الرهن العقاري... المصارف تهدد آلاف الجزائريين بفقدان مساكنهم

15 سبتمبر 2017
الصورة
تزايد الوحدات المقرر الحجز عليها (رياض كرامدي/فرانس برس)

طبقت المصارف الجزائرية العديد من الحجوزات على ممتلكات المواطنين في الأشهر الأخيرة، خاصة الشقق السكنية التي اشتروها في أوقات سابقة عبر الاقتراض منها، وذلك بعد أن تجاوزت الديون لدى المتعثرين الخطوط الحمراء، ما يجعل المخاوف تتزايد من انفجار فقاعة رهن عقاري في البلاد. 

عمر محرزي، مواطن جزائري، رأى يوم 25 أغسطس/ آب الماضي شقته وهي تباع في المزاد العلني بعد عجزه عن دفع القرض الذي أخذه من بنك جزائري - فرنسي لشراء الشقة من مطور عقاري خاص.

وقال محرزي لـ"العربي الجديد"، إنه تعثر عن دفع 5 أقساط مترتبة عليه، وحسب العقد المبرم بين الطرفين يحق للبنك الحجز على العقار محل الرهن عند تراكم 4 أقساط غير مدفوعة.

وأضاف المتحدث نفسه أن البنك أخطره ثلاث مرات عن طريق المحضر القضائي قبل أن يحجز على الشقة ويضعها للبيع في المزاد العلني حتى يستعيد بقية القرض.

واعترف محرزي بأنه لم يعد قادراً على سداد القرض البنكي بسبب اهتزاز قدرته المالية أخيرا بعد انكماش عائداته المالية السنوية وغلاء المعيشة، ما أثر على ادخاراته المخصصة لسداد الدين البنكي الذي بلغ 9.5 ملايين دينار (86 ألف دولار).

ولم يألف الجزائريون رؤية ممتلكاتهم العقارية تُحجز من طرف البنوك التي كانت تغض الطرف عن تراكم الديون، مفضلة إعادة جدولتها عن طريق التفاوض مع المدين.

إلا أن الأزمة المالية التي تمر بها البلاد منذ ثلاث سنوات وما ترتب عنها من أزمة سيولة يضاف لها تخطي الديون البنكية لدى المتعثرين الخطوط الحمراء، تلك المعطيات جعلت المؤسسات المصرفية تتحرك لتحصيل ديونها عن طريق الحجز على العقار المرهون، سواء كانت مساكن أو قطع أراض بالنسبة لأصحاب قروض بناء المنازل.

وحسب أحمد جبور، رئيس مجلس المنازعات في جمعية البنوك الجزائرية (تكتل يضم البنوك الناشطة في الجزائر)، فإن الجمعية راسلت مطلع مايو/ أيار الماضي البنوك لتبلغها بضرورة التحرك لتحصيل الديون المتراكمة سواء عن طريق القضاء أو عن طريق بلاغ شركات التأمين المؤمنة على القروض أو عن طريق الحجز الفوري للعقارات محل الرهن.

وأضاف المتحدث نفسه أن هذه الإجراءات جاءت ضمن سلسلة من التدابير التي أقرتها جمعية البنوك لحماية وتوفير السيولة المالية في البنوك، من بينها تسقيف القروض الموجهة لشراء العقارات عند 12 مليون دينار جزائري (109 آلاف دولار)، وذلك كإجراءٍ احترازي من تعثر عملية تحصيل القروض جراء عجز المقترضين عن دفع الأقساط المترتبة عليهم دورياً.
وبلغة الأرقام، يكشف جبور أن حجم القروض الموجهة للتمويل العقاري بلغت قرابة 2.2 مليار دولار منذ سنة 2007، تم تحصيل قرابة 60% منها.

وفي ما يتعلق بالحجز على العقارات، قال جبور إن قرابة 6500 ملف موجودة على مستوى الجمعية يُنتظر أن يبلّغ أصحابها بقرارات الحجز في الأشهر القادمة بعد عجزهم عن تسديد الأقساط الدورية، في وقت بلغت الحجوزات المصرفية على الشقق منذ إبلاغ البنوك بالتحرك الفوري قرابة 1200 شقة.

وحسب المعلومات التي حصلت عليها "العربي الجديد"، فإن أغلبية الملفات محل الحجز متعلقة بمكتتبين في صيغة "السكن الترقوي العمومي" التي أطلقها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لأصحاب الدخل المتوسط، حيث تبني شركة مقاولات حكومية عمارات بمواصفات حديثة على أن يدفع بنك عمومي ثمن الشقة بنسبة فائدة تقدر بـ7%، حيث ارتفعت طلبات التنازل عن الشقق طوعاً من طرف المكتتبين بسبب عجزهم عن دفع الأقساط لارتفاعها (40% من الراتب حسب دفتر الشروط)، إلا أن الحكومة تتستر على أرقام المتعثرين والمتنازلين عن شققهم خوفاً من إجهاض المشروع الذي كلف الخزينة العمومية أموالاً طائلة.

ويرجع الخبير في سوق العقارات وعضو الاتحاد الجزائري للوكالات العقارية، كمال قرناح، ارتفاع حالات العجز عن دفع أقساط العقارات إلى عدة عوامل، في مقدمتها ارتفاع أسعار العقار في الجزائر، فمثلاً من المستحيل إيجاد شقة في الولايات الجزائرية الكبرى تحت سعر 11 مليون دينار (حوالى 100 ألف دولار)، على حد تعبيره.

وأضاف لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "مع احتساب سعر الفائدة الذي يراوح بين 7 و10% ووضع شرط 40% من الراتب التي يجب قطعها، نجد أن الكثير من المتعثرين وجدوا صعوبة في إحداث توازن في ميزانيتهم، في ظل غلاء المعيشة وارتفاع التضخم وانهيار قيمة الدينار".

وقال إن البنوك كانت تشجع على الاقتراض للتمويل العقاري في سنوات البحبوحة المالية، حيث كانت تحوز على سيولة كبيرة قابلها نقص الإقبال على الخدمات المصرفية، فأدخلت ليونة على الشروط أدت إلى إقراض قرابة ملياري دولار في غضون 10 سنوات للجزائريين الراغبين في شراء مساكن، وبعد اشتداد الأزمة المالية وامتصاص المركزي الجزائري للسيولة التي كانت في شريان المؤسسات المالية، بدأت البنوك تبحث عن أموالها التي لم تُحصّل.

ويتوقع الخبراء أن تنتعش تجارة الشقق والعقارات محل الحجز البنكي، بالنظر للكم الكبير من الملفات محل النزاعات بين البنوك والمقترضين، حيث تكون أسعارها تنافسية وتُسيل لعاب السماسرة والمضاربين.

وقال الخبير الاقتصادي، جمال نور الدين، إن بيع الشقق محل الحجز المصرفي يكون عادة عن طريق المزاد العلني، وتسمح هذه الطريقة غالبا ببيع العقارات في عمليات الحجز بالمبلغ المتبقي للمصرف، ما يغري المضاربين على دخول المزاد بكل ثقلهم.

وأضاف نور الدين لـ"العربي الجديد"، أن عملية البيع لا تقوم بها البنوك بل توكل إلى شركات متخصصة استطاعت أن ترسم دائرة صغيرة من المستفيدين من عمليات البيع التي تتم في كثير من الأحيان في سرية ودون الإعلان في الجرائد، وفق ما يقتضيه القانون الجزائري.

تسود حالة من الترقب بالجزائر حول الإجراءات التي يفترض أن تتخذها الحكومة الجديدة من أجل إخراج قطاع العقارات من حالة الركود التي تسيطر عليه منذ بداية العام الماضي.

وفي مسعى لتحريك مياه سوق العقارات الراكدة، جاء رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون بخطة حكومية جديدة ترتكز إلى إعادة بعث سوق الإيجار، من خلال إلزام المستثمرين والمطورين العقاريين على طرح جزء من الشقق التي يشيدونها للإيجار لا للبيع، مع حسم بعض الرسوم الضريبية، وتسهيل عملية منحهم القروض البنكية.

إلا أن هذه الخطة الحكومية سرعان ما سقطت في الماء، بعدما تمت إقالة رئيس الوزراء تبون بعد 98 يوماً من تعيينه بعد دخوله في حرب مع رجال أعمال مقربين من محيط الرئيس بوتفليقة.

تعليق: