الجزائر ومعضلة الاقتصاد غير الرسمي

17 يونيو 2019
الصورة
متسوقون في سوق بالجزائر (رياض كرامدي/فرانس برس)
تعاني الدول المُتخلِّفة والضعيفة اقتصادياً بشدّة من ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي التي تكبِّد الجزائر خسائر مادية فادحة، ولو كانت الأموال الناتجة عن الأنشطة غير الرسمية تذهب لتدوير عجلة الاقتصاد الجزائري لكان الوضع أفضل، ولكن للأسف تعرف تلك الأموال طريقاً آخر نحو البنوك الأوروبية.

وغالباً ما تتسامح الدول مع الاقتصاد غير الرسمي لأنّه ببساطة يعتبر وسيلة جدّ فعّالة ومهمّة لامتصاص الغضب والبطالة وشراء السلام الاجتماعي والحفاظ عليه في أراضيها الحدودية، لكن عندما نرى أنّ الجزائر المتضرِّرة من أنشطة التهريب تتسامح مع هذه الآفة، نتأكَّد أنّ هناك جهات فاعلة خفية تستفيد من هذا الاقتصاد الخفيّ، والأخطر من ذلك أنّ هناك علاقات تنشأ وتتشعَّب من وراء السوق السوداء.

الحوكمة السيِّئة

عندما نرى دولة غنية بالثروات النفطية كالجزائر محرومة من مظاهر التنمية بمختلف أبعادها، نتأكَّد أنّ هناك حوكمة سيِّئة وإطاراً مؤسساتياً هشّاً كلياً يسمح باستمرار الأنشطة غير الرسمية.

فالحوكمة الضعيفة، المتمثلة في ضعف سيادة القانون وانعدام الشفافية والمساءلة وعدم فعالية الحكومة وتفشِّي الفساد وتردّي النوعية التنظيمية، تساهم بشكل كبير في غياب رادع لهذا الاقتصاد الخفيّ والذي سيستمرّ في النمو حتى يصل إلى مرحلة قد يغري فيها أصحاب القرار للانخراط فيه، وبالمقابل عندما نرى اقتصاداً غير رسمي نشيطاً في وضح النهار نتأكَّد تماماً أنّ هناك نسيجاً مؤسساتياً جدّ ضعيف لا يقوى لا على السيطرة ولا على التصدّي لأيّ مشكلة مهما صغر حجمها.

وبالطبع يضمن كل من التهريب والاقتصاد غير الرسمي استمرار هشاشة المؤسسات وضعف الحوكمة إلى الحدّ الذي يصبح فيه هناك نوع من التواطؤ من قبل النظام. وتؤكِّد الإحصائيات الصادرة عن المنظمات الدولية سنوياً على ضعف مؤسسات الدولة التي وبالرغم من ذلك تستمرّ في تطبيق سياسات لا تقود الاقتصاد نحو الفلاح والازدهار.

مثلاً سياسة الرقابة على الحدود المطبقة حالياً في الجزائر لم تتصدّ للاقتصاد غير الرسمي وتفيد عدداً مهماً من الجهات الفاعلة. علاوة على ذلك، ونظراً للقيود الكبيرة، فإنّ تلك السياسة تخلق حوافز كبيرة لممارسات الفساد في المؤسسات المسؤولة عن السيطرة، كالجمارك مثلاً، بمعنى آخر يحفِّز تطبيق السياسات التقييدية على الحدود المسؤولين في المؤسسات الرقابية على الانسياق وراء الفساد والاستسلام أمام الرشوة.

تشديد الرقابة على الحدود


بالطبع لا ينفع تشديد الرقابة على الحدود الجزائرية في التصدّي للاقتصاد غير الرسمي، لأنّ زيادة القمع على طول الحدود سيتمّ من خلال استخدام العديد من المعدات والخدمات اللوجستية وإنشاء البنية التحتية، وهذا الأمر مكلف جدّا وله تأثير محدود في الوضع الراهن، نظراً لكون العوامل المحفِّزة على استمرار الاقتصاد الخفيّ قائمة، كما يمكن أن يساهم كل ذلك في تقويض الإدارة الداخلية للجمارك بسبب تفشِّي الفساد.

وفي هذه الحالات تكون المراقبة في المدن الواقعة على الحدود وأسواقها باستخدام مصادر استخباراتية أفضل بكثير من مراقبة الحدود نفسها، لأنّ مصدر المعاملات غير الرسمية يوجد في أسواق تلك المدن.

وماذا عن السوق المغاربية المشتركة ومناطق التجارة الحرّة التي ما زالت حلماً لم تُكتب له الولادة على أرض الواقع، فهذا الإجراء يمكن له أن يشلّ الاقتصاد غير الرسمي وكل الفاعلين فيه، ولكن المشاكل والخلافات السياسية المزمنة كان لها دور كبير في إعاقة تلك المشاريع المغاربية.

