الشاعران كارل ماركس وسيد قطب

20 يناير 2015
الصورة
+ الخط -
تاريخ الأدب أرحم من الأدب، إذا كان التذكر عطوفاً. سنجد في موسوعاته كتباً مغمورة أو رديئة قرئت في عصرها وانتهت معه، مثلما تنتهي إلى النسيان كلُّ الكتب تقريباً. ثمة شعراء طبعوا ديواناً واحداً فحسب، ندموا على طباعته ولم يكرروا التجربة، وبين أيدينا هنا مثال كارل ماركس الذي ترجم شعراء أحياناً أعماله الفلسفية، لأن الأدب كامن فيها ووراءها. كان سطوع الأدب في ألمانيا دورياً مثل دمارها، فماذا سيقول شاعر شاب أتى في الحقبة المعتمة التي أعقبت عصر غوته وهولدرلين ونوفاليس؟ تراجع ماركس عن طموحاته الأدبية المبكرة، من دون أن ينسى مقاطع كاملة من الكوميديا الإلهية كان قد حفظها عن ظهر قلب، واختتم مقدمة "رأس المال" ببيت أورده دانتي على لسان فرجيل: "سِرْ في طريقك وليقلِ الناس ما يشاؤون"؛ تقنية الكولاج، إذا جاز مثل هذا التعبير، في "رأس المال" ألهمت مفكرين وكتاباً في القرن العشرين، فإلى جانب نظريات الاقتصاد هناك اقتباسات كثيرة من الأدب والأساطير والقصص الخرافية. 
أعادت الأزمة الاقتصادية العالمية اسم ماركس إلى الصحافة، من باب آخر غير الكاريكاتير. ارتفع اسمه على مضض واستحياء، متهماً أصحاب رؤوس الأموال "الديمقراطيين" المجهولين بالنسبة إلينا مثل ضحاياهم. من جهة أخرى معاكسة، قد يعيدنا الخوف العالمي من الإسلام والسلفية الجهادية إلى سيد قطب وكتاباته. أوّل أعماله ديوان شعر يتيم هو "الشاطىء المجهول"، نشرت إحدى قصائده في "أبولو" مجلة الرومانتيكية المصرية. يتحدّث في المقدمة عن نفسه بصيغة الغائب، مستعرضاً سيرة شاعر آمن بوحدة الوجود وأراد أن يشمل الكون كلّه بالحنان، ومعظم قصائده غزلية غزلاً "عفيفاً". سيد قطب شاعر رومانتيكي، عوالمه كعوالم إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، استوحى "الأيام" لطه حسين في سيرة طفولته وتأثر بالعقاد. بعد عودته من أميركا "الجاهلية"، وقد تأخر في انتسابه إلى حركة الإخوان المسلمين، بدأ يكتب عن الصحوة الإسلامية والبعث الإسلامي والجهاد في العالم، بينما ظلت اللغة والخيال الأدبيان مهيمنين على عمله الأساسي "في ظلال القرآن"، وربما لهذا السبب الأدبي استبعد أحياناً من بين كتب التفسير. 
أوردت هذين المثالين، المتباعدين جغرافياً وزمنياً وثقافياً، عوداً إلى مأثور قديم عن خطورة الأفكار؛ سواهما ما لا يحصى من الأمثلة، ومأزق أية مقارنة هو وجود عدد هائل من الآخرين الذي يصلحون كمقياس. كثيراً ما تشدقت الحركات المواكبة للعصر بالحديث عن فلسفة جديدة أو فلسفة أخيرة، وكان الحصول على الجديد وتبنّيه أسهل من فضّ خصومة أو إنهاء سوء فهم عريق؛ الواقع أن تلك الحركات الطليعية، رغم كل مزاعمها، سعت إلى سحق خصومها، لا بالمحاججات والسجال، بل بالاستعلاء، فتحدّث معتنقو ديمقراطية في عصرنا الراهن عن أناقة أمّةٍ من النباتيين أمام ذابحي الأضاحي، ودفنت إحدى طائرات "الخير" أسامة بن لادن في البحر، بالغموض الديمقراطي للقرن الحادي والعشرين. الديمقراطية عقيدة تعتبر نفسها منزهة عن العقائد، لا تحضّ على حبّ الجار أو الإيثار مثلًا، بل تقوم على احترام الشخص العادي والخوف منه لأن حلمها، مثلما كتب تشسترتن، هو حلم الجمهورية الرومانية الأولى، أي الوصول إلى أمّة من الملوك، وليس تعصب أفرادها إلا غضب الذين ليست لديهم أية آراء. أولئك الذين لم يعرفوا شيئاً عن الماركسية أو الإسلام، في هذه البلاد أو تلك، كانوا على يقين بأن المادية التاريخية فلسفة باطلة أو عفى عليها الزمن، وأن الإسلام ارتداد إلى القرون الوسطى، وكان الاستهزاء في الحالتين يسيراً ومشاعاً. كان قليلاً على الدوام عدد المكترثين بالمعرفة أو الإنصات. إنهم اللامبالون من ملأوا العالم والحياة قمعاً وتخويفاً. جنونهم مفزع. نصبوا المحارق وعلقوا المشانق في فجر السجون والساحات العامّة وفخخوا الأجساد وأعدموا الأبرياء. 
لا يكاد أحد يوافق أحداً في رجوع البديهيات دورياً إلى حلبات النقاش. هناك احتجاج أو عدم رضى دائمان. إنكار أي شيء ممكن، وتقديس أي شيء ممكن، ولا ينفك المتجادلون يحاولون الإمساك بذيل الحقيقة الهاربة التي عضّت الجميع ولم يرها أحد. ما رأيناه طريقاً إلى الخلاص رآه غيرنا مرضاً عضالاً. نحرس فضائلنا ونحتار كيف سنذود عنها إذا هُوجمت؛ نقاتل من أجل التماثيل والصور أو نحارب ضد التماثيل والصور، ونحن من لا يصدّق ما يرى.