الدعم الروسي للفاشيين(4/4): تفتيت أوروبا و"الأطلسي" وبناء "الدولة المحافظة"

20 يوليو 2019
الصورة
دشّنت لوبان زيارات رموز اليمين المتطرف لموسكو (ميخائيل كليمنتييف/Getty)
+ الخط -
تزداد الدعوات إلى تحقيق شامل بشأن تدخل روسيا في انتخابات البلدان الأوروبية، وعلاقة الكرملين مع أحزاب وحركات يمينية متطرفة وشعبوية، بعد تسريبات صوتية وفضائح طاولت قادة هذه الأحزاب في إيطاليا والنمسا وفرنسا. وفي حين تنفي موسكو تدخلها في الانتخابات وشؤون الدول الداخلية، وتعزو الاتهامات الغربية إلى محاولات "شيطنة روسيا"، والتغطية على رفض شرائح واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا للفكر الليبرالي الذي "عفا عليه الزمن" بحسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باتت موسكو قبلة لزعماء اليمين المتطرف الأوروبي بحثاً عن دعم سياسي ومالي. وفي المقابل، يزداد تأثير موسكو في أوساط رافضي العولمة، الداعين إلى التخلي عن الاتحاد الأوروبي والخروج منه.

منذ أيام، كشف موقع "بازفيد نيوز" الأميركي عن عقد اجتماعٍ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي ضمّ مقربين من أقوى زعماء اليمين المتطرف في أوروبا، نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني مع مسؤولين روس، بهدف التفاوض على شروط صفقة تقدم بموجبها روسيا عشرات الملايين من الدولارات، من عائدات النفط، لحزب "رابطة الشمال" الذي يتزعمه سالفيني. نشر الموقع تسجيلاً وتقريراً مرافقاً، قال إنه "لاجتماع ضم ست شخصيات في فندق فخم وسط موسكو، هم ثلاث روس وثلاث إيطاليون، من ضمنهم جيانلوكا سافيوني، أحد المقرّبين من سالفيني"، مشيراً إلى أن "الغرض الشكلي للاجتماع تمثل في إبرام صفقة شراء نفط، لكن الهدف الحقيقي تمحور حول تقويض الديمقراطيات الليبرالية وتشكيل أوروبا القومية الجديدة المتحالفة مع موسكو". وعلى الرغم من نفي زعيم حزب "رابطة الشمال" حصوله على أي مساعدات خارجية لتمويل حزبه، إلا أن التسجيل تضمن أدلة قوية على محاولات سرّية روسية لتمويل حركات قومية أوروبية، والتآمر الواضح لبعض الشخصيات الكبيرة من أقصى اليمين الأوروبي في تلك المحاولات.

ومع توالي الفضائح حول علاقات قادة أقصى اليمين المتطرف مع موسكو، تزداد القناعة بوجود هدف سياسي خفي وراء عقد صفقات تجارية روسية مع قادة أقصى اليمين الأوروبي. ومعلوم أن سجالاً كبيراً أثارته زعيمة "التجمّع الوطني" (الجبهة الوطنية سابقاً) الفرنسية اليمينية مارين لوبان، بعد حصولها على 11 مليون يورو كقروض من مصارف روسية، أحدها على علاقة بالكرملين في 2014، بعد تأييدها علناً ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، لكنها أصرّت حينها على أن الصفقة كانت تجارية وليست سياسية. وقبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة عام 2017، استقبل بوتين لوبان في الكرملين في خروج عن تقاليد الدبلوماسية الروسية الصارمة، في إشارة إلى حظوتها لدى موسكو. وكشفت تقارير سابقة، أنه قبل إجراء استفتاء في بريطانيا حول الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ناقش أرون بانكس، أكبر داعم مالي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، صفقات استثمار في الذهب والماس عرضتها السفارة الروسية في لندن، واعداً بأرباح هائلة. ومعلوم أن بانكس، الذي يخضع حالياً لتحقيق الوكالة الوطنية للجريمة في بريطانيا حول "المصدر الحقيقي" لـ 8 ملايين جنيه إسترليني (10.1 مليون دولار) تبرّع بها لحملة "إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، نفى مراراً ارتكاب أي مخالفات. وفي مايو/ أيار الماضي، أُجبر زعيم حزب الحرية النمساوي هاينز كريستيان شتراخه على الاستقالة، بعد أن تم تصويره سرّاً وهو يناقش تبادل صفقات حكومية لصالح حملة تأييد لروسيا. وتم نشر الفيديو من قبل وسائل إعلام ألمانية.

