الجماهير الرياضية في تونس.. ضد عودة "الدولة البوليسية"

24 يونيو 2017
الصورة



لم يخطر ببال الشباب؛ حمزة دبيبي، وصبري عطواني، ويوسف موسى، قبل رفعهم لافتة عملاقة كتب عليها "كرهناكم يا حكام.. تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام"، أن ما كتبوه سيصبح محور اهتمام وسائل الإعلام العالمية، تغضب بسببه وزارة الداخلية التونسية، لتعتقل شبابًا غيورين على أمّتهم لا ذنب لهم سوى حبّ فلسطين ومناداتهم بالوحدة العربيّة في وجه العدوّ الأزلي.

وبينما لم يتصوّر هؤلاء الشباب الثائرون أن مجرّد رفع لافتة في مناسبة رياضية قد يؤدي بهم إلى الاعتقال، لم يستوعب المسؤولون التونسيون الذين أصدروا أوامر اعتقال المشجّعين المنتميين إلى مجموعة "الليدرز" الشهيرة، إرضاءً لدول خليجية بعينها، أن هناك ثورة قد حدثت، قُتل وجرح خلالها المئات من الأبرياء، كانت قد مهّدت لها الجماهير الرياضية الثائرة في مختلف ملاعب الجمهورية التونسية.

حادثة اعتقال الأمن التونسي ثلاثة ناشطين من جمهور النادي الأفريقي على إثر حادثة رفع لافتة مندّدة بحصار قطر، والتي أثارت سخطًا كبيرًا في الشارع التونسي بسبب ما اعتبره ناشطون محاولة جديدة من السلطات التونسية للسطو على حريّة التعبير، أهم مكسب حققته ثورة 14 يناير، أعادت من جديد طرح موضوع مشاركة الجماهير الرياضية في مقاومة الاستبداد في حقبة النظام السابق ودورها في حماية الانتقال الديمقراطي الهش بعد ست سنوات ونصف السنة من إشعال محمد البوعزيزي نفسه في محافظة سيدي بوزيد.

وفي هذا السياق، يرى الإعلامي التونسي إسلام المؤدّب أن "الجماهير الرياضية في الملاعب التونسية، ومنذ انبعاث ما يعبر عنه بمجموعات "الألتراس" التي تتبنّى في فكرها الدفاع عن الحريّة، كانت رافضة لسياسة التضييقات وسلب الحرّيات التي كان يعتمدها البوليس التونسي".

وأضاف المؤدب في حديثه إلى "جيل" "هذا البوليس التونسي عاد للضرب بيد من حديد مجددًا، لأجل عودة دولة القمع إلى سالف عهدها، لكن الجماهير الرياضية رفضت بشدّة كل أشكال هذه التضييقات، وظلت متمسّكة بحرّيتها التي افتكتها بنفسها زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بعد صراعات دموية مع نظامه البوليسي".

ولكن وعلى الرغم من إشادته بدور الجماهير الرياضية في مقاومة الاستبداد قبل الثورة، أكد الإعلامي التونسي أنه من المفروض أن تكون هذه الجماهير بعيدة عن السياسة داخل الملاعب، وأن يقتصر دورها على التشجيع، وعند الخروج من الملاعب فبإمكانهم أن يتحوّلوا إلى مواطنين يمارسون حقوقهم السياسية.

الإعلامي فراس بن سعد، يؤكّد هو الآخر أن الجماهير الرياضية اختارت قبل 14 يناير، أن تكون لسان المضطهدين والمدافع الأوّل عن حقوق وكرامة التونسيين، فكانت أغانيهم وأهازيجهم تعبيرًا عما بداخل ملايين التونسيين الممنوعين من حقهم في التعبير بحرية.

ويستدرك بن سعد في تصريحه لـ"جيل" قائلًا "لكن بعد الثورة اختلطت الأمور، فمع ارتفاع منسوب الحرياّت، نجح بعض المسؤولين الرياضيين المنتمين لأحزاب سياسية بعينها، في اللعب على وتر التفرقة بين الجماهير على أساس الجهة والانتماء السياسي، حتى أصبحت بعض المجموعات محسوبة على طرف سياسي أو مسؤول رياضي دون آخر".

محمد سليماني، أحد محبي النادي الأفريقي قال في حديث إلى "جيل" إن "الجماهير الرياضية في تونس كانت السباقة في المناداة بالديمقراطية لإدراكها أنها السبيل الوحيد الذي سيسمح لها من خلاله بالتعبير عن أفكارها، وإيصال مبادئها التي تنادي بها"، ملاحظًا أن عليها الفصل بين دورها الرئيسي في تشجيع فرقها وبين انتماءاتها السياسية.

