الرياض تتحول إلى سجن كبير: حصر القوة العسكرية والاقتصادية بيد بن سلمان

05 نوفمبر 2017
+ الخط -

 

سيتذكّر السعوديون يوم الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 طويلاً، بوصفه اليوم الذي شهد موجة اعتقالات لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث للمملكة العربية السعودية، طاولت أمراء ووزراء ومسؤولين، تحت عنوان عريض اسمه "محاربة الفساد"، لكنه يخفي تحته الهدف الرئيس المتمثل في تعزيز قبضة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على مقاليد الحكم كافة، وجميع المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإعلامية تمهيداً لتسلّمه العرش.

وهذا الأمر بات يستدعي التصدّي لأي معارضة وإبعاد أي شخصية قد تشكّل خطراً عليه، حتى لو تطلّب ذلك اعتقال أمراء من العائلة الحاكمة وتجريدهم من قوتهم العسكرية والاقتصادية إلى جانب حلفائهم المحليين من رجال الأعمال.

وبعد الانقلاب الأول الذي أطاح في 21 يونيو/ حزيران الماضي ولي العهد السعودي آنذاك، وزير الداخلية، محمد بن نايف، من منصبه كولي للعهد وتعيين محمد بن سلمان مكانه في ولاية العهد وكنائب لرئيس مجلس الوزراء مقابل تعيين الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزيراً للداخلية، كانت السعودية مساء السبت 4 نوفمبر/ تشرين الثاني على موعد مع الانقلاب الثاني الأكبر من نوعه، إذ أوقف 11 أميراً من العائلة الحاكمة وأربعة وزراء حاليين وعشرات الوزراء السابقين، وضعتها وسائل الإعلام السعودية في إطار حملة تطهير غير مسبوقة للفساد.

وتطلّب إخراج الحملة تشكيل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لجنة لمكافحة الفساد أسند رئاستها إلى نجله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وجرى تكليفها بـ"حصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام".

ومنح الملك سلمان اللجنة صلاحيات "التحقيق، وإصدار أوامر القبض، والمنع من السفر، وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها، وتتبع الأموال والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات أياً كانت صفتها، ولها الحق في اتخاذ أي إجراءات احترازية تراها حتى تتم إحالتها إلى جهات التحقيق أو الجهات القضائية بحسب الأحوال".

ولم يكد يمضي وقت قصير على إعلان تشكيلها حتى بدأت تتوالى الاعتقالات، ليتصدرها اسم وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز، والذي أقاله الملك السعودي وعيّن بدلاً منه الأمير خالد بن عبد العزيز بن محمد بن عياف آل مقرن، نجل الملك الراحل وأحد أبرز المنافسين على العرش قبل صعود محمد بن سلمان قبل عامين، ما يعزز سيطرة الأمير محمد على المؤسسات الأمنية التي ترأستها لفترة طويلة أفرع قوية منفصلة من الأسرة الحاكمة.

ويضاف إلى قائمة المحتجزين الأمير الملياردير الوليد بن طلال، وقائد القوات البحرية الفريق الركن عبد الله بن سلطان بن محمد السلطان، والذي تم الإعلان أول من أمس عن إعفائه من منصبه وإحالته إلى التقاعد. كذلك اعتُقل رئيس هيئة الأرصاد الجوية والبيئة الأمير تركي بن ناصر، مساعد وزير الدفاع السابق، الأمير فهد بن عبد الله بن محمد آل سعود.

ومن بين المحتجزين الآخرين الأمير السابق لمنطقة الرياض الأمير تركي بن عبد الله وخالد التويجري الذي كان رئيساً للديوان الملكي في عهد الملك الراحل عبد الله ورئيس المراسم الملكية سابقاً محمد الطبيشي.

ويضاف إليهم وزير المالية السابق إبراهيم العساف، وهو عضو في مجلس إدارة شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط، ووزير الاقتصاد عادل فقيه الذي أدى دوراً كبيراً في وضع مسودة الإصلاحات.

وإلى جانب الأمير الوليد بن طلال، أحد أشهر رجال الأعمال السعوديين على مستوى العالم والمستثمر في شركات مثل سيتي جروب وتويتر، فإن من بين المحتجزين في السعودية بكر بن لادن رئيس مجموعة بن لادن السعودية الكبيرة للمقاولات، ورجل الأعمال محمد العمودي، وحاكم الهيئة العامة للاستثمار السعودي عمرو الدباغ. ويضاف إليهم المدير العام للخطوط الجوية السعودية خالد الملحم، ورئيس مجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية سعود الدويش. كذلك لم يسلم أبرز المحتجزين على صعيد المؤسسات الإعلامية، وهما الوليد آل إبراهيم مالك شبكة (إم.بي.سي) التلفزيونية ورجل الأعمال صالح كامل مؤسس شركة أي ار تي.

وقالت مصادر على اتصال بالحكومة السعودية لوكالة "رويترز"، إنه يعتقد أن السلطات السعودية ستُبقي على بعض المحتجزين في فندق ريتز كارلتون بالحي الدبلوماسي في الرياض، فيما سارعت هيئة كبار العلماء بالسعودية لإضفاء الشرعية الدينية على الاعتقالات بالقول في تغريدة على موقع تويتر إن "محاربة الفساد لا تقل أهمية عن محاربة الإرهاب".

