السودان يدشّن اختبار المرحلة الانتقالية

17 اغسطس 2019
الصورة
إعلان الاتفاق قوبل بترحيب من الشارع (إبراهيم حميد/فرانس برس)
+ الخط -

يُنهي المجلس العسكري و"قوى الحرية والتغيير" في السودان، اليوم السبت، ماراثوناً من التفاوض الطويل والشاق، بدأ منتصف إبريل/ نيسان الماضي، وذلك عبر التوقيع على اتفاق نهائي يضم إعلانين، سياسي ودستوري، يمهدان لتشكيل حكومة انتقالية تدير البلاد لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، إضافة إلى مجلس للسيادة، وباقي مكونات الحكم. ويعاني السودان من حالة فراغ دستوري منذ إطاحة الرئيس عمر البشير، في 11 إبريل الماضي، على الرغم من تولي المجلس العسكري، بقيادة عبد الفتاح البرهان، مقاليد الحكم في البلاد بسياسة "وضع اليد".
وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق نهائي، تبقى عقبات كبيرة أمام البلاد في المرحلة المقبلة. ويمثّل رفض حركات مسلحة للاتفاق المنتظر التوقيع عليه اليوم، بحضور دولي وإقليمي كبيرين، أبرز تهديد له، إذ أعلنت حركات متمردة رفضها الاتفاق، مشترطة لموافقتها إدراج بنود فيه تختص بعملية تحقيق السلام في البلاد.

ويبدو أن قوى "إعلان الحرية والتغيير" تراهن بشكل كبير على الاتفاق، إذ شددت على أنه سينقل البلاد إلى عهد الأمن والأمان الحقيقي، وإلى دولة القانون، وعلى أن مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ستشهد عملية إعادة هيكلة بشفافية لإرساء العدالة ودولة القانون. وقال القيادي في "الحرية والتغيير"، ساطع الحاج، في تصريحات أمس، إن الوثيقة الدستورية اهتمت بأمر القوات النظامية، خصوصاً جهاز الأمن، "لتحولها من جهاز يخيف المواطنين ويحمي فقط رأس السلطة إلى جهاز يحمي الوطن ومن فيه". واعتبر هذه التعديلات تطوراً مهماً في السودان في إطار خطة "إنهاء الأجهزة القمعية والاستفادة من قدراتها الكبيرة التي كانت تتمتع بها، لتصبح أجهزة حامية للوطن"، مشيراً إلى تضمن الوثيقة الدستورية نصوصاً واضحة بشأن هيكلة وتوفيق أوضاع قوات الشرطة و"الدعم السريع" والقوات المسلحة لتتماشى مع متغيرات عهد التغيير. وشدد على أن أهم نقطة وجدت الإجماع من الجميع في الوثيقة الدستورية هي أهمية أن يكون الوطن موحداً بجيش واحد، والتحول خلال الفترة الانتقالية لجيش يخضع للقائد الأعلى للقوات المسلحة، مؤكداً أن قوات الدعم السريع أصبحت تابعة للقائد العام للجيش، فيما ستتم لاحقاً معالجة أوضاع "قوات الدفاع الشعبي والكتائب الجهادية والأمن الطلابي وكل سلاسل المليشيات والأجهزة الأمنية التي صنعها النظام السابق لحمايته أو حماية حزبه". وأشار الحاج إلى أن هذه الوثيقة أوجدت معادلة جديدة تمنع أي تضارب في السلطة، فقد قسمت السلطات بين المجالس المختلفة، السيادة، والوزراء، والمجلس التشريعي بشكل متناغم، مضيفاً أنها اهتمت أيضاً بضرورة إرساء قضاء عادل ومستقل ونزيه يستطيع حفظ الدولة، ويوفر للمواطن الشعور بالمساواة أمام القانون.