ولا يمكن أن ننسى أيضاً التدخُّل الأوروبي، ولا سيَّما الهيمنة الفرنسية، على المنطقة المغاربية والتي لها مصالح شَتَّى في عدم تكامل المغرب العربي واتحاده ولها مآرب عديدة في استمرار الاقتصاد غير الرسمي الذي يحرم الجزائر العديد من فرص النمو والتنمية، وفي الأصل إذا بحثنا عن أيّ مشكلة سواء اقتصادية أو سياسية تعاني منها البلاد، سنجد جذوراً فرنسية لتلك المشكلة لا محالة.

سياسة الدعم السخيّة

إذا أردنا حلّ مشكلة ما ينبغي أن نتجنَّب تماماً الحلول الترقيعية وسياسة الدواء المُسَكِّن للآلام والبحث بدلاً من ذلك عن أصل المشكلة ومعالجاته، حيث يرجع سبب نشاط الاقتصاد غير الرسمي حول الحدود مع الجيران إلى سياسة الدعم التي تنتهجها الحكومة الجزائرية، حيث يتمّ تدعيم المواد الغذائية الأساسية، كالحليب ومشتقاته والسكر والزيت والدقيق، والمواد البترولية كالبنزين، وهي السلع نفسها التي يتمّ تهريبها عبر الحدود نحو المغرب، تونس، مالي والنيجر.

لذلك وبدلاً من تضييق الخناق على الحدود، فالأحرى بالحكومة أن تلغي سياسة الدعم التشويهية هذه وتستبدلها بمدفوعات نقدية للفئات المتوسطة والفقيرة والمُهمَّشة وتقوم بتسعير هذه السلع بالأسعار نفسها المتداولة عالمياً، وهكذا يتمّ ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث سيتمّ من جهة شلّ الاقتصاد غير الرسمي الذي يستنزف الخزينة العمومية ويجعل من سياسة الدعم تشمل أيضاً الدول المجاورة، ومن جهة أخرى سيتمّ تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في توزيع المداخيل.

لقد بلغ السيل الزبى مع سياسة الدعم المنتهجة حالياً والتي تفيد الأغنياء أكثر مِمَّا تفيد الفقراء، فمثلا الدعم الحالي للسكر والزيت يفيد أصحاب المصانع والمهربين أكثر مِمَّا يلبِّي حاجات الفقير الذي لا يتعدَّى استهلاكه اليومي رطلاً من السكر ونصف لتر من الزيت، والأمر سيان بالنسبة للوقود المُدَعَّم الذي يفيد المهربين ومالكي الحافلات والسيارات الفاخرة أكثر مِمَّا يفيد الفقير الذي لا يمتلك سيارة ولا يستعمل النقل العمومي بكثرة.

لذلك تعتبر سياسة الدعم الحالية خطراً كبيراً على الاقتصاد، كما أنّها تزيد من حرمان الفئات المتوسطة الدخل والمعوزة، لأنّها ببساطة تزيد الغني غنى على غناه وتحوِّل الدعم إلى الدول المجاورة، والاستمرار بانتهاج هذه السياسة هو تكريس لعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر.

حلول مقترحة

ولمحاصرة الظاهرة نطرح أهمّ الحلول الممكن اتباعها للحدّ من تنامي الاقتصاد غير الرسمي وردع الفاعلين فيه :
- التَّخلِّي عن سياسة الدعم الحالية في الجزائر ومراجعة أسعار السلع الغذائية الأساسية والمشتقات البترولية واستبدالها بتوجيه تحويلات نقدية لذوي الدخل المتوسط والضعيف والمُهمَّشين كلياً.
- تعزيز التنسيق الإقليمي مع دول المغرب العربي الأخرى، من حيث الرسوم الجمركية ومستويات الضرائب والإعانات.
- منح مكافآت نقدية تحفيزية لموظفي الجمارك الذين يتّسمون بالكفاءة في كشف معاملات التهريب، وبالمقابل فرض نظام عقابي صارم على الضباط المتورّطين.
- وضع أنظمة رقابية في أسواق المدن الواقعة بالقرب من الحدود مع الدول المجاورة بدلاً من تكثيف الرقابة على الحدود نفسها والتركيز على المدن التي تتمتَّع بظروف مناخية جيدة، لأنّ الدراسات المسحية والاستطلاعية التي تناولت موضوع الاقتصاد غير الرسمي أثبتت أنّ التهريب ينشط بقوّة في المناطق الحدودية التي تتمتَّع بظروف مناخية جيدة وينعدم في المناطق الحدودية التي تتوفَّر على ظروف معيشية ومناخية وجغرافية صعبة وقاسية.
تعليق: