السيسي غاضب من تمرد القضاء

20 اغسطس 2019
الصورة
يختار السيسي رؤساء جميع الهيئات القضائية (ألكسندر زمليانيشنشكو/فرانس برس)
+ الخط -
تشيع حالةٌ من الغضب في الدائرة الخاصة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأجهزته السيادية، وعلى رأسها الاستخبارات العامة والرقابة الإدارية، بسبب استمرار خروج القضاة عن المسار المرسوم لهم، ومحاولة الحصول على امتيازات مالية أكبر، تعيد إلى الأذهان الوضع المتفرد الذي كانوا عليه في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. وعلى أساس هذا المحور، يبحث السيسي اليوم مصير وزير العدل الحالي حسام عبد الرحيم، الذي يقترب من الرحيل من منصبه بسبب ضعف سيطرته على القضاة، ورغبة الرئيس المصري في الاستعانة بوزيرٍ أكثر قدرة على التحكم في الهيئات القضائية ومنع صدور قرارات أو أحكام تخالف السياسة المالية التي يرغب في إخضاع القضاة لها، والتي كانت من الدواعي الرئيسية لإعادة تشكيله المجلس الجامع للجهات والهيئات القضائية، قريب الشبه بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية الذي كان قائماً في عهدي الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك.

ولا يزال القانون المنظم لهذا المجلس قيد الدراسة في مجلس النواب، ولم يخرج إلى النور في الدورة البرلمانية السابقة، لأسباب تتعلق بخلافات حول صياغة بعض النصوص. وارتأت دائرة السيسي قبيل انتهاء الدورة البرلمانية الأخيرة أنه لا توجد عجلة في تمريره، على عكس قوانين أخرى مثل العمل الأهلي والمحاماة وغيرها، فتم تأجيل مناقشته إلى الدورة البرلمانية القادمة التي ستبدأ في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وعلى ما يبدو، فإن دائرة السيسي لم تكن تتحسب لبعض المستجدات التي طرأت في مجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية ثم محكمة استئناف القاهرة، والتي أدت إلى حالة الغضب الراهنة، المتمثلة في صدور قرارات داخلية في هذه الهيئات بأحقية أعضائها بتقاضي آلاف الجنيهات الإضافية في صورة بدلات وحوافز مستحقة لهم أسوة بنظرائهم في هيئات أخرى، الأمر الذي سيكلف الدولة عشرات الملايين من الجنيهات في الميزانية القادمة لكل هيئة، والتي تحتسب رقماً واحداً.

وقالت مصادر قضائية مطلعة، لـ"العربي الجديد"، إنه على الرغم من اختيار السيسي رؤساء جميع الهيئات القضائية في الوقت الحالي، بعد استطلاع آراء الأمن والرقابة الإدارية ومقابلات شخصية لبعض المرشحين من شيوخ أعضاء تلك الهيئات، إلا أن التيار السائد داخلها يطالب دائماً بالحصول على المزيد من الأموال، في صورة بدلات وحوافز ودعم للعلاج والمناسبات والتمثيل وحضور جلسات الصيف وغيرها من أسباب الرواتب الإضافية. ويدعم هذه المطالبات صدور أحكام قضائية في دعاوى يرفعها القضاة أنفسهم أمام الدوائر المختصة بنظر طلبات الأعضاء في المحكمة الإدارية العليا ومحكمة استئناف القاهرة. وبعد صدور تلك الأحكام، تصدر قرارات تنفيذية بها من المجالس الأعلى، ما يجعل الأمر غير مرتبط بقرار رئيس الهيئة المعين من قبل السيسي وحده.

ولفتت المصادر إلى محاولات تجري أيضاً لاستغلال بعض الثغرات في قانون التأمينات الاجتماعية بعد تعديله العام الماضي، لزيادة معاشات القضاة بأثر رجعي. هذه المحاولات أزعجت السيسي كثيراً، هو الذي كان قد اتخذ معظم القرارات الخاصة بإعادة تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية وإعادة تشكيل المجلس الأعلى لأهداف عديدة، تأتي على رأسها رغبته الشخصية في خفض الإنفاق العام على القضاة، وكذلك فئات المستشارين الحكوميين المنتمين للهيئات القضائية. ومرد هذه الرغبة استمرار غضب الرئيس المصري من تفاصيل الإنفاق داخل الهيئات القضائية، وحصول مئات القضاة على مبالغ مالية تفوق مخصصات أعلى المسؤولين الحكوميين بالجيش أو الشرطة نتيجة مزاوجتهم بين رواتب القضاء ورواتب عملهم بالسلطة التنفيذية، فضلاً عن إصدارهم أحكاماً وفتاوى تمنع تطبيق نظام الحد الأقصى للأجور عليهم.
وينص مشروع قانون المجلس الأعلى الجديد على استئثاره بإقرار التعيينات والترقيات لتكون متوائمة بين كل الهيئات، ما سيصب في مصلحة الهيئات التي تضم أكبر عدد من القضاة وينخفض فيها دخل القاضي الواحد. وكان مجلس الدولة قد عمد خلال السنوات العشر الأخيرة إلى ترقية عدد كبير من القضاة الشبان وخفض السن الدنيا لبعض الدرجات القضائية العليا كـ"نائب رئيس مجلس الدولة"، لتتم ترقية القضاة بشكل أسرع، وضمان حصولهم على أجور أعلى من أقرانهم بالهيئات الأخرى، وهو ما كان يزيد من الاحتياجات المالية السنوية للمجلس، وخصوصاً أن المادة الثامنة من المشروع تنص على أن "يعمل المجلس على القضاء على التفاوت في مدد الترقية بين الجهات والهيئات القضائية خلال مدة لا تتجاوز 10 سنوات".
ومن المقرر أن يلبي هذا التنظيم الجديد رغبة السيسي في خفض الميزانيات المخصصة للهيئات القضائية ومجلس الدولة تحديداً، الأمر الذي كان يحاول تطبيقه منذ العام 2014. وبناءً عليه، سيتم إسناد عملية توزيع المخصصات المالية لكل هيئة إلى المجلس الأعلى بناء على الترقيات التي يحدد هو شروطها، مع حرمان كل هيئة من رفاهية توزيع فوائض الميزانيات على أعضائها في صورة مكافآت أو بدلات كما كان يحدث في السنوات الست الماضية، وذلك نظراً لتملص القضاة المستمر من القيود المالية التي وضعها السيسي والممثلة في قانون الحد الأقصى للأجور وخفض جهات ندب القضاة للعمل كمستشارين للحكومة وتطبيق الدفع والتحصيل الإلكتروني، واستمرار محاولتهم إخفاء مخصصاتهم عن الرقابة، وهو ما كان أيضاً تحت بصر واضعي المشروع عند النص في المادة التاسعة على أن "يضع المجلس الأعلى قواعد ندب أعضاء الجهات والهيئات القضائية" ما يعني أن هذه القواعد ستطبق على جميع الهيئات ولن تعود كل هيئة مختصة بشؤون أعضائها في هذا الشأن.
وإلى أن يصدر القانون الجديد ويتم تطبيقه، أشعرت دائرة السيسي إلى وزير العدل حسام عبد الرحيم بضرورة التدخل لاتخاذ التدابير الكفيلة بوقف أي قرارات أو أحكام بشأن صرف مزيد من الأموال للقضاة خارج الميزانيات المخصصة لهم في العام المالي الحالي، بما في ذلك بدل العلاج الذي يتم صرفه من الوزارة رأساً، وذلك لحين وضع قواعد منظمة لصرف البدلات تحقق المساواة بين جميع الهيئات.

وأشارت المصادر إلى أن هناك مشاكل ستبرز على مائدة المجلس الأعلى الجديد عند التباحث حول هذه المسألة، أبرزها عدم تكافؤ المهام المسندة إلى أعضاء كل هيئة قضائية، وعدم إمكانية المساواة بين البدلات التي تعطى لأعضاء كل منها. فهناك هيئات يتوجب على أعضائها عقد وحضور جلسات محاكم دون الآخرين، وهناك أخرى يتم عقد جلساتها أسبوعياً أو شهرياً، أو لا يتم عقد جلسات بها، وبعضها يستحق أعضاؤها بدل تمثيل وأخرى لا تستحق، وأخيراً هناك هيئات تعقد جلسات صيفية وأخرى تلتزم بالعام القضائي العادي الذي يبدأ في أول أكتوبر/ تشرين الأول وينتهي في 30 يونيو/حزيران.

وكانت فكرة إحياء المجلس الأعلى للهيئات القضائية قد بدأ تداولها منتصف العام الماضي بمناسبة دراسة النظام لمشكلة ندب القضاة. حينها، تبين أن هناك خلافات شاسعة بين رؤية كل هيئة مع اختلاف رؤية وزارة العدل للرؤى الأخرى، وهنا شعرت الرئاسة أنه يجب العمل على توحيد آراء القضاء تجاه الملفات المختلفة التي قد تثير أزمات بين الهيئات لتسهيل التعامل ومحاصرة مساحات الخلاف والمعارضة. هكذا بدأت الرئاسة من خلال أجهزتها الفاعلة، وعلى رأسها الاستخبارات العامة، استطلاع رأي القضاة في إعادة تشكيل المجلس الأعلى للهيئات القضائية، لكن ردود الفعل جاءت سلبية للغاية. بداية من رفض قضاة مجلس الدولة ومحكمة النقض تحديداً لفكرة إعادة إحيائه، وانتهاءً باحتجاج بعض القضاة المقربين من المستشار أحمد السيسي، شقيق رئيس الجمهورية، على استخدام الاسم ذاته سيئ السمعة، "المجلس الأعلى للهيئات القضائية"، الذي يقرب للأذهان مجلس مبارك ومحاولات وزير العدل الأسبق ممدوح مرعي للتحكم في موازنات وتعيينات الهيئات المختلفة، إلى أن عقد السيسي أول اجتماع بين رؤساء الهيئات في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وفي مرحلة لاحقة، تمّ تضمين نصّ إنشاء المجلس في التعديلات الدستورية التي أقرت في إبريل/نيسان الماضي، ثم تمّ ضم رئيس هيئة القضاء العسكري إلى المجلس الأعلى. هذان الإجراءان من شأنهما تشديد سيطرة السيسي على المجلس واتخاذه تدابير تجعل من المستحيل اتفاق رؤساء الهيئات القضائية ضد قراراته أو بما يخالف رؤاه الشخصية. فرئيس تلك الهيئة، وهو يعين باختيار السيسي ووزير دفاعه محمد زكي، سيكون له صوت معدود إلى جانب السيسي في كل الأمور المعروضة، وبذلك يكسب رئيس الجمهورية صوتاً جاهزاً إضافياً في مداولات المجلس الأعلى، إلى جانب أصوات رؤساء الهيئات الذين سيختارهم بنفسه وفقاً للدستور بعد تعديله.

وسيضم المجلس بذلك تسعة أعضاء برئاسة السيسي، وعضوية رؤساء المحكمة الدستورية ومحكمة النقض ومجلس الدولة والقضاء العسكري وقضايا الدولة والنيابة الإدارية ومحكمة استئناف القاهرة والنائب العام، علماً أن السيسي يملك وفقاً للتعديل الدستوري، حقّ نقض القرارات، ولا يجوز إصدار أي منها إلاّ بموافقته شريطة أن يكون معه أربعة أصوات أخرى.