وستواجه السلطة الانتقالية في السودان صعوبات كبيرة، على رأسها الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي كانت سبباً في إشعال فتيل الثورة ضد البشير، إضافة إلى الشكوك القائمة بين العسكريين والمدنيين، ووجود عناصر ترغب في إفشال الاتفاق أسوة بفلول النظام السابق، وجماعات دينية ترى أن نصوص الوثيقة الدستورية تقود إلى علمنة في البلاد، بالإضافة إلى التقاطعات الدولية والإقليمية العديدة، الموزعة بين أطراف راغبة في استمرار الخرطوم في أحلاف نسجها نظام البشير، وبين أخرى تتخوّف من عدوى انتقال النموذج المدني الديمقراطي إلى السودان.

أما أشد المخاطر على اتفاق السبت، فتأتي من قِبل مكونات داخل "الحرية والتغيير" تتمسك بالتصعيد الثوري في البلاد، على غرار الحزب الشيوعي السوداني، علاوة على الحركات المسلحة التي ظلّت تقاتل السلطة المركزية لسنوات عديدة. وأعلنت الجبهة الثورية (أكبر مكوّن مسلح) و"الحركة الشعبية لتحرير السودان"، رفضهما الاتفاق، وجرى إطلاق تحذيرات مبطنة من إمكانية أن يقود ذلك إلى حرب أهلية. كما طالب رئيس "حركة العدل والمساواة" جبريل إبراهيم، أمس السبت، قوى "الحرية والتغيير" بالتمهل وعدم الاستعجال في توقيع الوثيقة الدستورية. وأوضح إبراهيم، في تصريح لوكالة "الأناضول، أن ذلك "من أجل المحافظة على مكتسبات الثورة، واصطحاب بقية الأطراف معها، لضمان المستقبل الأفضل للبلاد". ووجه انتقادات حادة لوثيقة الإعلان الدستوري، معتبراً أنها تجاوزت مناقشة قضية الحرب وتحقيق السلام. وأشار إلى أن "الجبهة الثورية لن تشارك في حفل التوقيع" اليوم، معتبراً أن "توقيع الوثيقة الدستورية دون مشاركة الجبهة الثورية وبقية الجماعات المسلحة، لن يساهم في وحدة أهل السودان، ولن يقود إلى وقف الحرب، كما أنه لن يساهم في استقرار البلاد"، مستبعداً أن "تقود الحكومة إلى تحقيق أي قدر من السلام، أو تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين". يشار إلى أن "الجبهة الثورية" تضم 3 حركات مسلحة، هي "تحرير السودان" يقودها مني أركو مناوي، و"الحركة الشعبية ــ قطاع الشمال" بقيادة مالك عقار، و"العدل والمساواة"، التي يتزعمها جبريل إبراهيم.


وفشلت الجهود في تقريب وجهات النظر بين قوى الثورة والحركات المسلحة، التي تريد تضمين المشاورات التي جرت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ضمن الوثيقة الدستورية، مع شرط بسيادة اتفاق السلام على الوثيقة الحاكمة دستورياً خلال الفترة الانتقالية. وتضع "قوى الحرية والتغيير" قضايا السلام كأولوية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الفترة الانتقالية، ولكن ذلك لم يكن كافياً للحركات المسلحة التي ترى في قوى الثورة امتداداً لسيطرة المركز على الأقاليم. وسالت دماء كثيرة منذ منتصف إبريل الماضي وصولاً إلى اليوم، إذ سقط مئات الضحايا لتمهيد الطريق أمام إقامة الدولة المدنية، في ما اعتُبر اختباراً حقيقياً لمدى التزام الثورة السودانية بالسلمية، وهو ما نجح السودانيون في اجتيازه بشكل كبير، على الرغم من حوادث دموية، على رأسها مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم التي ارتكبها عسكريون، في 3 يونيو/ حزيران الماضي، وراح ضحيتها ما يزيد عن مائة قتيل، بالإضافة إلى مقتل عشرات المتظاهرين عقبها بواسطة القنص في مواكب بالعاصمة والولايات، كانت تنادي بتسليم السلطة للمدنيين.

