الشارع العراقي لا يثق بأصحاب الخطاب الطائفي

الشارع العراقي لا يثق بأصحاب الخطاب الطائفي

20 أكتوبر 2017
الصورة
رفض الطائفية وتداعياتها (علي السعدي/Getty)
+ الخط -
لم تعد الطروحات والخطب ذات النفس الطائفي، التي ظهرت بعد عام 2003، تجد اليوم تفاعلاً من قبل الشارع العراقي كما كانت قبل سنوات، وتحولت كلمة "طائفي" إلى وصف يقترب من الشتيمة للسياسيين ورجال الدين والإعلاميين والمثقفين بشكل أسهم في تراجع شعبيتهم وزاد من عزلتهم.

ويقول الصحافي، يحيى شمس الدين (33 عاماً)، "أعتقد أنّ الخطاب الطائفي بدأ يأخذ منحى تحريضيا خطيرا يستهدف الأمن الاجتماعي والسلم المدني بين أفراد المجتمع".  ويلفت إلى أن هذا الخطاب في العراق مرّ بالعديد من المراحل، وبعد 2003 أصبح أهم أداة لإثارة الأزمات والفتن وصناعة رأي عام، كما أخذ مسارًا سلبيا في أغلب المناسبات ونادرا جدا ما نرى خطابا دينيا أو سياسيا يساهم فعليا في التقريب بين الأطراف، أو يساهم في تعزيز حل لأزمة ما.

ويضيف، لـ"العربي الجديد": "أرى أننا اليوم بحاجة حقيقية إلى تشريعات محلية ووطنية تجرّم الخطاب الطائفي والفكري الذي يحرض على العنف والفرقة والتفرقة والعنصرية التي تهين الهوية الوطنية والمواطنة وتحارب التعددية والتنوع، وفي الوقت نفسه نحن بحاجة إلى ممارسات وفرص تعزز الخطاب التعددي والتنوع وقبول الآخر".

بدوره، يؤكد الناشط محمد المهداوي (52 عامًا)، لـ"العربي الجديد"، أنّ " الخطابات الطائفية أصبحت سمة لجميع السياسيين والزعماء بمختلف انتماءاتهم، وهي آفة الآفات بعد الفساد الإداري والمالي والخدماتي، لعبت دوراً كبيراً في تمزيق وحدة السلم المجتمعي ودخول الشعب في دوامة الانقسامات الطائفية والمذهبية، وكان المالكي على رأس من مارسوا الخطاب الطائفي، الذي من خلاله نشبت حرب أهلية استمرت إلى يومنا هذا".

ويضيف: " قامت الولايات المتحدة الأميركية بتشكيل فرق للموت مستعينة بأسوأ قادتها وجنرالاتها الذين لديهم تجارب قذرة في حروب أميركا في فيتنام وأفغانستان ونيكاراغوا، وكانت هذه المجاميع المسلحة هي أداة لمقاتلة فصائل المقاومة العراقية الشريفة ضد الاحتلال الأميركي الصليبي لأرض الرافدين، وأصبحت في ما بعد نواة لتشكيل المليشيات المسلحة".



ويلفت إلى أنّ المرجعيات الدينية الشيعية لعبت دوراً كبيراً في تأجيج الخطاب الطائفي من على المنابر الدينية في الحسينيات والمساجد، وتمخضت هذه الخطابات عن تشكيل مليشيا الحشد الشيعي من أعلى مصدر في المرجعية، وبدورها قامت بانتهاك حرمات المدن لأنها تحمل نفسا طائفيا، غير أن المواطن العراقي لم يعد يصدق كل ما يسمع ويقال، "لقد عرفنا من هو العدو من الصديق ومن هو المتسبب الحقيقي بالفتن التي تحصل بشكل مستمر".

من جهته، يوضح عضو منظمة التعاون والعطاء، فؤاد عبد الخضر (47 عامًا)، لـ"العربي الجديد"، أن الخطاب الطائفي أصبح جزءاً لا يتجزأ من السياسي العراقي وإن كان على غير ما يريده، ولكنه ضامن لوجوده واستمراريته خاصة في المناطق ذات الطائفة الواحدة".

