السياسة في إثيوبيا.. من الإثنية إلى الفيدرالية

السياسة في إثيوبيا.. من الإثنية إلى الفيدرالية

21 يونيو 2018

آبي أحمد يخاطب البرلمان بعد أدائه اليمين (2/4/2018/فرانس برس)

+ الخط -
منذ وصوله إلى السلطة في إثيوبيا، الثاني من إبريل/ نيسان 2018، يتبنى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، حزمة من السياسات الديناميكية وغير التقليدية، تبدو مثيرةً للجدل بشأن طبيعة الفيدرالية الإثنية ومستقبلها، غير أنها تواجه التحديات المرتبطة بميراث هيمنة التيغراي على مؤسسات الدولة. وهنا، تبدو المسألة الأساسية تتعلق بمدى قدرة الحكومة الإثيوبية على تجاوز التحديات الإثنية في النظام السياسي، وتطوير نمط من الفيدرالية، يعالج مشكلات الاندماج القومي وبناء السلام الإقليمي.
.. يتبنّى آبي أحمد حزمة من السياسات، تبدو ثوريةً، لإعادة هيكلة علاقات السلطة والثروة، فمنذ وصوله إلى السلطة، بدأ بعدة إجراءات متوازية، شكلت تغييراتٍ في قيادات الجيش وأجهزة الاستخبارات، وهي ملفات ظلت جبهة التيغراي تعتبرها شأناً خاصاً بها، ورفع حالة الطوارئ والعفو عن المعارضين السياسيين في الداخل والخارج. وباستثناء التيغراي، لقيت سياسات رئيس الوزراء قبولاً لدى الجماعات الإثنية الأخرى. ويمكن القول إن التوجهات الجديدة تتجه نحو إرساء قواعد الانتقال نحو نموذج آخر للفيدرالية، تتراجع فيه سمات الهيمنة الإثنية.
وفيما قام مشروع الفيدرالية الإثنية على مركزية التيغراي وهيمنتها، تعمل سياسات آبي أحمد على بناء منظور آخر لتوزيع السلطة بين الجماعات الإثنية، فمن جهةٍ، يسعى إلى تفكيك 
سياسات الهيمنة ونشر سياسات السلام. ومن جهة أخرى، يطمح إلى إعادة إنتاج النمط الشعبوي للقيادة وملء الفراغ ما بعد رئيس الوزراء الراحل، ميلس زيناوي، ولكن من منظورٍ يتلاقى مع تطلعات القوميات الإثنية، والاستجابة لمطالب المحتجين الشباب، وتفعيل مشاركة الأحزاب في النظام السياسي، وإسقاط تهم الإرهاب عن قيادات المعارضة. وفي هذا السياق، أصدرت الحكومة قراراً برفع حالة الطوارئ، في خطوة مبكرة، لكسب دعم الشعوب الإثيوبية. وكان مرسوم الطوارئ المثير للجدل، ومدته ستة أشهر، في فبراير/ شباط 2018، قد فرض بطريق غير قانوني، لمواجهة مطالب التغيير الاجتماعي والمساواة الاقتصادية.
وفي تطورٍ يتسم بالجرأة، أعلنت إثيوبيا، في 5 يونيو/ حزيران الجاري، قبولها التنفيذ الكامل لاتفاق الجزائر، والقرار النهائي الصادر عن لجنة الحدود الإريترية الإثيوبية (EEBC) في إبريل/ نيسان 2002. وقد تم اتخاذ هذا القرار في بيان للمكتب التنفيذي لحزب الجبهة الثورية الديمقراطية (الحاكم) في اجتماعه الأول، منذ تولي رئيس الوزراء، آبي أحمد، منصبه، توطيدا للقيم المشتركة بين الشعبين؛ اللغوية والتاريخية. وبالإضافة إلى التغيرات القائمة في الحكومة الإثيوبية تجاه اتفاقية السلام الجزائرية، تبدو عوامل أخرى تفسر قبول الجبهة الثورية بالتحكيم الدولي للنزاع حول إقليم بادمي، فالمدخل الأول يكمن في أن النزاع لا يتعلق بتكامل الدولة الإثيوبية، بقدر ما يرتبط بالصراعات بين جماعتي التيغراي والتغري، في إثيوبيا وإريتريا، فنظراً إلى انحراف سياسات الاندماج القومي، حيث تركز سياسة رئيس الوزراء، وتتجه إلى معالجة التنافر في العلاقات الإثنية، في إطار حدود الدولة الوطنية القائمة. وبهذا المعنى، تقترب إثيوبيا من تحفيز الاندماج القومي، والتخلي عن مفاهيم السمو الإثني تجاه القوميات الأخرى. أما المدخل الثاني، وهو أن النزاع كان جزءا من الصراع بين إسياسي أفورقي ومليس زيناوي الممتد عبر حرب العصابات، والتمرد ضد نظام منغستو هايله ميريام، والذي انتهى باستقلال إريتريا وانفصالها عن إثيوبيا.
