السوريالية المصرية: يحيا الفن المنحط

16 ابريل 2014
الصورة
مجموعة "فن وحرية" عام 1941

حين قدّم الشاعر المستقبلي مارينيتي محاضرته حول "الشعر الآلي" في منتدى Les Essayistes بالقاهرة عام 1938، وقف جورج حنين وانتقد بعنف الفاشية. وبعد فترة قصيرة، خطّ بيان "يحيا الفن المنحط" مع بعض رفاقه للاعتراض على محاكمة النازيين للفن الحديث؛ بيانٌ شكّل وثيقة ولادة حركة "فن وحرية" السوريالية في مصر التي ضمّت، إلى جانب حنين، رمسيس يونان وفؤاد كامل وألبير قصيري وإدمون جابس وكامل التلمساني ولطف الله سليمان وباروخ وماري كافاديا وهنري وراؤول كورييل وأنجلو دو ريز وسانتيني...

وقبل هذا التاريخ، حاول حنين ويونان تسيير أفكار حركة أندريه بروتون: يونان في كتابه الرائد "غاية الفنان العصري"، الذي قارب فيه أحداث الفن الأوروبي الحديث بطريقة تحليلية؛ وحنين في مقالات مختلفة ومحاضرات تحريضية. أما الإصدار الأول الذي حمل عنوان "فن وحرية" فكان في آذار/ مارس 1939 وتضمّن، إلى جانب البيان المذكور أعلاه، نصوصاً جدالية ولائحة كتب للقراءة ومقالاً لحنين حول الوضع في إسبانيا، تبعه بعد شهرين إصدار آخر لا يختلف عن الأول إلا بتضمّنه ثلاث قصائد للفنان فؤاد كامل.

ولم تعتبر حركة "فن وحرية" نفسها سوريالية بالمعنى الدقيق للكلمة، فهدفها الأول كان "تأكيد الحريات الثقافية والفنية وتسليط الضوء على أعمال وشخصيات وقيَم من الضروري معرفتها لفهم الزمن الراهن، ووضع الشباب المصري في اتصال وثيق مع الأحداث الأدبية والفنية والاجتماعية في العالم". هذا وتنتمي الأعمال التشكيلية لأعضاء الحركة، خصوصاً أعمال كامل التلمساني وفؤاد كامل، إلى التعبيرية الإجتماعية أكثر منها إلى الصورية السوريالية.

ويظهر مشروع الحركة بوضوح في الأعداد الـ17 لمجلة "دون كيشوت" الأسبوعية الفرانكفونية، وفي الأعداد الـ7 لمجلة "التطور" الشهرية، وفي المعارض الخمسة للفن الحر التي نظمّها حنين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وتُظهر القراءة المتمعّنة لمجلة "دون كيشوت" التباساً في الميول وأحياناً تضاربات بين نصوصها. لكن صفحتها الأدبية التي أشرف حنين عليها كانت غنية ومتماسكة من وجهة نظر سوريالية، واستقبلت مقالات نقدية مهمة من فنانين مصريين معاصرين.

أما مجلة "التطور" فكانت تعليمية وتقدّمية بالمعنى الوضعي للكلمتين. إذ قاربت المشاكل الاجتماعية، كالبغاء والبؤس والدين والضرائب، من زاوية عقلانية، وهاجمت القوى الدينية من منطلق تقليديتها ورجعيتها فحسب، وعرضت نظريات فرويد بطريقة مبسّطة.

ولأسباب مالية، تابعت الحركة هدفها "السوريالي الإجتماعي" في "المجلة الجديدة" حيث أصدرت أعداداً خاصة حول الديمقراطية والفنون المعاصرة والبؤس والستالينية، ساندت فيها الإضرابات العمّالية ودعت إلى محاربة المناورات السياسية الضيقة للأحزاب والتجمعات اليسارية الرسمية، إلى جانب تنظيمها مظاهرة ضد البورجوازية وحلفائها. وبانتقادها بشكل مفتوح الاتحاد السوفياتي والستالينية، كشفت ليس فقط عن قناعات تروتسكية بل أيضاً عن نوايا تحررية وإباحية وانتهاكية، ما أدّى إلى منع مجلتها عام 1944.

أما المعارض الفنية الخمسة التي نظّمها حنين للفن الحر فتركت أثراً عميقاً في تاريخ الفن المصري الحديث بجانبها التحريضي واستثمار الفنانين المشاركين فيها لمفهوم الدعابة السوداء. وفي الأساس، لم تكن فكرة هذه المعارض سوريالية لسعي حنين من خلالها إلى جمع في مكان واحد فنانين من ميول مختلفة يؤمنون بحرّية فنية وثقافية مطلقة.

