الجندرة في "البرليناله 2020": سينما أم مساواة؟

02 مارس 2020
الصورة
أنييشكا هولاند: حضور امرأة وجمال سينما (توماس نيدرميولّر/Getty)
مهرجانات سينمائية دولية عديدة "مهووسة" بالجندر، فتجهد في إيجاد معادلة ما بين النساء والرجال في خياراتها المتعلّقة بالأفلام أو بصانعيها الذين يُشكّلون لجان تحكيم مختلفة. لذا، تذكر إدارة "مهرجان برلين السينمائي الدولي" أنّ هناك 138 مخرجة و207 مخرجين تُعرض أفلامهنّ/ أفلامهم في الدورة الـ70 (20 فبراير/ شباط ـ 1 مارس/ آذار 2020). تقول النسب المئوية إنّ للنساء 37,9 بالمئة (مقابل 45 بالمئة عام 2019)، وللرجال 56,9 بالمئة (مقابل 52 بالمئة عام 2019)، وإنّ هناك 8 مشاركات/ مشاركين (2,2 بالمئة) لم تؤكّد/ يؤكّد الهوية الجنسية الخاصّة بها/ به.

هذا حاضرٌ في مهرجانات كثيرة. المنتج الأميركي هارفي وينستين سببٌ أساسيّ، يُضاف إلى أسبابٍ يُعاد صوغها بعد انكشاف فضيحته، الممتدة على أعوام طويلة من التحرّش الجنسي. أسبابٌ أخرى تتمثّل بالغبن اللاحق بالعاملات في صناعة السينما، في هوليوود وأوروبا، نتيجة سيطرة الرجال على المناصب الأساسية في الصناعة. بعض مسؤولي المهرجانات يتمسّك بأولوية السينما على الجندر. يُدافع عن خياراته، لأنّها ـ برأيه ـ منبثقة من همّ سينمائي، من دون أنْ يتغاضى كلّياً عن رغبة ـ ولو مبطّنة ـ في إيجاد مساواة ما بين الجنسين. قراءة هذا في أفلام "البرليناله الـ70" صعبةٌ، فالأفلام كثيرة، والبحث عن "سينمائيّةِ" أفلام المخرجات، المُشاركة في الدورة الأخيرة هذه، يُلغي الاهتمام بالسينما كنتاج بصري وثقافي وجمالي. الأرقام السابقة تعكس الكمّ، والمُشاهدات، إنْ تتمكّن من متابعة "كلّ" الأفلام النسائية، يُفترض بها أنْ تفضي إلى قراءة نقدية مهمومة بالفنّ السابع أساساً.

"شرطة" (2020) للفرنسية آن فونتان (برنامج "البرليناله المميّزة ـ غالا") مثلٌ يُستند إليه في هذا الإطار: الإخراج لامرأة، والدور الأساسي لامرأة. لكن الاشتغال السينمائي عاديٌّ للغاية، وموضوعه "الإنساني" يُلمِّع صورة الشرطة الفرنسية، في مرحلة متّسمة بصدامات عديدة بين الشرطة وفرنسيين كثيرين، بعضهم متحدّر من أصول غير فرنسية، إما في الضواحي أو في قلب باريس. أداء فرجيني افيرا (فرجيني) مُبالَغٌ فيه أحياناً. توتّرها غير مُقنع كثيراً، رغم أنّها تعكس شخصية امرأة تعاني خللاً في عائلتها، وارتباكاً في ارتباطها بزميلها أريستيد (عمر سي)، وحملها جنيناً منه. انكسارها الانفعالي أمام توهيروف (بيمان معادي)، المُرحَّل من بلدها لـ"انتفاء" سببٍ قانونيّ للبقاء فيه لاجئاً وهارباً من بلده، متصنّع أحياناً، بل مُبالَغٌ فيه كأدائها عامة. هذه حالات تدفع إلى التساؤل عن اختياره في "البرليناله الـ70": أيكون السبب قناعة الإدارة الفنية للمهرجان بأولوية اتّخاذ موقفٍ من التعنّت الأوروبي إزاء الهجرة إلى بعض أبرز بلدان القارة القديمة، عبر السينما، بل عبر "أي" سينما ممكنة؟

