الديكتاتورية وكأس العالم6..مونديال الأرجنتين 78النموذج الأسوأ لزواج السياسة والرياضة

08 يونيو 2014
الصورة
فوز الأرجنتين بكأس العالم 1978 في أكثر البطولات جدلاً(Getty)
+ الخط -

تظل ذكريات كل نسخة من بطولة كأس العالم لكرة القدم عالقة في أذهان كل عاشق للعبة الشعبية الأولى، بتفاصيلها ومبارياتها، بنجومها وأهدافها، بأجوائها الجماهيرية في المدرجات، لكن تبقى نسخة 1978 بالأرجنتين الأكثر إثارة للجدل على مر تاريخ المونديال، حيث يشهد كثير من المؤرخين أنّها كانت أسوأ مثال للتزاوج بين السياسة والرياضة.

 

فقد طالت تلك النسخة الكثير من اتهامات الفساد والغش والتلاعب بل والتهديد بالقتل، في ظل فترة عصيبة عاشها البلد اللاتيني تحت وطأة حكم عسكري ديكتاتوري استغل البطولة لإلهاء الشعب والمجتمع الدولي عن أساليب القمع التي ينتهجها.

 

لكن تبقى تلك روايات كشف عنها شهود عيان عاصروا البطولة سواء من الصحفيين أو اللاعبين دون أدلة قاطعة، مما استدعى تدخل الفيفا في 2012 للتحقيق في تلك الوقائع دون أنّ يتوصل لنتائج حاسمة حتى الآن، ويعدُ جمهور الكرة في البرازيل ومحبي السيليساو" حول العالم أكبر المؤمنين بنظرية المؤامرة في تلك البطولة، بجانب أنصار المنتخب الهولندي، حيث يشككون حتى يومنا هذا في أحقية الأرجنتين باللقب، ويعتبرون أنّ فوزها بكأس العالم "الأولى في تاريخها" نابع من تدخل سياسي سافر.

 

في وقت اختيرت الأرجنتين عام 1966 لتكون مستضيفة النسخة الـ 11 من كأس العالم 1978 للمرّة الأولى بعد فشلها في نيل هذا الشرف ثلاث مرّات من قبل أعوام 1938 و1962 و1970، وتكلف تنظيم الحدث نحو 520 مليون دولار.

 

وشارك في البطولة 16 منتخباً تم تقسيمهم إلى أربع مجموعات، تأهل الأول والثاني من كل مجموعة الى الدور الثاني الذي انقسم لمجموعتين من أربعة منتخبات، تأهل المتصدر فيهما إلى المباراة النهائية (الأرجنتين - هولندا) ولعب الوصيفان (البرازيل - إيطاليا) على الميدالية البرونزية.

 

في حين توّجت الأرجنتين بلقبها الأول في كأس العالم بعد فوزها على هولندا في النهائي 3-1، فيما نالت البرازيل المركز الثالث بتغلبها على إيطاليا 2-1، شهدت البطولة مشاركة دولتين للمرّة الأولى بكأس العالم هما تونس وإيران، وكلاهما خرج من الدور الأول، وكان أبرز نجومها الأرجنتيني ماريو كيمبس المتوج بلقب الهداف.

 

وشهد عام 1976 انقلاباً عسكرياً في الأرجنتين، أيّ قبل عامين فقط على انطلاق المونديال، وبحجة القضاء على العناصر الإرهابية تعرض عشرات الآلاف من المواطنين للقتل والتعذيب والاختفاء القسري، أكثرهم من الصحفيين والرياضيين والفنانين وأيّ شخص يحمل فكراً معارضاً للنظام العسكري، بسبب المخاوف الأمنية الدولية تقدمت هولندا بطلب بتنظيم البطولة وسحب الشرف من الأرجنتين، لكنّ "الفيفا" أصر على قراره بعد الحصول على وعود من الديكتاتور رافائيل فيديلا بتأمين حماية كاملة للمباريات.

 

قبل البطولة بعام واحد انطلقت حملة عالمية لمقاطعة البطولة احتجاجاً على انتهاكات حقوق الإنسان في الأرجنتين، واعتبرت الحكومة العسكرية تلك الحملة مؤامرة لتشويه الأرجنتين في الخارج، غير أنّ قطاعاً آخراً، وخاصة من الصحفيين، رفض المقاطعة وقرر المشاركة والسفر لبلاد "التانجو" للتقرب من عائلات الضحايا ونقل معاناتهم للعالم. 

  

 وبالحديث عن دوافع التشكيك في جدارة "الألبي سيليستي" بالتتويج بالكأس، فقد رصدت مجاملات تحكيمية لأصحاب الأرض، بدءاً من المباراة الأولى أمام المجر (2 – 1)، التي طرد فيها الحكم البرتغالي أنطونيو جاريدو أفضل لاعبين في المجر نيلاسي وتورشيك في الدقائق الاخيرة.

 

 وفي المباراة الثانية أمام فرنسا (2 – 1)، التي أدارها السويسري جيان دوباش، احتسبت للأرجنتين ركلة جزاء مثيرة للشك، وحرم "الديوك" من ركلة مماثلة، وقد كانت تلك النتيجة سبباً في تأهل الأرجنتين للدور الثاني بعد أنّ نالت الوصافة خلف إيطاليا المتصدرة، فيما ودعت فرنسا البطولة.

 

كما وجهت اتهامات لبعض لاعبي الأرجنتين بتعاطي منشطات قبل مباراة فرنسا على علم من الفيفا، ضمن خطة محكمة بين فيديلا ورئيس الاتحاد الدولي آنذاك، البرازيلي جواو هافيلانج.