وكان طرفا الأزمة، المجلس العسكري و"الحرية والتغيير"، قد عادا إلى طاولة التفاوض، في يوليو/ تموز الماضي، بوساطة أفريقية-إثيوبية، عقب فترة من القطيعة التي تلت مجزرة القيادة، وأنجزا اتفاقاً سياسياً في 17 يوليو/ تموز يقضي بإنشاء مؤسسات الحكم وآجالها الزمنية، ومن ثم أحالا نقاطاً خلافية إلى اللجان المتخصصة التي عملت على إعداد وثيقة دستورية حاكمة للفترة الانتقالية. ومثّل ملف دماء الضحايا أحد أكثر الملفات تعقيداً بالنسبة لمفاوضي "الحرية والتغيير"، المفوضين من شارع يرفع شعار "الدم قصاد الدم لو حتى مدنية"، لا سيما في ظل خروج لجنة تحقيق شكّلها مكتب النائب العام بنتيجة حمّلت عسكريين متفلتين المسؤولية عن مجزرة الخرطوم. واستطاع الطرفان عبور هذا التحدي بالاتفاق على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، قوامها عناصر مشهود لها بالنزاهة والكفاءة. ولكن تبقى قضية مساءلة العناصر العسكرية التي ستشارك في مجلس السيادة (سيتألف من 5 عسكريين و5 مدنيين وشخصية مدنية مستقلة) من أعقد القضايا، لا سيما أن لجنة التحقيق المقصودة يتم تعيينها من قبل مجلس السيادة. وفي الملف نفسه، ثار جدل كبير حول ما أشيع عن مطالبة العسكريين بحصانات مطلقة، وهو ما جرى تجاوزه بإمكانية رفع الحصانة في حالة موافقة ثُلثي أعضاء المجلس التشريعي، الذي سيُشكّل من عناصر الثورة بنسبة 67 في المائة. وكانت مسألة إصلاح القوات النظامية من أكثر النقاط الجدلية. وانتهى الجدل بإسناد عملية الإصلاح للجيش نفسه، وذلك بإشراف من قائد عام للجيش (وهو منصب مستحدث) والسلطة السيادية وفقاً للقانون. وأُطلقت تحذيرات من إمكانية عودة الدولة العميقة في المؤسسة العسكرية في حال إسناد عملية الإصلاح للعسكر، وهو ما قلل منه قادة "الحرية والتغيير" بالإشارة إلى وجود مكوّن مدني داخل مجلس السيادة، ما يسمح بعملية مراقبة دقيقة لإصلاح الأجهزة النظامية في البلاد.

وأعلن ممثل للسفارة الإثيوبية في السودان عن حضور رئيس الوزراء، أبي أحمد، مراسم حفل التوقيع على الاتفاق النهائي. كما تأكد وفقاً لرئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري الجنرال شمس الدين الكباشي، حضور رؤساء جنوب السودان سلفاكير ميارديت، وتشاد إدريس ديبي، وكينيا أوهور كينياتا. وبحسب الكباشي، سترسل السعودية للمشاركة بالاحتفال وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، فيما يمثّل الكويت نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، كما يحضر وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة. واختارت دول الاتحاد الأوروبي إرسال المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى السودان ووزير خارجية فنلندا بيكا هافيستو، إلى جانب المبعوث البريطاني إلى المنطقة روبرت فيروز.

وكان لافتاً اعتذار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن حضور حفل التوقيع، على الرغم من اختيار رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان القاهرة لتكون ضمن أولى محطاته الخارجية، وقبول قوى الثورة و"الجبهة الثورية" بالقاهرة كمقر لجولة مفاوضات لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وتسري مخاوف في السودان بشأن عدم ترحيب السلطات المصرية بإقامة نموذج حكم ديمقراطي في جارتها الجنوبية، مخافة انتقال هذا النموذج إلى التراب المصري. كذلك، فإن حالة من التبرم قائمة بشأن التمثيل الخليجي الضعيف، في امتداد لما كان يجري في حقبة البشير، على الرغم من المشاركة السودانية الفاعلة في حرب اليمن.

المساهمون