعبّر عن الحضور الاحتجاجي الشبابي كما حدّث محرز الدريسي.
ومن ثمّة، فإنّ فاعلية الشباب وعطالته مسألة راهنيّة، ذات تفاصيل وخلفيات وأبعاد متعدّدة، كاشفة عن قصور أصحاب القرار ومكوّنات الاجتماع العربي في معالجة الشأن الشبابي ومحاورته. وتكمن أهمّية مبادرة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أنّها وضعت أدوار الشباب بعد الثورة تحت مجهر التفكير العقلاني، وأسّست لمراجعة نقدية لمرحلة الانتقال الديمقراطي، ونبّهت إلى ضرورة الخروج بالشباب من حالة التهميش الشامل إلى حالة الإدماج الشامل، تحقيقا للنهضة العربية المنشودة.