 

 وكانت المباراة الأكثر جدلاً تلك التي جمعت الأرجنتين والبيرو في الدور الثاني، وفازت فيها الأولى (6 – 0)، حيث قيل إنّ جنرالات البلدين اتفقوا على تلك النتيجة مقابل تسليم بيرو شحنة ضخمة من القمح تقدر بـ 35 ألف طن، وإعطاء رشاوي للاعبين بقيمة 50 مليون دولار، حيث كانت الأرجنتين في حاجة للفوز بأكثر من أربعة أهداف لتخطي البرازيل بفارق الأهداف والتأهل للنهائي.

 

وأكدت بعض الشهادات وجود الديكتاتور فيديلا برفقة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر داخل غرف ملابس لاعبي بيرو للاتفاق على الصفقة، حيث كانت الولايات المتحدة تدعم الانقلاب العسكري الأرجنتيني، لكن المدافعين عن فوز الأرجنتين يؤكدون صحة موقفهم بحجة أنّ القائم حرم بيرو من هدفين، وهذا ينفي الاتهام بتعمد الهزيمة، كما أن البيرو لعبت المباراة بدون دافع بعد تأكد خروجها.

 

ومما زاد الشكوك حول التلاعب، تغيير موعد مباراة البرازيل وبولندا، التي كان من المفترض أنّ تقام في نفس توقيت مباراة الأرجنتين والبيرو، حيث كان "السيليساو" يتفوق بفارق هدفين وانتظرت الأرجنتين فوزه بنتيجة (3 – 1) على بولندا، لتحدد عدد الأهداف التي تريدها أمام البيرو، وبدلاً من تسجيل أربعة أهداف سجلت ستة، وهي نتيجة مفاجأة بكل المقاييس نظراً لقوة المنتخب البيروفي في هذا التوقيت.

 

وكشف سيناتور بيروفي يدعى جينارو ليديسما، بعد 34 عاماً من الصمت، أمام القضاء الأرجنتيني أنه تعمد تفويت منتخب بلاده للمباراة، مقابل مساعدة النظام العسكري في الأرجنتين على قمع المعارضة في البيرو باستلام 13 معارضاً، من بينهم ليديسما نفسه.

 

وفي المقابل نفى تيوفيلو كوبيلاس نجم منتخب البيرو تلك المؤامرة، موضحاً "كرة القدم مكسب وخسارة، عندما تفوز بكرامة عليك أنّ تتعلم أيضا أنّ تخسر بالأسلوب ذاته، لا أحد توقع هذه النتيجة، على الأقل نحن، في الدقائق العشر الأوائل رد لنا القائم كرتين. إذا ما سكنت هاتين التسديدتين المرمى فربما تحدثنا الآن عن شيء مختلف تماماً"، كما أعاد للأذهان خسارة بلاده بنفس النتيجة (6 – 0)، أمام الإكوادور في مباراة ودية قبل أيام من المونديال.

 

ولم تسلم المباراة النهائية من الجدل، حيث أشيع أنّ الحكم الإسرائيلي أبراهام كلين تم تبديله في الدقائق الأخيرة بالإيطالي سيرجيو جونيلا، بحجة العلاقات القوية بين إسرائيل وهولندا، دون الوضع في الاعتبار احتمالية انحياز الحكم للأرجنتين بداع أنّ بلاده تعرضت لخسارة أمام هولندا (2 – 1)، الأمر الذي حرمه من بلوغ النهائي.

 

وتم الربط ايضاً بين اعتذار الأسطورة الهولندي يوهان كرويف عن المشاركة في البطولة بتلقيه تهديدات بالقتل من قادة الانقلاب في الأرجنتين، لا سيّما أنّه كان من أفضل لاعبي العالم في هذه الفترة، وربما كانت مشاركته في المباراة النهائية سترجح كفة "الطواحين".

 

وتكتم كرويف على الأسباب الحقيقية لغيابه عن مونديال 78، ولم يفصح عنها إلا في 2008، حيث نفى وجود أي صلة للأرجنتين بقراره، وإنما كشف عن تعرضه لحادث سطو في منزله ببرشلونة، حين تم تقييده هو وزوجته بالحبال امام أنظار أطفاله قبل فترة قصيرة على البطولة.

 

وفشل كرويف بعد الحادث في تجميع قواه وتركيزه، خاصة أنّ قوات الشرطة كانت تقيم بمنزله لنحو أربعة أشهر للقيام بمهام التأمين، ولم يوضح كيف انتهت تلك المحنة، وأشار كرويف الى أنه لم يشعر أنّه في حالة نفسية تسمح له بمساعدة هولندا في المونديال من فرط قلقه على عائلته، حيث يتطلب الاستعداد لكأس العالم تركيزاً تاماً بنسبة "200%"، على حد قوله.

 

ومما أكدت تلك الوقائع تصريحات ظهرت بعد سنوات طويلة لمدرب المنتخب الأرجنتيني سيزار لويس مينوتي أبدى خلالها استيائه من استغلال حكومة "فيديليا" له، كما قال اللاعب السابق أوسفالدو أرديليس "من المؤلم معرفة أنّنا كنا أداة للتغطية على الانتهاكات بحق شعبنا"، وكذلك قال زميله ريكاردو فيا "لقد استغلونا للتستر على اختفاء 30 ألف شخص، أشعر بالخداع، وأتحمل المسؤولية على الصعيد الفردي، لقد كنا كتلة واحدة لا تفكر سوى في الكرة". 

 

مع كل تلك الروايات التي يتحمل أصحابها وحدهم مسؤوليتها، وفي ظل عدم وجود أدلة قاطعة، يبقى مونديال 78 الأكثر بعداً عن قيم التنافس الشريف، وانعكاس لألعاب السياسة القذرة وتمازجها مع الرياضة، إلى أجل غير مُسمى.

المساهمون