غير أن السياسة الأريترية بدت أقل استجابة لهذه التغيرات، عندما أعلنت، في بيان مقتضب يحمّل الحكومة الإثيوبية مسؤولية تنفيذ الاتفاق، من دون الحديث عن مستقبل العلاقات الثنائية في ظل التغيرات الراهنة، وهو ما يرجع إلى عاملين؛ الطبيعة المركزية لصنع القرار وغياب الأنماط المؤسسية، حيث لا يوجد دور واضح للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، أو المؤسسات الأخرى، وأن إسياسي أفورقي ما زال متأثراً بميراث صراع الانفصال عن إثيوبيا، وخلافاته مع زيناوي. ويمكن القول إن خطوة الحكومة بقبول اتفاق الجزائر سوف تنقل العبء السياسي للأزمة إلى جماعة التيغراي، وبحيث لا تتحمل نتائجه بقية القوميات المنضوية في الفيدرالية الإثيوبية.
كما اتجهت سياسات رئيس الوزراء، آبي أحمد، إلى التوسع في برامج الخصخصة وحل المشكلات الاقتصادية، وذلك بعد مرور عقد ونصف العقد على التحولات الاقتصادية المحدودة للاندماج في الاقتصاد العالمي، اقتصاد السوق، من دون أن يصاحبها تحول أيديولوجي عن الماركسية، ما جعلها أقل فاعليةً في بناء نظام اقتصادي متجانس، وبعيد عن الضغوط السياسية. ولذلك تحاول الحكومة إحداث تحول حقيقي للنظام الاقتصادي، بحيث يسمح بملكية الأجانب ورفع جاذبية الاستثمار، وتشمل الخصخصة قطاعات؛ الاتصالات، الكهرباء، الخدمات 
اللوجستية، شركة الطيران الوطنية، كما سيسمح بالخصخصة الكاملة، أو الجزئية، للسكك الحديدية ومصانع السكر والمجمعات الصناعية والفنادق وبعض الشركات الصناعية.
ويقوم الاقتصاد السياسي لسياسات آبي أحمد على أن تحرير ملكية المشروعات والشركات سوف يؤدي إلى تفكيك شبكات الهيمنة السياسية، واستحواذ التيغراي على الموارد الاقتصادية. وبالتالي، يمكن النظر إلى هذه التحولات باعتبارها انقلابا على توجهات جبهة تيغراي وسياساتها، وذلك من وجهتي؛ إعادة صياغة الدور الإقليمي على العلاقات السلمية، واستكمال سياسات التحول الاقتصادي، والتقليل من الملكية العامة للدولة، وتحفيز الاستثمار الأجنبي والمحلي، عن طريق إجراء عمليات خصخصة جزئية أو كاملة في الشركات العامة، بما في ذلك المجمعات الصناعية ومشاريع السكك الحديدية ومصانع السكر والفنادق، وغيرها من الصناعات التحويلية.
كما تمهد التحركات الإقليمية لآبي أحمد الطريق إلى إحداث تغيرات جوهرية في السياسة الإثيوبية، فلم تتوقف المؤشرات الإيجابية على تصحيح العلاقة مع إريتريا، لكنها تدفع بإعادة النظر في تصوراتها بشأن المصالح المشتركة، لا سيما المفاوضات حول مياه النيل، سد النهضة، والدور الإقليمي لإثيوبيا.
وتوضح زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي مصر، أخيرا، أن ثمة فرصة لتجاوز التعقيدات المتعلقة بأعمال اللجان الفنية أو السياسية للتفاوض بشأن سد النهضة، فمن جانبٍ، يتسق التعهد الإثيوبي بعدم الإضرار مع اتفاق إعلان المبادئ، ومن جانب آخر، فإن دخول الأورومو مركز السلطة سوف يساعد في الانتقال عن مشاريع الهيمنة والنزعة الإمبراطورية لجبهة تيغراي وتطلعاتها العنصرية.