وإضافة إلى جذب قادة اليمين المتطرف، يزداد البحث في دور روسي في نشر أخبار كاذبة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ويدور الحديث عن وكالات الأنباء وشبكات التلفزة المدعومة من قبل الكرملين، فضلاً عن جيش من الموظفين المكلفين بالتأثير في الحياة السياسية في أوروبا أثناء حملات انتخابية أو استفتاءات مفصلية.
وفي منتصف شهر يونيو/ حزيران الماضي، ذكرت المفوضية الأوروبية أن "الاتحاد الأوروبي جمع أدلة بشأن مواصلة روسيا أنشطة التضليل، هدفت إلى الحد من مشاركة الناخبين في الانتخابات الأوروبية التي جرت الشهر الماضي، والتأثير على توجهاتهم". وأشارت المفوضية في تقرير إلى أن "الأدلة التي تم جمعها في الأشهر الماضية كشفت عن أنشطة تضليل متواصلة ومستمرة من جانب مصادر روسية سعت إلى كبح مشاركة الناخبين والتأثير على توجهاتهم". وأوضح التقرير أن "الأنشطة الضارّة تراوحت بين تحدي شرعية الديمقراطية الأوروبية إلى استغلال المناظرات المسببة للانقسام بشأن قضايا مثل الهجرة"، لافتاً إلى "حادث حريق كاتدرائية نوتردام في باريس كمثال (15 إبريل/ نيسان الماضي)، إذ استُخدم من قبل جهات خبيثة لإظهار تدهور القيم الغربية والمسيحية في الاتحاد الأوروبي". وخلص التقرير إلى "ضرورة مواصلة التحقيقات في هذه الأساليب التي تستخدمها جهات داخلية وخارجية، وتحديداً تلك المرتبطة بمصادر روسية، تتطور سريعاً بنفس وتيرة تطور الإجراءات التي تتبناها الدول ومنصات الإنترنت".

وفي السنوات الأخيرة، لا يصعب على أي متابع للقنوات الروسية، والمؤسسات الإعلامية الممولة من الحكومة، ملاحظة محاولات تشويه صورة اللاجئين والمهاجرين في أوروبا، عبر التركيز على جرائم طالبي اللجوء وتضخيمها، وإلصاق معظم حالات الاغتصاب والسرقة بالأجانب بعد سياسة الأبواب المفتوحة، التي تبنتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 2015. ومع التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي، كشفت تقارير غربية عدة عن وجود مجموعات عمل بإدارة شخصيات مقربة من الكرملين، تقود عملية متكاملة لنشر أخبار كاذبة تهدف أساساً إلى التشكيك بالديمقراطية الغربية، وإثارة البلبلة الداخلية، إضافة إلى زرع بذور الخلاف بين الحكومات الأوروبية من جهة والجانب الأميركي من جهة أخرى.

بدا واضحاً بعد انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين لولاية ثالثة في عام 2012 (بعد عامي 2000 و2004)، التركيز على دور روسيا العالمي كقوة محافظة في وجه القيم الليبرالية والانحلال الأخلاقي والأسري في الغرب، بحسب التصورات الروسية. وفي مواجهة التشكيك في الديمقراطية الروسية، اختار الكرملين التركيز على أن الفكر المحافظ يوفر الأمن والاستقرار، وهو الأهم من اتباع الديمقراطية الغربية. وشكلت استضافة سانت بطرسبورغ عام 2015 مؤتمراً ضم ممثلي الحركات القومية الأوروبية المتطرفة، ومنها تيارات نازية، سابقة في تاريخ روسيا التي طالما تفاخرت بأنها أنقذت العالم من النازيين، وخصوصاً أن المؤتمر نُظّم في مدينة (كان اسمها لينينغراد) عانت حصاراً من جيوش أدولف هتلر النازية، دام أكثر من ثلاث سنوات قضى فيه مئات الألوف من الجوع. ومنعت السلطات الروسية تنظيم تظاهرات احتجاجاً ضد المؤتمر الذي دعا إليه القومي ديمتري راغوزين رئيس حركة الوطن، أحد أبرز حلفاء بوتين الذي شغل مناصب حكومية عدة.

الحاجة الروسية لعلاقات متينة مع قوى اليمين المتطرف برزت في شكل واضح، بعد ضم شبه جزيرة القرم في ربيع 2014 وأحداث شرقي أوكرانيا، وما تلاها من عقوبات غربية على روسيا. ومعلوم أن معظم الحركات الشعبوية الأوروبية دعمت الخطوة الروسية. لكنّ خبيراً روسياً في العلاقات الدولية قال لـ"العربي الجديد"، إن "غاية الكرملين من العلاقات مع الحركات اليمينية، والتدخل في الانتخابات الأميركية والأوروبية تتجاوز الحصول على دعم في موضوع القرم وأوكرانيا، وتهدف أساساً إلى زرع الخلاف على ضفتي الأطلسي، وهو ما حصل بعد انتخاب دونالد ترامب بدعم روسي، إضافة إلى تفتيت أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ما يدفع باتجاه تشكيل تحالف بين البلدان الأوروبية متفرقة مع روسيا، التي تطمح إلى دور عالمي أكبر، مستغلة مساحتها الكبيرة وعلاقتها الجيدة مع الصين لبناء فضاء أوراسي موحد من المحيط الهادي إلى الأطلسي".
وأوضح الخبير نفسه أن "صنّاع القرار في موسكو انتشوا بعد فوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية عام 2016، بعد تدخل واضح عبر تسريب محتويات البريد الإلكتروني لعدوّة الكرملين المرشحة هيلاري كلينتون، وتنظيم حملة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن تكرار الاختراق في الانتخابات الأوروبية بات أصعب مع الإجراءات التي اتخذها فيسبوك وتويتر وغيرهما للكشف عن الحسابات المزيفة، ومعرفة مصدر الهجمات الإلكترونية من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية. كل ذلك جعل موسكو تتبنى أسلوباً هجيناً يجمع بين الحملات الإلكترونية التي تستهدف الديمقراطية الغربية، ودعم الأحزاب اليمينية والحركات الشعبوية سراً وفي العلن".