وفي العام 1947، صدر العدد الأول من مجلة حنين "حصة الرمل". ومن النصوص النقدية والشعرية في عددها الأول، نستنتج ابتعاد مجموعته عن الماركسية وعن جميع المقتراحات المقولبة لليسار. فعلى سبيل المثال، أشار يونان إلى أن شعار "تغيير العالم" لن يقود إلى أكثر من تغيير نظامٍ ما لم يتضمّن دعوة إلى التخلص من عبء التاريخ. ومن جهته، سعى حنين في افتتاحيته إلى إظهار الفرق بين السوريالية والاشتراكية، فكتب:"السوريالية هي المشروع الأخلاقي الحديث الوحيد الذي لم يضطر إلى التحرر من الروابط المسيحية، لكونه وُلد في حالة قطيعة مكتسبة، بعكس الأخلاقية الاشتراكية التي اكتفت بنقل القيَم المسيحية".

وسيدمّر هذا التمييز، المبشّر بقطيعة نهائية، القواعد الماركسية للسورّيالية. فحين قررت مجموعة بروتون تصفية حساباتها مع الستالينية والمسيحية والوجودية في بيان "قطيعة مدشّنة"، أصرّ حنين ويونان على غربلة مفاهيم مثل "دكتاتورية البروليتاريا" و"الثورة الدائمة" و"الوعي الطبقي" التي زعزعها التاريخ. وفي رسالة وجّهها إلى نيكولا كالاس، لاحظ حنين آنذاك أن مجموعة بروتون قطعت بعد الحرب العالمية الثانية علاقتها بالماركسية لكن من دون أن تجرؤ على القيام بنقدٍ منير لمسعاها الأيديولوجي، أي من دون استخلاص درساً معيّناً من هذه القطيعة.

وحين ارتأت المجموعة نفسها إصدار بيان آخر مناهض للكهنوت في العام 1948، رفض يونان توقيعه بحجّة أن بنجامن بيريه قام بذلك منذ فترة طويلة، معتبراً أن مراوحة الحركة السورّيالية في مكانها يعني حتماً تراجعها. وبدلاً من تهدأة غضبه، جاء جواب بروتون ليونان، الذي اعتبر فيه أن البيان المذكور هو "أفضل من لا شيء"، ليصب الزيت على النار ويدفع حنين إلى الرد على بروتون قائلاً:"حين لا يعود أمامنا سوى "أفضل من لا شيء"؛ تتفق معي على أن فتور همّتنا أضحى مشروعاً".

وحاول حنين آنذاك إقناع بروتون بأن "مشاورة شاملة لجميع السورّياليين عبر العالم هي أمرٌ عاجل أكثر من تنظيم معرض لمجرّد التباهي". لكن رائد السورّيالية أجابه بأن "ذلك لن يؤدّي إلا إلى البلبلة"؛ وهو جواب يعكس يأساً من مستقبل الحركة، علماً أن البلبلة التي أراد بروتون تجنّبها كانت طاغية ويشهد عليها تشكُّل عدة مجموعات سورّيالية على هامش الحركة. ونشير هنا إلى أن حنين تمايز، في مقاله المديحي حول كتاب بروتون "أركان 17" (1946)، عن تفاؤل هذا الأخير لاعتباره أن العالم كذّب هذا التفاؤل أكثر من مرة وأن السورّيالية باتت محكومة "بالتثاؤب أمام صورتها".

وفي هذا السياق، جاء العدد الثاني من مجلة "حصة الرمل" خالياً من أي إشارة إلى السورّيالية وعاكساً رغبة عميقة في إصدار مجلة تشكّل "مشروعاً سليماً لحُكاك ذهني" وتدعم قناعةً بأن "الانقلاب الحقيقي يقوم على تحرير وإثارة مواضيع متعوية جديدة".

لكن، على أثر قطع الحوار مع الحركة السورّيالية الباريسية، عانى حنين ورفاقه من عزلة كاملة سببها أيضاً ثورة 1952 في مصر التي لم يروا فيها ثورة شعبٍ بل مجرّد نقل للسلطة من يد الملك الرجعية والضعيفة إلى يد الجيش الذي نشط في تحضير المجتمع المصري لعلاقات سلطوية جديدة ولمواجهة جديدة بين شرق وغرب تكون الحداثة بوعيها النقدي ضحيتها الأولى.

أما فشل مشروع "فن وحرية" فيعود، في نظرنا، إلى هدفها الرئيس، أي إرساء الحداثة الأوروبية ـ التي انبثقت من تثوير ثابت لوسائل الإنتاج ـ داخل مجتمع كانت بنيته الاجتماعية والاقتصادية جامدة منذ قرون تحت تأثير نمط إنتاجي رجعي وتقليدي؛ كما يعود إلى أفكارها الراديكالية وغير الامتثالية التي لم يكن المجتمع المصري جاهزاً لها، لعدم إتّباعه مساراً تاريخياً مشابهاً لمسار المجتمع الأوروبي؛ بدون أن ننسى استخدام أعضاء هذه المجموعة في كتاباتهم للغة الفرنسية التي كانت حكراً على الطبقة الراقية في مصر وحالت دون بلوغ أفكارهم الجماهير التي كانت بغالبيتها العظمى أمّية، علماً أن هذه الكتابات قارعت أفضل ما كان يُكتب في أوروبا وأحياناً تجاوزته في نقدها الراديكالي.

دلالات