تحركات التيغراي المضادة
بينما كان رئيس الوزراء، آبي أحمد، متوجهاً إلى جولة خارجية، دعت جبهة تيغراي إلى عقد اجتماع طارئ للجنة المركزية في ميكيلي، عاصمة التيغراي، وذلك في ظل تزايد الاحتجاجات العامة التي تحدث في مختلف المدن والبلدات في إقليم تيغراي، ضد قرار الحكومة الفيدرالية بقبول اتفاق الجزائر وقرار لجنة الحدود التي منحت مدينة بادمي لإريتريا.
وعلى الرغم من التحولات الجذرية في السياستين، الداخلية والخارجية، أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF، بيان 13 يونيو/ حزيران 2018، عن مواقفها تجاه السياسات الجديدة لرئيس الوزراء. وتكمن أهمية موقف جبهة تيغراي في أنها ليس فقط بسبب أنها ترتبط بهيمنتها على مفاصل السلطة في الدولة، لكنها تتعلق بمدى قبولها للتخلي عن الذهنية الأبوية للتحالف الحاكم، الجبهة الثورية، وهو ما يعتبر من المحددات المهمة للتحول السياسي السلمي، وصياغة ملامح إعادة هيكلة السلطة والنفوذ والمشاركة في السلطة.
وقد اعتبرت جبهة التيغراي أن القرار المتعلق بإريتريا جاء في الوقت المناسب، ويلتقي جوهريا مع مبادئ السلام التي اتبعتها الحكومة الإثيوبية منذ 18 عاما، على الرغم من تأثيره المباشر على إقليم التيغراي. ومن الواضح أن الاحتفاظ بإقليم بادمي صار لا يشكل أولوية لدى الساسة التيغراي. ولكن، في وقت لاحق، ظهرت اعتراضات داخل التيغراي، واندلعت مظاهرات في الإقليم، ما يشير إلى وجود عوامل أخرى، تساعد على اهتزاز موقف الجبهة من اتفاقية الجزائر وقبول السلام مع إريتريا، وفي مقدمتها ظهور مؤشرات الضعف التنظيمي، وخروج الصراعات إلى العلن منذ نهاية العام الماضي. وذلك بالإضافة إلى قلق التيغراي على ضياع الامتيازات المكتسبة من النظام الفيدرالي القائم، حيث من اللافت أن اعتراضات اللجنة المركزية على السياسات الاقتصادية جاءت تحت ضغط المظاهرات في إقليم تيغراي.
وبالنظر إلى أن جبهة تيغراي تواجه تحدّي تغير علاقات السلطة في إثيوبيا؛ فإنها تعمل على كبح جماح تطلعات القوميات الأخرى، والتمسك بأفكار التحالف الحاكم، القائمة على المركزية 
الديمقراطية، وتدعيم هيمنتها على الجيش والأمن والاقتصاد. فقد اعتبرت الجبهة أن الحكومة تتبنى سياسات قصيرة الأجل، فيما المشكلات الاقتصادية تحتاج حلولا جذرية، وهي بشكل عام، ترى أن الإصلاحات الاقتصادية يجب أن تتم على مبادئ المركزية الديمقراطية، العقيدة السياسية للدولة، وبحيث لا تتحول إلى مجرد عملية بيع للأصول المملوكة للدولة. ويمكن القول إن موقف التيغراي يعكس مدى القلق من تأثير القرارات الاقتصادية على السياسات الاحتكارية لجبهة التيغراي، حيث تعمل على تحرير القطاعات الحيوية من سيطرة الاقتصاديين التيغراي، كما تعمل، في الوقت نفسه، على إجراء تحول عميق لإعادة توزيع الثروة.
ولهذا، سوف تزيد التوقعات بأن يكون الملف الاقتصادي محور الصراع الأساسي لجبهة تيغراي، حيث يعتبر الرافد الرئيسي لاستمرار الهيمنة على الدولة، فالخلاف لا يتعلق بسياسة الخصخصة، بقدر ما يدور حول اعتراض التيغراي على إبعادهم عن السيطرة الاقتصادية.