ولفت الخبير الروسي إلى أن "موسكو تلقت ضربة قوية بعد طرد أكثر من 150 دبلوماسياً في البلدان الغربية العام الماضي، بعد حادثة تسميم الضابط السابق سيرغي سكريبال وابنته (مارس/آذار 2018)، ما اضطرها إلى تكثيف العلاقات مع القوى الداخلية في البلدان الغربية بعد فقدان شبكات تعمل لصالح روسيا كان يديرها هؤلاء الدبلوماسيون".

بدوره، نفى المدير العام لمركز "كاتيخون" للتحليل والبحث، ميخائيل ياكوشوف، تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية والأوروبية. وفي حديثٍ لـ"العربي الجديد"، قال ياكوشوف إن "القوى التي تدعي تدخلنا تهدف إلى تشويه صورة روسيا وشيطنتها والتغطية على الأسباب الحقيقية لفشل هذه القوى في الانتخابات، فمن الأفضل مثلاً للديمقراطيين أن تكون روسيا شماعة يعلقون عليها خسائرهم بدلاً من الإقرار بفشلهم وأخطائهم". كما رفض الاتهامات بأن "روسيا تسعى إلى تفتيت الاتحاد الأوروبي"، ومع إشارته إلى وجود علاقات جيدة بين بلاده و"أحزاب تعبّر عن إرادة معظم الشعوب الأوروبية التي باتت لا تؤمن بأفكار الليبرالية وتدعو إلى إعادة القيم المحافظة، وإنهاء تحكم بروكسل بالدول الوطنية"، شدّد ياكوشوف على أن "روسيا لا تتدخل تاريخياً في شؤون الدول الأخرى، ومصير الاتحاد تحدده الشعوب. ونحن سننسق مع الاتحاد والدول المنفردة في الوقت ذاته". وأضاف أنه "لا ينصح أصلاً بأي تحالف مع الاتحاد الأوروبي الضعيف، الذي بات مختطفاً لدى الولايات المتحدة وغارقاً في مشكلات كبيرة، مع تدفق ملايين اللاجئين وزيادة مشكلات القتل والاغتصاب". وخلص الخبير في مركز الدراسات الداعم لفكرة "أوراسيا"، التي يروج لها الفيلسوف القومي الروسي ألكسندر دوغين، إلى أن "أوروبا والولايات المتحدة اليوم هما الرجل الضعيف وأشبه ما تكون بالإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين".

وكشفت تصريحات بوتين لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، عشية قمة العشرين الأخيرة في أوساكا اليابانية، الشهر الماضي، أن "روسيا ماضية في طرح نفسها كقوة محافظة". وقال بوتين إن "الفكرة الليبرالية استنفدت غرضها، وأصبحت المعارضة الشعبية للهجرة وفتح الحدود والتعدد الثقافي والتسامح الاجتماعي واسعة للغاية"، مشيراً إلى أن "الحكومات الليبرالية لم تعمل على طمأنة المواطنين، وبدلاً من ذلك اتبعت تعدد الثقافات الطائش الذي يتبنّى، من بين أمور أخرى، المثلية الجنسية". واستدرك قائلاً: "ليست لدينا مشكلة في أن يصبح الجميع سعداء، لكن يجب ألا يُسمح لهذا بأن يلقي بظلاله على الثقافة والتقاليد والقيم الأسرية التقليدية لملايين الأشخاص الذين يشكلون غالبية السكان".

وبعد نحو 30 عاماً على زوال شعارات الأممية الشيوعية، يبدو أن موسكو تسعى إلى أن ترفع راية القيم المحافظة في العالم، فبعد فشلها في تبوؤ مكانة الاتحاد السوفييتي العالمية، الذي كان يتحكم بأكثر من نصف العالم أثناء الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، لم يبرز دور روسيا عالمياً لأسباب موضوعية تتعلق بالضعف الاقتصادي، وفشل سياسات النخب التي قادت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تحقيق الاستقرار، وبسبب رفض الغرب منح روسيا مكانة في النظام العالمي الجديد والنظر إليها كخاسر يجب أن يتبع قيم الغرب كاملة. ولتحقيق هدفها ربما تكون روسيا وجدت ضالّتها في الأحزاب اليمينية والشعبوية الراغبة في الوصول إلى السلطة في أكثر من بلد أوروبي وإنهاء الاتحاد.

المساهمون