وأكد سليماني أن هذا الفصل لا يمنع أن تتدخّل هذه الجماهير عندما يتمّ المساس بالحريّات العامة في البلاد لكن بعيدًا عن الولاءات الحزبية والدوافع الأيديولوجية، وفي إطار احترام القانون والابتعاد عن العنف".

بدوره، يرى إلياس بلقاسم، المصوّر الرياضي ومشجّع النجم الرياضي الساحلي التونسي، أن "جماهير فريقه كانت من أوائل الجماهير التي طالبت بالديمقراطية في زمن بن علي، ذلك أن فريقها حُرم من كثير من الألقاب المحليّة بسبب سطوة فرق أخرى عليها، لهذا كانت شعاراتها المرفوعة ضد سياسة الدولة وضد الأمن الذي كان يقمعها".

ولاحظ بلقاسم في حديث إلى "جيل" أن أعوان الأمن بعد الثورة صاروا أقل ممارسة للعنف كما شهد منسوب الحريات ارتفاعًا في كل المجالات، وهو ما استفادت منه الجماهير الرياضية التي أصبحت تتمتّع بحقوق ولديها مطالب، استغلتها في الدفاع عن المكاسب التي تم تحقيقها بفضل تضحياتها.

يتذكر التونسيون اليوم جيدًا تاريخ الثامن من أبريل/ نيسان 2010، والذي لن يُمحى من ذاكرة الجماهير التونسية المتخذة من عقلية "الألتراس" منهجاً لتشجيع فرقها، ففي هذا اليوم الدموي في تاريخ الملاعب التونسية، وقبل ربع ساعة من نهاية المباراة التي جمعت الترجي الرياضي ضد حمام الأنف على ملعب المنزه، انقطع التيار الكهربائي عن الميدان، ما أجبر حكم المباراة على إيقاف المباراة مدة 13 دقيقة، لتندلع على إثرها مواجهات دامية بين جماهير الترجي وعناصر الشرطة، ما أسفر عن سقوط جرحى من الطرفين، في حين ادّعت جماهير الترجي مقتل رجلي أمن.

وعن دور هذه الجماهير في تحدّي ومواجهة دكتاتورية وقمع نظام بن علي، يقول الناشط الحقوقي مروان جدّة في حديثه إلى "جيل" "رغم أن رؤساء الجمعيات عموما كانوا من رجال اﻷعمال الداعمين لمنظومتي الفساد والاستبداد، إلا أن الجماهير الرياضية في معظمها كانت متمرّدة على اﻷنظمة، حيث برز ذلك جليًا مع ظهور المجموعات الرياضية، خاصّة منها تلك التي تبنّت عقلية "اﻷلتراس" العالمية في التمرّد على السلطة ورفع شعارات الحريّة والمقاومة".

ويستذكر جدّة إحدى أغنيات جمهور الترجّي الرياضي التونسي الناقدة للنظام البائد والمطالبة بالحرية، وجاء في كلماتها "الحرية يا العالي كيف نكسبها، حتى الكورة حكموا فيها أصحاب السلطة، ومنها حرمونا العاصمة صارت غمة، بالله فوتونا الشباب يصنع أقوى أمة"، مشيرا إلى أن هذه اﻷغنية تعتبر مرجعًا لكل المجموعات الرياضية، بتأكيدها على المبادئ التي تأسست عليها "الألتراس"، إذ جاءت كردة فعل على حملة الاعتقالات والتضييقات التي شنها نظام بن علي وقتها، والتي وصلت إلى حد منع كل الملابس الرياضية التي تحمل شعار أي مجموعة.

وشدّد الناشط الحقوقي التونسي على أن هذه الجماهير حرّضت على كسر حاجز الخوف قبل الثورة، سواءً بأهازيجها المتمرّدة أو بمقاومتها المباشرة للبوليس رمز قوّة النظام آنذاك، كما ساهمت في الثورة بشكل فعّال حتى إن كثيراً من المسيرات انطلقت من الملاعب.

وأوضح مروان جدّة أن مجموعات "الألتراس" التونسي كانت لها رسائل تضامنية مع كل قضايا الأمة سواءً عند المس من مقدساتها أو احتلال أراضيها على غرار غزو العراق والقضية الفلسطينية، وهو ما أكدته الرسالة اﻷخيرة التي بعثت بها جماهير النادي اأفريقي إلى حكام العرب.