السيسي يكلف الجيش بمهمة تطوير التعليم... وخلافات حول الإنفاق

29 يونيو 2018
الصورة
تتضمن خطة التطوير إنشاء مدارس جديدة (محمد الراعي/الأناضول)
+ الخط -
كشفت مصادر حكومية مصرية أن رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي أسند لوزارة الدفاع مهمة التصرف في مبالغ مالية حصلت عليها مصر، بقيمة إجمالية تصل إلى مليار دولار، لتطوير المنظومة التعليمية، بما في ذلك إنشاء عدد من المدارس الجديدة وتدشين منصات إلكترونية للتعليم عن بعد وما يسمى بـ"بنك المعرفة المصري". كما تتضمن عملية التطوير تصنيع أجهزة الحاسب اللوحية (التابلت) التي ستستخدم ابتداءً من العام الدراسي المقبل في المدارس، فضلاً عن تهيئة بيئة رقمية في جميع مدارس الجمهورية لتكون صالحة لاستخدام شبكة الإنترنت التي من المقرر أن تتاح عليها المناهج الدراسية.

وأوضحت المصادر أن جزءاً من المبلغ هو قرض بقيمة 500 مليون دولار مقدم من البنك الدولي ستتسلمه مصر على 3 سنوات، أما باقي المبلغ فجزء منه مقدم من الحكومة اليابانية في إطار التعاون لإنشاء المدارس الحكومية على النسق الياباني، وجزء آخر عبارة عن منحة غير معلنة مقدمة من حكومة دبي ستخصص لتصنيع أجهزة التابلت.


ووفقاً للمصادر نفسها، فإن السيسي أسند للجيش التصرف في هذه المنح فضاً لخلاف نشب بين وزارتي المالية والتعليم على أولويات الاستخدام خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل عدم وضوح رؤية المنظومة التعليمية الجديدة القائمة على الاستغناء التدريجي عن الكتاب المدرسي ومناهج التلقين والمحتوى المعلوماتي المحدود، وإحلال نظام جديد قائم على توزيع أجهزة التابلت على الطلاب والولوج من خلالها إلى مناهج استرشادية ومكتبات إلكترونية سبق واشترتها الحكومة من بعض كبار الناشرين الأجانب منذ عامين تحت مسمى "بنك المعرفة المصري".

ولم يحقق هذا المشروع أي نجاح حتى الآن بسبب ضعف إمكانيات المدارس من الناحية التقنية والرقمية، وصعوبة الدخول إلى المواقع الخاصة ببنك المعرفة، بل وعدم توافر إمكانية الدخول إلى شبكة الإنترنت في آلاف القرى والمدن بالصعيد والدلتا.
وذكرت المصادر أن وزارة المالية وبعض الأجهزة الرقابية كانت قد اعترضت على تسليم القروض لوزارة التعليم بسبب تحفظها السابق على تولي وزير التعليم الحالي طارق شوقي، المعروف بأنه مدعوم بشدة من السيسي ودائرته الخاصة، إدارة الأموال التي خصصتها الحكومة لشراء المحتوى العلمي لما يسمى ببنك المعرفة، والتي بلغت، بحسب المصادر، نحو ملياري جنيه، حيث ثبت أن شوقي اشترى المحتوى بقرار منفرد وبدعم مباشر من السيسي بدون مراجعة أي جهة حكومية أو رقابية، ودون توضيح الأسس الموضوعية لاختيار البائعين، الأمر الذي تسبب في مشكلة خلال إعداد الحسابات الختامية للمصروفات الحكومية العام الماضي. لكن الأمر لم يتعد اعتباره خطأ إجرائياً، ولم ينسب للوزير أي اتهام قانوني بسبب إبرامه ذلك التعاقد خلال فترة رئاسته لما يسمى بـ"المجلس الاستشاري الرئاسي للتعليم" والتابع رأساً لمكتب السيسي، قبل اختياره وزيراً.
ويبدو أن مشكلة إساءة التصرف في الأموال المتدفقة على مصر في طريقها للاستمرار، فبدلاً من أن يتدخل رئيس الجمهورية لوضع معايير واضحة لسبل إنفاق تلك المبالغ، يأتي اختيار وزارة الدفاع للتصرف في القرض الدولي والمنحتين اليابانية والإماراتية، ليؤدي عملياً لمنع أي جهة حكومية أو رقابية من مراجعة أوجه الإنفاق، نظراً لعدم إمكانية المراقبة لأعمال الجيش أو لهيئته الهندسية نهائياً من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات أو غيره.

كما لن تتمكن وزارة التعليم نفسها من مراقبة جودة المواقع الإلكترونية والأجهزة والشبكات بل والأبنية التي سينفذها الجيش استعداداً للمنظومة الجديدة، نظراً للحساسية التي تشوب التعامل بين الجيش وأي وزارة مدنية، سياسية أو خدمية، وهو ما ينبئ بتردي مستوى جميع عناصر المنظومة.
وتنبأت المصادر بأن يؤدي فشل الجيش، ممثلاً في وزارة الإنتاج الحربي ومصانعها والهيئة الهندسية وهيئة النظم الإلكترونية العسكرية، في إدارة المنح والقروض المالية، إلى عدم قدرة الحكومة على المضي قدماً في تنفيذ المنظومة الجديدة في الإطار الزمني المخطط لها. ويمكن لهذا الأمر أن يدفعها مستقبلاً لإعادة إنفاق ملايين الدولارات من ميزانية الدولة في بنود كان من المقرر أن تفي بها المبالغ المالية المتاحة حالياً، خصوصاً أن السابقة الوحيدة لمشاركة الجيش في تطوير التعليم كانت من خلال توزيع أجهزة "تابلت"، أنتجها أحد المصانع الحربية، على الطلاب منذ 3 أعوام وتعددت مشاكلها الفنية ولم يكن ممكناً إصلاح المعطوب منها، فضلاً عن عدم استغلالها في الدراسة بسبب غياب المناهج الإلكترونية وعدم إتاحة الشبكات في المدارس.
وتبدو الفجوة واسعة بين الواقع المترهل الذي يعكسه حديث المصادر وبين الوعود التي أطلقها السيسي وشوقي لتطوير منظومة التعليم أخيراً، مثل "تطوير المهارات المطلوبة للطالب المصري في مراحل التعليم المختلفة وتحديد عناصر بناء الشخصية المصرية، والتوسع في استخدام تكنولوجيا المعلومات، وتعميم التعليم الإلكتروني وتطوير المحتوى الرقمي وتدريب المعلمين بدءاً من العام الدراسي المقبل، وتطوير منصات محلية للتعليم الإلكتروني وإنشاء بنك مصري للمعرفة بالتعاون مع عدد من المؤسسات العالمية المتخصصة، وإنشاء مركز لتطوير المناهج والمواد التعليمية بالاستعانة بالخبرات الأجنبية المشهود لها بالكفاءة، وكذلك إنشاء منصة لإدارة مناهج التعليم الرقمي".
وتقول الحكومة إن المنظومة الجديدة ستبدأ في مرحلة رياض الأطفال، وستشمل التعليم الأساسي والتعليم الثانوي، بحيث يكون الهدف هو تغيير ثقافة الحفظ والتلقين إلى المعرفة والابتكار واكتساب المهارات، فضلاً عن إنشاء 100 مدرسة على النسق الياباني في التعليم والإدارة، والتي أنشأ الجيش منها 45 فقط حتى الآن، وتبدأ مصاريفها الدراسية من 10 آلاف جنيه للطالب سنوياً.

دلالات

المساهمون