عوامل تراجع التيغراي
يمكن النظر إلى العوامل التنظيمية باعتبارها المدخل الرئيسي لفهم مصدر القوة السياسية، فالتغيرات الراهنة في إثيوبيا لم تصاحبها إصلاحات تنظيمية، تساعد جبهة تيغراي في تطوير سياستها. ولذلك لم تستطع تغيير أنماط السيطرة والهيمنة. وتشير قرارات رئيس الوزراء أخيرا إلى فقدان التيغراي السيطرة على الجبهة الثورية، عندما احتجت بأن القرارات صدرت من دون مشاورات، على الرغم من مشاركتهم في اجتماع المجلس التنفيذي للتحالف الحاكم (36 عضوا). ولهذا اتجهوا إلى المطالبة بعقد اجتماع لمجلس التحالف الحاكم (180 عضوا)، ما يشكل تحدياً للمؤسسات، ويفتح الباب أمام سيولة القرارات السياسية.
وإلى جانب التراجع التنظيمي، وغياب نموذج للقيادة الثورية، تواجه جبهة تيغراي حالةً من 
التفكك الفكري أو الأيديولوجي، فخلال السنوات الماضية، تآكل دور القيادة الثورية، ما أدى إلى التذبذب في التحول السياسي، والحيرة بين المركزية الديمقراطية والليبرالية الجديدة. وكان لهذه التغيرات أثر واضح في عجز التيغراي عن تقديم قيادة جديدة لإثيوبيا، بعد رحيل ميلس زيناوي، كما افتقرت القدرة على تجديد أفكارها، وحل الصراعات الداخلية.
ومن العوامل المهمة، أيضاً، أنه بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من الهيمنة ومركزة السلطة وانحراف توزيع الثروة، واجه التيغراي حالة كراهية تراكمت لدى الشعوب الجنوبية والأورومو، فضلاً عن الخلاف التاريخي مع الأمهرا، فقد كشفت الاحتجاجات المندلعة منذ عامين عن مدى رفض استمرار احتكار التيغراي الشركات الكبرى والأنشطة الاقتصادية الحيوية.
وبشكل عام، تعمل جبهة تيغراي على مقاومة هذه التغيرات لمنع انهيار مكانتها السياسية، من خلال الدعوة إلى الحشد الجماهيري في إقليم تيغراي، وتقييد سلطة رئيس الوزراء بالعودة إلى مجلس الجبهة الثورية، قبل إصدار القرارات السياسية، غير أنها تواجه تحديين؛ تراجع فرصة التيغراي في التلويح بالانفصال حلا بديلا عن الوحدة الفيدرالية، وأن السلطات الواسعة لرئيس الوزراء تمكّنه من المضي في تطبيق سياساته، في ظل مراعاة التوازنات داخل البرلمان ذي التمثيل النسبي للسكان، وأيضاً داخل الجبهة الثورية التي تقوم تشكيلاتها على التمثيل المتساوي.
كما يشكل دخول جماعة الأورمو قمة هرم السلطة تغيراً جوهرياً في التعريف التقليدي لإثيوبيا، باعتبار الحبشة المركز التاريخي للدولة الذي تداول الحكم بين الأمهرا والتيغراي. ولذلك يشكل وصول ابي أحمد إلى السلطة مستنداً على الكتلة السياسية والعرقية لجماعة الأورومو متغيراً جوهرياً في السياسة الإثيوبية، ليس فقط بتفكيك هيمنة الأمهرا والتيغراي، لكنه يعمل أيضاً على إعادة تعريف الدولة الوطنية، والانتقال نحو تطوير منظور الاندماج القومي، وهي مسألة تتجاوز فكرة تداول السلطة.
وفي ظل مراعاة أن وصول التيغراي إلى السلطة ارتبط بالدعم الدولي والإقليمي، فإن التحولات الجارية إقليمياً ودولياً تساعد على خفض نفوذهم السياسي، ومنع دخول إثيوبيا في حربٍ أهلية. ويبدو أن هذه الجزئية واضحة لدى رئيس الوزراء والجماعات الإثنية من غير التيغراي، حيث تبدو توجهاتهم متضافرة في الاصطفاف وراء الحكومة، وإجراء مراجعة شاملة للسياسة الخارجية، تضمن التغيير السياسي السريع والآمن.