ويتيح التوقف عند لائحة أسماء المعتقلين وتضمنها أمراء بارزين ومبرر الفساد الذي تروج له السلطات السعودية كسبب رئيسي تسجيل عدد من الملاحظات؛ أولاها أن الاعتقالات تضرب أحد أبرز مرتكزات الحكم داخل العائلة الحاكمة السعودية، والذي كان يقوم على توزيع المنافع الاقتصادية على أكبر قدر ممكن من الفروع داخل العائلة، مقابل تركيز السلطة السياسية في يد طرف واحد، وهو ما يبدو أنه قد أصبح من الماضي، في ظل رغبة ولي العهد السعودي في تركيز السلطات الأمنية والسياسية والاقتصادية في يده. وهو ما جعل الخبير في شؤون الخليج في معهد بيكر بجامعة رايس الأميركية يقول لوكالة فرانس برس إنه "يبدو أن نطاق ومدى هذه الاعتقالات لم يسبق لهما مثيل في التاريخ الحديث للمملكة العربية السعودية".

وفي السياق، أشار جيمس دورسي، وهو مدرس كبير في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، إلى بعض الاحتجازات بقوله إن "الحملة الأخيرة تمثل خروجاً على تقاليد التوافق والإجماع داخل الأسرة الحاكمة التي تضاهي طريقة عملها السرية تلك الخاصة بالكرملين أيام الاتحاد السوفيتي".

وأشار دورسي إلى أنه "على الرغم من ذلك فإن قرارات الإعفاء والاحتجاز توحي بأن الأمير محمد - وبدلاً من السعي لتكوين تحالفات - يعزز قبضته الحديدية لتشمل الأسرة الحاكمة والجيش والحرس الوطني لمواجهة معارضة واسعة النطاق فيما يبدو داخل الأسرة والجيش لإصلاحاته ولحرب اليمن".

من جهته، قال خبير اقتصادي في بنك خليجي كبير، طالباً عدم ذكر اسمه، نظراً للحساسيات السياسية، إنه لا يوجد في السعودية من يرى الفساد سبباً للقرارات الأخيرة. وأضاف "الأمر يتعلق بتعزيز السلطة والإحباط من عدم مضي الإصلاحات بالسرعة الكافية". 

كذلك يرى مراقبون أن خطوات بن سلمان الأخيرة تهدف إلى أمرين؛ الأول هو تجريد الأمراء المعارضين له من قوتهم سواء العسكرية، وهو ما تطلب عزل متعب بن عبدالعزيز الذي كان يعد العقبة الأخيرة في طريق تنصيبه ملكاً للبلاد، بعد عزل بن سلمان لولي العهد محمد بن نايف من منصبه وإعفائه من وزارة الداخلية أيضاً، فضلاً عن تجريد أمراء آل سعود من أصحاب الملايين من قوتهم المالية وثرواتهم وعلى رأسهم تركي بن ناصر، والوليد بن طلال، فضلاً عن توسيع الحملة لتطاول شركاءهم من التجار المحليين، خوفاً من أي خطوات قد يتخذونها مستقبلاً، خصوصاً أن كثيراً منهم يعترض على سيطرته المطلقة والتامة على المناصب في الدولة، ويخشى من دخول المستثمر الأجنبي الذي يحاول بن سلمان دعوته إلى الاستثمار في المدن الجديدة.

ويتعزز هذا الاعتقاد، لا سيما بعد أن جاءت الاعتقالات الأخيرة بعد وقت قصير من حملة استهدفت المعارضين السياسيين من خارج الأسرة الحاكمة في سبتمبر/ أيلول الماضي وشملت نحو 30 من رجال الدين والمثقفين والنشطاء.

ورأى محللون أن بعض الموقوفين معارضون للسياسة الخارجية المتشددة التي تتبعها السعودية حالياً، خصوصاً في ما يتعلق بالأزمة مع الجارة قطر، بينما بعضهم الآخر ينظر بريبة إلى الإصلاحات الاقتصادية التي يعتمدها الأمير محمد، وبينها تخصيص قطاعات عامة وتقليل الدعم الحكومي.

وفي السياق، قالت الأستاذة الجامعية السعودية، مضاوي الرشيد، عبر موقع تويتر، إن "السعودية تبدو اليوم كالاتحاد السوفيتي لحظة وفاة ستالين، مؤامرات وتصفيات داخل الحلقة المغلقة"، معتبرة أن "أسهل طريقة للتخلص من الأمراء المنافسين سجنهم في قضايا فساد وكأن السجان قمة النزاهة".

وخلصت إلى القول "سيحاولون إقناعكم أن ما يجري حملة ضد الفساد، لكن في الواقع هي تصفية لأمراء قد ينافسون محمد بن سلمان وإيقاف بعض الوزراء تغطية وتمويه".



(العربي الجديد، رويترز، فرانس برس)

ذات صلة

الصورة

منوعات وميديا

استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد، لدى وصوله إلى محافظة العلا في المملكة العربية السعودية، اليوم الثلاثاء، لحضور القمة الخليجية، بعد إعلان الكويت عن فتح الحدود بين البلدين.
الصورة

منوعات وميديا

نشرت صحيفة "واشنطن بوست"، حيث كان يكتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي قبل اغتياله في 2 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2018 داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، ملفّاً ضم سلسلة مقالات رأي لكتّاب عرب وأجانب عن الجريمة و"العدالة التي لم تتحقق" في ذكراها الثانية.
الصورة
محمد بن سلمان-فايز نورالدين/فرانس برس

سياسة

روت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في تقرير ، واقعة حصلت في صيف عام 2015، عندما أقام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حفلاً في منتجع خاص في المالديف، استضاف فيه 150 امرأة، احتفالاً بتوليه ولاية العهد.
الصورة

سياسة

استدعت محكمة اتحادية أميركية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الدعوى التي رفعها ضده سعد الجبري، ما يجعله في سباق مع الوقت لتحصيل "حصانة أميركية"، قبيل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، والمفتوحة على كل الاحتمالات.

المساهمون