ويتابع: "في السنوات السابقة كان الخطاب الطائفي يحتل مساحة أوسع في تأثيره، أما اليوم فقد تقلصت مساحته ليصبح للمناطقية تأثير أكبر مع بقاء النفس الطائفي، وأصبح للعشيرة مكان في خطابات السياسيين مع بقاء النفس الطائفي، ونلاحظ أن المناطق التي توجد فيها عدة عشائر لا يعول عليها بل يرجع إلى مناطق تواجدها بالأغلبية، فلا نلاحظ اهتماما من قبل المواطنين أو السياسيين بالمناطق ذات الطابع العشائري المتنوع، بينما نلاحظ أن المناطق ذات العرق العشائري الواحد ينشط فيها الخطاب السياسي والتجمعات، فيما تقتصر الوعود على أفراد العشيرة وخاصة الرؤوس الكبيرة".

ويواصل: "من خلال ما سمعنا من خطابات غالبيتها كاذبة ووعود زائفة لم يعد ممكنا الوثوق بأي زعيم، ما لم يأت بفعل يطابق أقواله. لقد سئمنا الأحاديث لأن لكل سياسي وزعيم مصالحه الخاصة التي لا يمكن تحقيقها ما لم يجد فئة يصدقونه وينفذون خططه، وبالتأكيد من يقوم بذلك هم الفئة التي حصلت على وظائف وأموال حتى تصدق ذلك الزعيم أو السياسي، الذي في الغالب يعزف معزوفة الطائفية التي باتت مملة للغاية".


وهو نفس رأي المعلمة المتقاعدة، ماجدة نعمان (67 عامًا)، التي تقول لـ"العربي الجديد"، إن "80 إلى 90 في المائة من المجتمع العراقي أصبح لديه وعي أكبر مما كان عليه قبل عقد من الزمن، عندما انساق خلف خطاب الزعيم ليقع في فخ الطائفية والقتل والتهجير، وبعد سقوط بعض المحافظات بيد تنظيم (داعش) غيّر الكثير من الناس قناعاتهم وأصبحوا يميلون إلى عدم تصديق ما يسمعون من كلمات ظاهرها ليس كباطنها".

وتواصل: "ما عزز من ذلك هو أن أغلب السياسيين ليست لديهم قوة تحمي المواطن وتحفظ حقوقه وكرامته، بل على العكس تماما، وهذا ما جعل الثقة تنهار بين المواطن والمسؤولين أصحاب القرارات والأحزاب، دينية وعلمانية، لكن تبقى هناك شريحة ليست لديها مبادئ، تميل مع الريح أينما مالت وهذه لا يستهان بها ولا يعول عليها في نفس الوقت".

أما الأكاديمي، محمد كريم (30 عامًا)، فيقول لـ"العربي الجديد"، الخطاب الطائفي سبّب تشقق الصف وتمزق وحدة البلد، وكان سبباً في سقوط محافظات بأكملها؛ إذ كان نوري المالكي زعيم أكبر حزب شيعي في البلد صاحب الخطابات الطائفية التي كانت بدورها سبباً في إبعاد السنة العراق عن دورة الحكم في البلاد، وبدأوا بمظاهرات ضد نظام الحكم الطائفي الذي أدى إلى دخول داعش وسقوط المحافظات، وكذا إلى تشكيل المليشيات التي زادت الطين بلة بسيطرتها على المدن السنية والمختلطة، وكان ذلك سبباً في الدمار وتغيير ديمغرافية المدن.

ويشدد المتحدث على أن الخطاب الطائفي كان سببا في تمزق الشعوب وسقوط البلدان، وهذا النوع من الخطابات لا يمكن أن يستمر، لافتا إلى أن لغة الكذب والطائفية في العراق تراجعت بعد أن افتضحت الكثير من الأمور وتكشفت الحقائق، وانعدمت الثقة بمختلف المتصدرين للقرارات في البلاد، سواء كانوا سياسيين أو رجال دين أو زعماء لمليشيات وجماعات مسلحة، لم تعد هناك ثقة إلا بمن أثبت قوله بالعمل.