Charlatan (البرنامج نفسه) مثلٌ ثانٍ، يتناقض والأول كلّياً. مخرجته امرأة. البولندية أنييشكا هولاند تعود إلى المرحلة السوفييتية في تشيكوسلوفاكيا، لتسرد حكاية مُعالِج بالأعشاب الطبيعية، يواجه تحدّيات كثيرة في حياته (قصّة حقيقية). التناقض يبرز في المسائل المختلفة، ويكشف فرقاً كبيراً بين الفيلمين لمصلحة الثاني: سيناريو (ماريك ابشتاين) متماسك بمنطق درامي وسردي يذهب إلى عمق الذات وارتباكاتها، وإخراج يوازن بين الحكاية الشخصية ليان ميكولاتشيك (إيفان ترويان) وأزمنة الخراب في بلدٍ طالعٍ من الحرب العالمية الثانية، وخاضعٍ لنظام سوفييتي استخباراتي حاد. أداء الممثل التشيكي ترويان باهر. المونتاج (بافل هردليتشكا) يمنح السرد وتقاطع المراحل والحكايات جمالية بصرية تُنظِّم الإيقاع الزمنيّ للفيلم.



هذان مثلان غير متمكّنين من اختزال المسألة. يصعب فهم آلية اختيار أفلام المهرجانات وأعضاء لجان التحكيم. إعلان النسب المئوية للأفلام وأعضاء اللجان في كلّ دورة انعكاسٌ لرغبة في إبعاد تهمة "العداء" للنساء عن إدارات المهرجانات. هناك أيضاً سؤال الحضور النسائي في إدارة المهرجان وأقسامه المختلفة. مارييت ريسّنبك، المديرة التنفيذية لـ"البرليناله"، تقول إنّ "المساواة بين الجنسين مهمّة بالنسبة إلينا، لكن الأمر يتطلّب وقتاً، فلا شيء يُمكن تحويله بين ليلة وأخرى" (مجلة "الفيلم الفرنسي"، 21 فبراير/ شباط 2020). تؤكّد أن نساء كثيرات يحضرن داخل المهرجان، فأقسام إدارية وتنظيمية عديدة، كما أقسام الصحافة والتواصل والبحث عن رعاة، معقودة على النساء: "نحن نعي تماماً مسألة التباين الحاصل في صناعة السينما، ونريد التنبيه إليها"، كما تقول، مشيرة إلى أنّ السينما "مرآة المجتمع، والمكان المثالي لمناقشة مواضيع اجتماعية".

من جهته، يؤكّد كارلو شاتريان، المدير الفني للمهرجان ما هو معروف: "حضور النساء في السينما أقلّ من حضور الرجال دائماً، وعلى هذا الوضع أن يتغيّر". بالنسبة إليه، سؤال التنوّع غير مختصّ بالنساء فقط: "هناك عمل كثير يجب القيام به، على مستوى الاكتشاف لا الاختيار". يتوقّف عند World Cinema Fund وBerlinale Talents، قائلاً إنّهما مهمّان جداً في اكتشاف مواهب نسائية (وغير نسائية): "بالنسبة إلى اختيار الأفلام، أقول إنّي ضد الكوتا. فالكوتا تبدو اختياراً داخل الاختيار، وهذا قد يؤدّي إلى نوع من الغيتو" (المجلة نفسها).

هذه تساؤلات. النقاش مستمر، ما دام النزاع مستمراً، والواقع مُصابٌ بعطبٍ متمثّلٍ بميل الدفّة إلى الرجال، وهذا عطبٌ يجب إصلاحه.